كولد داداه 92 غزواني الجديد الوحيد

(الحلقة الحادية عشرة من حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 - 15 بريل 2019)

الثلاثاء 16-04-2019| 08:30

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث leminebety@yahoo.fr

نتفهم روح القنوط و اليأس من أي ربيع أو خريف مقبلين على هذه "البلاد السائبة" و هذا "المنكب البرزخي" التي تسيطر عند الكثير من النخبة عندنا، بفعل التجارب المرة التي عشناها في العقود الماضية. لكننا نجد مثل هذا القنوط و اليأس تعبيرا عن مستوى من ضعف اليقين بالله، و من عدم التقدير الكافي لقواعد العمران البشري بلغة "ابن خلدون" و من ضعف التسلح بشروط التحليل التاريخي و الإستراتيجي بلغة العقل المعاصر، إضافة إلى كونه سحبا للثقة من شعب و نخب ليست أهلا لذلك.
سامحك الله أخي و صديقي "الحسين ولد محنض" على قولك إن هذه قد تكون آخر انتخابات سياسية في البلاد. صحيح أنني و إياك كنا شهودا على خيبة كثير من الآمال، و تبخر وفرة من الأحلام منذ رئاسيات 1992. منها ذلك الحلم الجميل في "أسبوعية البيان" الذي غذته كوكبة من الكتاب مع حبيب ولد محفوظ ، وكنت فيه أنت و هند منت عينين و محمد فال ولد سيدي ميلة و فاطمة منت عبد الوهاب ضمن عمالقة آخرين في المقدمة، بينما كنت أنا و محمد ولد المختار الشنقيطي من كتاب المقالات التحليلية المتطفلين. و قد عشنا منذ ذلك الوقت و لثلاثة عقود الكثير من الفرص و الأحلام الضائعة. لكن ذلك - و حتى أكثر منه - لا يبرر العدمية، و إعلان الاستقالة من النضال و العمل للصالح العام، أو الاعتزال في أحد الشعاب تفرغا للخويصة.
بل إنني لأجد في هذا اللون من ضعف الثقة بالله و بجماهير الشعب الموريتاني مجال تقاطع و ربما تحالف واع أو غير واع بين غلاة المعارضة العدميين و المتطرفين و غلاة الموالاة غير الدستورية و غير الديمقراطية.
عن الطرف الأخير في هذا الحلف كتبت ليلة 31 يناير 2019 : "إننا منذ أزيد من السنة في قبضة "جماعة إرهابية" تتبادل الأدوار لإرهابنا و تحذيرنا من الحلم و تحريمه علينا .. و في كل مرة يخرج فيها رئيس الجمهورية بتصريح يثلج الصدر حول مستقبل البلاد .. يمطرنا تجار اليأس و القنوط هؤلاء بحمم من الوعود السوداوية .. لقد جعلونا نعيش "على الأعصاب" كما يقال، يتبادلنا الخوف و الرجاء، قبل أن يبادروا أخيرا - بعد أن ضاق الوقت على سيناريوهاتهم الظلامية و سنحت لهم سانحة غياب الرئيس في سفر خارجي - إلى الشروع في تنفيذ سيناريو "الضربة القاضية" على أحلام الموريتانيين. هنا وقعت حالة مشابهة لتلك التي وصفها القرآن : "و إذ جاءوكم من فوقكم و من أسفل منكم و إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر" .. و كاد أباطرة "عقيدة الجبر و القدر و الظلام" يجعلوننا نستسلم للقنوط و نظن "بالله غير الحق ظن الجاهلية" (انظر المواقع).
اليوم من الله علينا بالعبور، نحو ربيع و خريف ديمقراطيين واعدين بعشرية حبلى بالتنمية و العدالة و الأمن. و ذلك بفضل إلهامه رئيس الجمهورية الصواب في تخييب أمل أولئك المتآمرين عليه و على موريتانيا، وتحقيق ما كتب عنه عبد الباري عطوان بعد مقابلته للرئيس قائلا : "في الوقت الذي يتمسك زعماء عرب طاعنون في السن، تجاوز معظمهم الثمانين بمراحل، و يعاني بعضهم من مرض "الزهايمر"، و فقدان جزئي أو كلي للذاكرة، بكرسي الحكم، و تعديل الدستور لكي يقيموا على كرسي العرش حتى الموت، يعلن رئيس موريتانيا الذي يبدو أصغر من عمره كثيرا (63 عاما) عن التزامه بالدستور الذي يحدد رئاسته بفترتين فقط، و يطرد الجوقة "المنافقة" التي طالبته بتعديل الدستور و البقاء في الحكم".
هذا التميز الموريتاني، بهذا البيان الرئاسي الذهبي ليوم 15 يناير 2019 يحسدنا عليه غلاة المعارضة، الذين أرادوا لنا أن نكون في الشوارع و الميادين، بمؤسسات حكومية و مرافق عامة معطلة، و بلد محكوم ببيانات الجيش و جدالات الشوارع، كما السودان و الجزائر هذه الأيام. و بعد أن وفر لنا رئيس الجمهورية الحصانة من الاستبداد و الثورة معا، بإفشاله للمشروع الرجعي للمأمورية الثالثة، ها هي مجموعة من المترشحين للترشح، و من الأحزاب المختطفة من طرف لوبيات و قيادات دكتاتورية، يصرون على سجن المشهد السياسي في المواجهة مع رئيس غير مترشح، بدل المواجهة الديمقراطية النزيهة مع المترشح الحقيقي. جماعة تحاول بكل الطرق الزج بالجيش و الإدارة في معركة انتخابية ليسو طرفا فيها، كأنما هم يريدون حرق البلد محاكين طريقة أحدهم في حرق كتب المالكية.
ظل غلاة الموالاة يشنون حملة شعواء لتحذيرنا من أن نحلم بأن يكون موعد 2019 لحظة للتناوب و الديمقراطية و التغيير، و بعد أن فشلوا جاءهم مدد حلفائهم من غلاة المعارضة الذين استلموا الشعلة و تجمهروا لنا عند ملتقى طرق مدريد، مرددين مزاعم كاذبة بأن الحال على حاله، و الأفق مسدود و البلد تركة بين جنرالين، و الجيش طرف و الحكومة طرف و اللجنة المستقلة للانتخابات ليست مستقلة.
لهؤلاء في الجبهتين نقول إن ثقتنا بالله لن تضعفها سوداوية خطاباتكم و فكركم المعادي للأمل و الحلم. و قدوتنا و حجتنا في مواجهتكم نبي الله يعقوب عليه السلام، و أبنه نبي تفسير و تحقيق الأحلام. لقد ابيضت عينا الشيخ المسن حزنا "على يوسف و أخيه"، لكنه رد على بنيه الذين قالوا له : "تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين" : "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف و أخيه و لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".

كما عام 91 أصبح عندي الآن بندقية

رغم بعدي عن البلاد هذه الأيام، أشعر كما لو إنني بينكم في نواكشوط،. كانت الذات - و لعقود من الزمن - تعيش الاغتراب داخل وطنها، و اليوم بعد صدور البيان الرئاسي المعلن لنهاية مؤامرة المأمورية الثالثة تشعر تلك الذات بالانتماء الوجداني لذلك الوطن، لدرجة اعتقادها أنها داخله رغم آلاف الكيلومترات الفاصلة بينهما.
التجلي العملي لتلك "الحال الباطنة" بلغة الصوفية، هي الفرحة و السعادة العارمتان اللتان تربطانني بشدة بالبلد و بالتطورات المتلاحقة فيه. و لا تشبه فرحتي هذه الأيام إلا تلك التي غمرتني عام 1991 إثر إعلان الدستور التعددي و انطلاق الصحافة المستقلة. لقد كانت تلك الأيام أيام أعياد ربيع الديمقراطية في إفريقيا و أوربا الشرقية، و كنا خارجين للتو من هاوية سحيقة من الاستبداد و الأحادية و تقييد الحريات.
يومها أحسست "أن قد أصبح عندي قلم"، على وزن "أصبح عندي الآن بندقية". في تلك الفترة كتبت ما لا أستطيع اليوم أن أتخيل كيف كتبته. كتابات لم تسطر بالتشاور مع أية جهة، و لا بالارتباط و التعاقد بأجر مدفوع مع أي من الصحف التي نشرت فيها. أقصد هنا تحديدا الدراسات التي نشرت في البصائر و البيان و القلم و أخبار الأسبوع في الفترة من 1991 إلى 1996. و هي الدراسات التي اتضح لنا فيما بعد أنها تشكل بصفة تلقائية و عفوية كتابا جهزناه و لم نعرضه للنشر بعد بعنوان : "أفول الدولة الوطنية - قراءة في التحولات الإيديولوجية و السياسية الدولية في تسعينيات القرن العشرين". لقد كانت الدراسات التحليلية المعمقة تخرج نثرا مرتجلا كما يخرج الشعر.
بعدها - و لعقدين من الزمن - استقلت من ذلك النوع من الكتابة، الذي يصدر عن عقل و قلب يخاطبان عقول وقلوب القراء، بدون واسطة من أي رقيب أو توازنات قوى أو مصالح خارجية. و ليس من السهل عادة تفسير مسألة زيارة شيطان الكتابة أو هجرانه و اختفائه لدى الكتاب غير الموظفين، أقصد الذين لا يكون القلم مصدر رزقهم. و ليس المقام مقام السيرة الذاتية. لكنني استطرد ذلك تمهيدا للقول بأنني في هذه الأيام أخرجت القلم من "غمده"، فوجدته طيعا، على غير عادته منذ عشرين سنة. و أحسست لديه جاهزية للقتال أشبه ما تكون بجاهزيته عام 1991.
ما الذي جد ؟ السؤال طرحته بطريقة أخرى و أجبت عليه ليلة 31 يناير الفارط، في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، بعنوان : "هذه ليلتي و ليلة الأفكار أمام تحديات الحاضر". كتبت : "لماذا ندندن هذا المساء مع "أم كلثوم" : هل في ليلتي خيال الندامى و النواسي عانق الخياما ...
التفسير سهل، فنحن نعيش ككل الموريتانيين اليوم عيدا و جوا احتفاليا نادرا من نوعه في تاريخنا الحديث. و هو احتفال بنكهة خاصة، فيها شيء من عصير أو "زريق" - حتى لا أقول خمر - "نواسي" "خيامي" يعرفه بالتأكيد ذلك التونسي صاحب "هرمنا في انتظار هذه اللحظة الحاسمة".
و أضفت : "ثمة سبب آخر - قد يكون الأهم - يتعلق ببيت القصيدة الذي هو عندي بيت القصيد، حيث يقول الشاعر: و "حديث في القلب" إن لم نقله أوشك "الصمت" حولنا أن يقوله
.. "حديث القلب"، و معه كل "أفعال القلوب" تتجه إلى أن تصبح كبريتا أحمر في الميدان العام و في الميدان العام السياسي على وجه الخصوص. شيئا فشيئا أخذت السياسة تقطع مع المثل و العواطف، و بدأ يحتجب في الأفق مبتعدا ذلك الزمن الجميل حيث كانت السياسة رومانسية و مثالية، و كانت "القضية" "حورية بارعة الجمال" في شعر "نزار قباني"، "بلقيس" أحد أسمائها. و كانت فيه "أم كلثوم" تلهب الجماهير العربية منشدة : "أصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم".
و يحاول أعداء المثل و "أعداء العواطف الصادقة"، و "المفكرون نصف تفكير" أن يصطادوا هنا في المياه العكرة ليقولوا لك : ذلك عصر الإيديولوجيات و نحن دخلنا عصر "نهاية الإيديولوجيات" .. لابد من التحذير مما في هذه الأطروحة من مغالطة تقفز على حقيقة أن تلك الإيديولوجيات إنما انتهت يوم طحنت الإنسان و قطعت مع المثل التي ألهمتها .. قد يكون من الصحيح أن السياسة تحتاج قدرا عاليا من العملية و البرغماتية، لكن هذا الإنسان الذي كرمه الله و كرمته المثل الحقوقية الحديثة لا يمكنه أن يعيش بلا أخلاق و لا قلب و لا عواطف، إلا إذا تحول إلى حيوان أو قرر أن يمارس - أكرمكم الله - العهر علنا، أو نجح في الوصول إلى مبتغاه - لا قدر الله - استثمار أولئك الذين يريدون لنا أن نتحول إلى مجتمع آلي يحكمه الذباب الالكتروني" (انظر المواقع).
لكأننا نحن "هرمنا في انتظار هذه اللحظة الحاسمة"، أما القلم فقد خرج من غمده "جديدا ما اخلولق ريعانه". دليلنا ملموس و مجسم. ها نحن بفضل الله نقدم لكم اليوم الحلقة الحادية عشرة من سلسلة مقالاتنا هذه : "حديث القلب و العقل في رئاسيات 2019".
هده السلسلة - التي نرجو من الله العون على التمكن من مواصلة إصدارها بمعدل مقال أسبوعيا - نريد لها أن تكون مساهمة في التأطير الفكري و الإيديولوجي للنقاش الجاري حول ماضي و حاضر و مستقبل بلادنا في ظل الاستحقاق الرئاسي المقبل، و لبرنامح العمل الوطني للحكومة و المجتمعين المدني و السياسي فيما بعد ذلك الاستحقاق، و في آفاق استحقاقات 2030. و كلي أمل أن تكون عصارة تحاربنا العملية في التعليم و الصحافة و العمل السياسي، و لاحقا في الإدارة الحكومية في قطاع الشؤون الخارجية، و في العمل المدني غير الحكومي - الذي قادنا إلى العديد من المناطق داخل البلاد - عامل إثراء للمساهمات التي سنقدمها، في الأسابيع و الشهور و السنوات القادمة.
و لحرصنا على أن تقرأونا و تعيدوا قراءتنا نقدم لكم هنا عناوين الحلقات الماضية، و ما عليكم سوى كتابة العنوان في محرك البحث google لتجدوه على المواقع :
1 - "هذه ليلتي" و "ليلة الأفكار في مواجهة الحاضر" (31 يناير 2019)
2 - من تولبير و تايلور إلى المرشح برام (1) (8 فبراير 2019)
3 - من تولبير و تايلور إلى المرشح برام (2) (16 فبراير 2019)
4 - الجيش الأكاديمية الأفضل لتخريج الرؤساء (24 فبراير 2019)
5 - قراءة ما وراء الخطاب بعد الاستماع للصمت الستيني (3 مارس 2019) – و في العناوين الفرعية تقرأون : الصمت الستيني و قانون الندرة الخطابية - الشعب و الرئيس و التاريخ و التغيير فيما بين السطور
6 - لو كنت بدرا جميلا لاستقلت من هذه المعارضة (1/3) (10 مارس 2019) - و في العناوين الفرعية تقرأون: وانهار بيت العنكبوت - "المعارضة الهجينة" داخل تاريخ و خرائط المعارضات - مع بدر الدين و جميل منصور
7 - لو كنت بدرا و جميلا لاستقلت من هذه المعارضة (2/3) (18 مارس 2019) - و في العناوين الفرعية تقرأون : - الرئاسيات بين قرعة الأشخاص و حوار مشاريع الدولة - جميل و التفرد بالتفكير و التحليل الإستراتيجي - تواصل و المعارضة بين منطق الإستراتيجية و الميكانيكية الطالبانية - سفينة تواصل نحو المجهول و الربان على شاطئ الأنترنت
8 - لو كنت بدرا و جميلا لاستقلت من هذه المعارضة (3/3) (26/ 3/ 2019) - و في العناوين الفرعية تقرأون: - سميدع و بدر الدين في ربيع الاستقلال الحقيقي - ح.و.د عصر التيه الإيديولوجي و النخبوية و اللوبينغ - "مالك جلو" و " لو غورمو" مشروعان برلماني و رئاسي - بدر و جميل مخلفان في غزوة ما كان لهما التخلف عنها
9 - غزواني ليس عسكريا و ليس مرشح النظام و منافسوه ليسو المعارضة (1 / 4 / 2019) - و في العناوين الفرعية تقرأون: غزواني ليس عسكريا انقلابيا - غزواني ليس مرشح النظام - منافسو غزواني ليسو المعارضة
10 - المعارضة الدكتاتورية و قميص عثمان الديمقراطي (7 بريل 2019) – و في العناوين الفرعية تقرأون : الديمقراطية و الشفافية "قميص عثمان" - معارضة دكتاتورية على مذهب عبد الله واد - 1 – الحركة الاستعبادية للإنعتاقيين 2 – الإمارة الطالبانية 3 – الدكتاتورية الستالينية 4 – حزب هدية لصديق
و قد تميز موقع "أقلام حرة" - الذي نشكر الزملاء القائمين عليه - بنشره للسلسلة كاملة. كما نشكر الزملاء في بقية المواقع على تفضلهم بالنشر، و نطالبهم بالمزيد من الانتظام فيه، لأن البعض ينشر لك تارة و يرفض تارة أخرى بدون مبرر مقنع. و تعرفون أننا معشر الصحفيين و الكتاب لا يجوز أن نكون جهة للمصادرة و إعاقة التعبير الحر عن الرأي.
و أرجو أن لا يكون الإخوة في موقعي "الأخبار" و "السراج"، قد أرادوا مصادرتنا عن قصد و سبق إصرار، أو أوقفوا ما بدأوه من نشر لمقالاتنا مدفوعين بمخالفتهم لنا الرأي. فبيننا و بينهم من سابق الود و المعرفة، و لهم من القدم الراسخة في الدفاع عن حرية الرأي و النضال ضد مصادرته و حظره، و من الدعوة إلى احترام الديمقراطية و الحق في الاختلاف ما لا يجيز ذلك. فأرجو منهم تصحيح الوضع إن كان عن خطأ أو سهو، و الرجوع عن قرارهم إن كان اختيارا واعيا في الخط التحريري، لأن آراء الكتاب لا تلزم إلا أصحابها.

كولد داداه 92 غزواني الجديد الوحيد

جوهر الفكرة أن "حال موريتانيا" "معرب" لا "مبني"، كما أدعت مسيرة ملتقى طرق مدريد بقيادة المترشحين الأربعة. في الأفق تناوب ديمقراطي سلمي على السلطة لا تبادل انقلابي، و لا وراثة أسرية أو قبلية أو جهوية، و لا عملية تبديل للملابس وراء الكواليس كما حدث عام 92، عندما تم استبدال ثوب و أسم العقيد فلان باسم المرشح السيد فلان، قبل أن يتم تزوير الانتخابات على رؤوس الأشهاد. نحن على موعد مع انتخابات شفافة و نزيهة، سواء اتفقت الإطراف على التفاصيل الشكلية للتنظيم بطريقة تحترم النصوص المعمول بها و تمكن من تنظيم الانتخابات في آجالها، إو لم تتفق، لكن الحكومة و اللجنة المستقلة للانتخابات وفرت الشروط الكفيلة بتأمين الشفافية التامة، و لو من طرف واحد.
صحيح أن المؤشرات جميعها تؤكد أن محمد ولد الشيخ محمد احمد ولد الغزواني سيحظى بأغلبية ساحقة من الأصوات، و سيخرج في الشوط الأول رئيسا توافقيا لجميع الموريتانيين، لثلاثة أسباب :
السبب الأول : عرضناه في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة حيث كتبنا : "إن القائد في أي نظام سياسي - بما في ذلك النظام الديمقراطي التعددي - لا تنتجه المؤسسة و لا الجماعة، و لا يمكن أن يكون نتاجا لمداولة من طرف لجنة أو مجموعة لجان. و نذهب أبعد من ذلك لنقول إنه لا يمكن أن يكون إفرازا لحزب سياسي. أو قل بالعكس إن الحزب السياسي هو الذي يتشكل بمناسبة بروز قائد أو زعيم ما و ليس العكس. و بالاستقراء مما نجده في التاريخ السياسي العالمي و ما نلحظه من طبائع العمران البشري يصعب أن تتوفر لبلد ما في نفس الزمان رفاهية الاختيار بين قادة مختلفين. نعرف بالطبع أن المقتضيات الدستورية للنظام الديمقراطي تفتح المجال أمام الكثيرين للترشح، لكن معظم تلك الترشحات خالية من الدلالة السياسية و لا تحرك أية أمواج حقيقية في تيارات الرأي العام، و بالتالي فهي - و إن كانت قانونيا و دستوريا مقبولة - تعتبر سياسيا و اجتماعيا و أخلاقيا عبثية و غير مبررة. و فيما يخصنا نحن على أتم القناعة بأن هذا النوع من الترشحات مرفوض و مدان و يعكس فسادا و استغلالا يناقض مبادئ المروءة و الخلق لدائرة المباح القانوني. و في أغلب الحالات لا يثبت هذا النوع من المترشحين إلا بوسائل خداع جمهور صغير يحشرونه في الزوايا الضيقة للقبيلة أو العرق أو الفئة. و يكونون منه جيش المهزومين الأبديين، الذي يستيقظ كعادته صبيحة يوم الاقتراع على أصفار و فواصل مخزية، ليدرك أن دوره كان محصورا في ظهور أسماء و صور أولئك المترشحين المسرحيين على بطاقات التصويت" (انظر المواقع). و يمكن أن نضيف اليوم بأن جميع المترشحين المعلنين - باستثناء ولد الغزواني و ولد بوبكر - محكوم عليهم بعدم تجاوز دائرة الترشح للترشح، إذا لم يتفضل عليهم الرئيس و الحزب الحاكم بصدقات من تزكيات المستشارين و العمد التابعين لهم.
السبب الثاني : يعرف القاصي و الداني أن المعارضة - التي ما يزال بإمكانها تحريك جزء و لو قليل من الجماهير - غائبة تماما في هذا الاستحقاق الرئاسي. و قد شرحنا ذلك بتوسع في الحلقات الماضية. و شيئا فشيئا يستقر الحال في حملة ولد بوبكر على تحولها إلى حملة الموالين لولد الطايع و المغاضبين لولد عبد العزيز.
السبب الثالث : باكتمال لوحة الترشحات يمكننا القول إن غزواني هو الجديد الوحيد، بين مجموعة يطارد كلا منها تاريخه. لوحة تعيدني إلى أجواء ما قبل رئاسيات 1992. في تلك الأيام كانت المعارضة في أوج قوتها و اتحادها، لكنها كانت بدون مرشح. فجأة جاء إعلان ترشح أحمد ولد داداه، ليجد مسعود - رئيس الحزب يومها - نفسه وحيدا، و يضطر مكرها للالتحاق بالآخرين في دعم ولد داداه. و ملأ الرجل الدنيا و شغل الناس في أيام قلائل بعد إعلان ترشحه. أعتقد أن السبب الأول هو ما تشرحه أغنية المعلومة، في قولها : "تاريخك أبيض ناصع". تلك الصفحة البيضاء هي عنصر القوة الأول لولد داداه عام 1992. و المنصفون يعترفون بأن تاريخ ولد الغزواني صفحة بيضاء تجاه الجميع. حتى حارق كتب المالكية : "اعترف في تسجيلات صوتية له، أن ولد غزواني رجل طيب لا يعرف فيه سوءا، إلا كون ترشحه مدعوما من طرف ولد عبد العزيز".
في عام 1992 كان ولد داداه الحل لأنه مرشح قادم من المؤسسات الدولية، و يرمز إلى تركة المختار ولد داداه و ما أعظمها من رمزية. و كان مدعوما بشدة في نواكشوط و نواذيبو و ترارزة و الجنوب بما يمثله من أمل بتغيير كان محل إجماع. أما في 2019، فإن الثورة و المعارضة ليست رقما مهما، و الموالاة لم يكن لها مرشح، إلا بضعة أسماء تتناقل، لكن أيا منها لم يكن يحمل جدة و لا مصداقية. فجأة تم إعلان ترشح ولد الغزواني. و لحين إلقاء خطاب ترشحه لم يكونوا يعرفونه، و لا يعرفون حتى ما إذا كان يتكلم العربية أو أية لغة أخرى.
غزواني كولد داداه 1992 هو الجديد الوحيد في لوحة المترشحين. و هو يزيد على ولد داداه بأن الجيش و الإدارة الإقليمية لا يعملان ضده. و من جهة العالم الخارجي يحظى بثقة شركاء موريتانيا الدوليين و الإقليميين، و يمثل بديلا نادرا للقيادة فيما يخص ملف الأمن في الساحل. و من ناحية القاعدة الجماهيرية يحظى الرجل بثقة واسعة في المدن الكبرى، لكن وراءه ولايات الشرق التي عارضت ولد داداه 992، و ترارزة و الجنوب في هذه الفترة هي مناطق نفوذ قوية للمرشح. و هو يمتلك رصيدا كبيرا من الجماهيرية في جاليات موريتانيا في الخارج، التي لو استشارنا لأشرنا عليه أن يقوم لها بزيارات ميدانية، مباشرة بعد الاستراحة من زياراته المظفرة للمقاطعات ال36.

عودة للصفحة الرئيسية