مناهج الفقر: من فائض القيمة إلى الابتكارات المزعزعة

الأربعاء 17-04-2019| 15:00

إسماعيل محمد خيرات

يعيش العالم اليوم شرخا اجتماعيا لا شبيه له في التاريخ .. لم يحدث أن امتلكت قلة من الناس أموالا تفوق الخيال بهذه الطريقة التي حدثت في هذا العصر،فقد ورد في قائمة فوربس الأمريكية أن ثروة 2208 شخص الأكثر ثراء في العالم بلغت سنة 2018 ما يناهز 9.3 تريليون دولار ، وهو مبلغ يعادل عشر الناتج المحلي للعالم كله، أو لعل الصورة تكون أقرب إلى الذهن إذا قلنا مثلا إن هذا المبلغ يساوي تقريبا الناتج المحلي لروسيا والمانيا و ابريطانيا وفرنسا مجتمعة مضافا إليه الناتج المحلي لإفريقيا كلها .. ألفين ومئتي شخص فقط ، يملكون كل هذا المال.
 و في المقابل لا يزال حوالي 4 مليار شخص ، أي نصف سكان الأرض يكدون يوميا لمجرد تأمين وجبة الطعام للبقاء على قيد الحياة، ولا يزال هناك إلى اليوم، مليار إنسان لم تصلهم الكهرباء بعد ، بالرغم من أن الكهرباء كما هو معلوم قد تم اكتشفاها في القرن التاسع عشر..
لم يحدث أن عاشت الأرض هذا التفاوت المخل من قبل ، لقد ظلت الطبيعة تفرض عبر كل مراحل التاريخ بمواسمها المتقلبة بين الخصب والجدب والوداعة والهيجان نوعا من التقارب في المداخيل ، وقد وصف جون ماينار كاينز تاريخ الإنسان بما معناه ".أنه كان تاريخ نمو بطيئ فإلى أواخر القرن الثامن عشرلم يحدث اختراق تكنولوجي فعلي ولا تراكم للمال يؤدي إلى نمو اقتصادي مختل أو غير مختل .." و لا يمكن القول في الحقيقة إن تاريخ الإنسان قبل الثورة الصناعية كان تاريخ مداخيل عادلة بين الأغنياء والفقراء إلا أنه كان في الغالب تاريخا ريفـيا متأرجحا ،صعودا وهبوطا، حسب المواسم .. ليس فيه غنى ثابت ولا فقر ثابت لأن اللاعب الرئيسي فيه، هو الطبيعة ..
أما الاختلالات اليوم وحتى الكوارث فهي من صنع الإنسان، بوصفه اللاعب الرئيسي، ولهذا السبب سمى الجيولوجيون هذا العصر بالانتروبوسين، أي عصر الإنسان، ولا جدال في أن الاختراقات التكنولوجية و تراكم المال في القرنين السابقين كانا وراء الكثير من القلاقل والاضطرابات التي قادت للعديد من الحروب، ومن المؤكد - كما هو معلوم- أن "الاشتراكيات" من كل المشارب وكل الأفكار، ومن ضمنها تيارات الفوضوية و اللاسلطوية ، لم تكن شيئا اهتدى إليه عقل الإنسان بفطنته وخبرته وتطوره، بل لجأ إليه بمعاناته وآلامه، وقد وصف جوزيف ابرودون أول فيلسوف لا سلطوي الملكية الخاصة بالسرقة
وحتى جان جاك روسو، فيلسوف الحرية فقد قال: " إن أول إنسان اقتطع لنفسه قطعة أرض ، وقال" هذه لي " لابد أنه وجد أشخاصًا ساذجين بما فيه الكفاية ليصدقوه ... ولكن الإنسان يتراجع كل مرة ينسى فيها بالفعل أن ثمار الأرض هي ملكنا جميعا ، بينما الأرض ذاتها ليست ملكا لأحد ".( روسو- خطاب في اللا مساواة) 
لقد أجهد كارل ماركس نفسه كاقتصادي سياسي عظيم ليفسر خلل تدفق الثروة في اتجاه واحد ، و من اجل ذلك ابتدع نظرية فائض القيمة،ففي رأيه ان الثروة تنشأ فقط من نسبة العمل غير المدفوع، بمعنى أن تبادل السلع في حد ذاته لا يصنع الثراء لأن قيمة المنتج ثابتة وما يحدث هو تراكم لقيمة العمل، "فإذا قام الكاهن مثلا برفع سعر الكتب فسيقوم المزارع برفع سعر الخضار"، لهذا فإن السلعة الوحيدة التي تدر الربح هي فائض قيمة العمل، والواقع أن نظرية فائض القيمة لا تفسر بشكل مريح حالة التفاوت الهائل، او لنقل الشرخ الاجتماعي الذي يعيشه العالم اليوم ،ذلك أن أبعاد الكارثة هي أخطر اليوم مما كانت عليه أيام ماركس .. ومكمن الخطورة هو بالأساس في انهيار العلاقة بين العمل والإنتاج ، بمعنى أن الإنتاج يزداد ذاتيا دون الحاجة لعمل فيرتفع الدخل صاروخيا في جانب واحد.
وتقليديا، ومن وجهة نظر عمالية حتى لا نقول ماركسية فإن التكنولوجيا لا تخدم العامل ، بل تجرده من عمله .. أي تخرج سلعته (العمل) من المعادلة ، أما بالنسبة للسوق الحر فإن التكنولوجيا تخدم كل أحد ، ولو أضرت بأحد في جانب فإنها تفتح له أو لغيره فرصة في جانب أخر، وهذا جانب من قوة الراسمالية وربما ايضا من بشاعتها .وقد مضى زمن على هذا الجدل دون حسم بات، ولم يكن ليحسم بأي حال لصالح العمال إلا حين بدأت مقصلة ما أصبح يعرف بالابتكارات المزعزعة تقصف الرؤوس في السوق . 
ما الذي يمكن أن يحدث، إذا كان المنتج يهدم منظومة الإنتاج بكاملها ، بل يمسح الطاولة بكل من عليها ؟.. الواقع أن هذه هي الكارثة التي صنعت في لمحة البرق أشخاصا مثل جيف بيزوس ، ورملت صناعات كان يقتات منها مئات الملايين من البشر..إنها ظاهرة الابتكارات المزعزعة.
و مصطلح "الابتكارات المزعزعة" هو مصطلح استخدمه الخبير الاقتصادي الأمريكي كلاي اكريستنسن في مؤلف له لوصف الطريقة التي تقوم بها مؤسسة ناشئة ذات موارد محدودة بقلب أوضاع قطاعات وصناعات بكاملها والاستحواذ على السوق بكامله ، كما فعلت أمازون بقطاع تجارة التجزئة في العديد من البلدان ، وكما فعلت غوغل و فيس بوك بقطاع الإعلام في العالم كله .. وغير ذلك كثير..
ومن المؤكد، أو ربما لنقل من الأرجح أن اكلاي اكريستنسن ، ربما لا يهتم كاستشاري إداري بظاهرة الابتكارات المزعزعة من منظور إفقاري أو من منظور الاستحواذ على أقوات ملايين البشر الذين ارتبطت حياتهم بهذه القطاعات المنهارة سواء كانوا عمالا أو ملاكا أو مساهمين أو موفري خدمات، بل كان يعالجها في الأصل من منطلقات تجارية ترتبط بالسوق وضرورة أن تحمي الشركات التي تخاف على نفسها مصالحها ولو بزعزعة نفسها بابتكارات تستولي هي عليها قبل أن يستولي عليها أحد آخر ..
غير أن تداعيات محنة الابتكارات المزعزعة أضخم من ذلك، حتى إن البعض يصفها بثاني أكبر تهديد اللانسانية اليوم ، بعد ظاهرة تغير المناخ ..وليس هناك اعتراض في الواقع على أنه عبر كل موجات الثورة الصناعية كانت هناك بالدوام ابتكارات تربك ما قبلها، وحتى المحرك البخاري ذاته قد يوصف ظلما بأنه ابتكارا مزعزع، ولكنه لم يكن تدميريا ( إذا ما استثنينا الضرر البيئي) فالوظائف التي قضى عليها عوضها أضعافا، وبالتالي فهو من الابتكارات غير المزعزعة ، والأمر نفسه بالنسبة للكهرباء ، و البنسلين مثلا إلخ ، والتي خلقت ملايين الفرص ولا زالت مستمرة ..
وبالمقارنة فإن آمازون مثلا قضت على قطاعات بأكملها ، وقد كانت نتيجة ذلك كارثية بلا شك على عشرات الملايين من الناس الذين ارتبطت حياتهم بهذه القطاعات ، وما فعلته آمازون في تلك القطاعات فعلته غوغل وفيسبوك لقطاع الإعلام ،لقد ماتت مؤسسات إعلامية عريقة كانت قائمة منذو قرون، وظلت توظف مئات الآلاف من البشر وترتبط بها آلاف القطاعات الخدمية بشكل مباشر او غير مباشر ..إن وجه البشاعة يكمن هنا: فهذه المؤسسات القائمة على هذه الابتكارات المزعزعة تقوم بشفط مداخيل أنشطة ،بل أسواق بأكملها لصالح أشخاص محدودين وأـحيانا لصالح شخص واحد ، وبشكل مريح، ودون مؤرق من ضرائب أو عمالة فعلية ،بالمعنى القديم للعمالة..
إن أحد الأوجه العديدة لمأساة الابتكارات المزعزعة أن العالم لا يرى إلا الناجحين فقط ، بل يتطلع إليهم بذهول وإعجاب، أما ملايين الضحايا فهم يختفون دون أن يراهم أحد أو يتابع أخبارهم أحد، مع أن 163 مليار دولار التي يملكها جيف بيزوس الآن، كانت في الأصل موزعة تقريبا بين عشرات الملايين من الناس الذين التهمت شركة آمازون أنشطتهم وخربت بيوتهم ..
وها نحن نعود او على الاقل نتذكر مرة أخرى جوزيف ابرودون والسرقة ،والواقع أننا أغفلنا رأي ماركس في أن الثروة قد تكون أداة للسرقة، ولكن الحديث ربما يكون قد قادنا - دون ان نشعر - إلى ذلك .
ولقد عبر الأستاذ جيفري ساكس وهو أحد أهم علماء الاقتصاد اليوم ومؤلف كتاب "نهاية الفقر"، عن هذه الحقيقة، بالرغم من إيمانه باقتصاد السوق ، ففي محاضرة له قبل أشهر بعنوان : عزيزي جيف بيزوس ما ذا ستفعل بكل هذا المال ؟ ، يقر ساكس بأن الاقتصاد العالمي وإن كان ديناميكيا إلا أن هذا الخلل القائم لابد من تصحيحه، ويطالب ساكس الملياردير بيزوس ونظراءه من فاحشي الثراء بالتبرع لصالح الصحة والتعليم في الدول المنخفضة الدخل..إنها صرخة من اقتصادي ليبرالي للقول بطريقة مهذبة ، ردوا بعض ما أخذتم ؟ .
إن هذا لا يعني أن الابتكارات المزعزعة لم تقدم خدمات للناس، بل العكس، ولكن المشكلة هي أنها لا تريد أن يشاركها أحد في خدمة الناس،إنها تريد الاستيلاء على كل شيء، إن فيس بوك يتجاوز الآن الثلاثة مليار مشترك وهو يخطط بجنون للأربعة ونيف مليار المتبقية من سكان الأرض ،وهذا، أيضا جانب من هشاشة هذه المؤسسات وعدم استدامتها ، فهي هي أيضا تخشى من ابتكارات مزعزعة تعيدها للحضيض..
ومن المؤكد أن انعكاس الوضع على الناس العاديين وخاصة في المناطق الفقيرة من العالم قد لا يكون أحسن منه في المناطق الأخرى من العالم مع أنما جرى كله في العقود الأخيرة كان يصب في صالح الترابط، إلا أنما قدمته أغلب الابتكارات المزعزعة من حلول ،وخاصة في المناطق المتخلفة قد لا يكون من الأولويات الفعلية بالنسبة لهذه المناطق ، اي ان الهواتف لم تكن على رأس مطالب الشعوب الفقيرة، وقد أوردت الغارديان مؤخرا أنه بالنسبة لأغلب البلدان في إفريقيا جنوب الصحراء ،فإن الحصول على هاتف نقال صار أسهل من الحصول على مياه صالحة للشرب ..
إن الخلاصة هنا بينة ، إن العالم يسير في طريق غير آمن، والمؤشرات على ذلك كثيرة سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية ..وليس هناك شك في أن الحاجة ماسة لتصحيح الأوضاع، وهو أمر للأسف لا تبدو بوادره اليوم.. وفي النهاية فإن الأرض كانت ولازالت تملك منهجها وأسلوبها في البقاء: التخلص من مصدر الإزعاج.

عودة للصفحة الرئيسية