موريتانيا بين هلالين!

الخميس 11-04-2019| 17:00

الخليل مأمون / خبير دولي وباحث موريتاني

كل الانتخابات لغز محير للمراقبين والمتتبعين إلا في موريتانيا. أما السر في ذلك، فليس لأن الانتخابات محسومة النتيجة سلفا وليس لأن الاقتراع سيعتريه نقص أو تشوبه شائبة، بل لأن الناخب لم يعد يهمه مرشح ولا برنامج غير مرشح السلطة وبرنامج مرشح السلطة.

السلطة في بلدي غول بحري له ست أذرع لا يمر بحّار ولا صيّاد ولا جامع محار إلا بين ذراع وذراع أخرى. المثقفون يخشون كمّاشة السلطة كما يخشاها التجار والخبّازون وأصحاب الحرف والمهن الحرة والباعة المتجولون. وحدهم المعارضون لا يخشون السلطة ولا السلطان، لأنهم مصابون بداء اسمه الكرامة يجعلهم يبيتون على الطوى ويوهِمهم بغد أفضلَ من أمْسِهم وبصحْوة من ضمير سيقودها شعب لماّ يخلق الله مثله في البلاد.

النسيج الاقتصادي ضعيف ومصادر الكسب شحيحة، وفرص التوظيف والترقية والتعيين لا ينالها أحد بعمله ولا بكفاءته ولا بحرصه ولا بتفانيه ونكران ذاته، ولكن ينالها من أنفق كل غال ونفيس في تمجيد الذات القائدة، وفي بيع ماء الوجه قطرةً قطرة ًحتى يذهب كل الحياء ويموت كل الكبرياء.

بالأمس، جابت عموم الوطن مسيرات حاشدة لم يتخلف عنها إلا هالك، هدفها الوحيد ومطلبها الوحيد ومبلغ همّها خرق الدستور واستمرار رئيس البلاد في قُمرة القيادة لمأمورية ثالثة ما أنزل الله بها من سلطان. وكم كانت الخيْبة كبيرة والحسرة شديدة عندما رفض القائد مأمورية ثالثة وقرر الترجّل عن صهوة الجواد رغم المطالبات له والإلحاح عليه بمواصلة المشوار وإتمام المهمة.

لو انتهت القصة هنا ما كنتُ أحتاج أن أكتب سطرا واحدا وما كنت أقول إلا أننا خير أمة أُخرجت للناس في هذا الزمن العربي البائس. لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن. السلطة تعيد إنتاج نفسها والجماهير الهائجة بالأمس من أجل المأمورية الثالثة تثور من جديد، ليس على الحاكم بل ترحيبا وتهليلا بمرشح الحاكم. القائد ترجّل لكن رفيق دربه ووزير دفاعه يعرض نفسه مرشحا لخلافة الرفيق حرصا منه على مواصلة المسار الإنمائي وإرساءً لسنة التناوب السلمي على السلطة.

وتعود حليمة لعادتها القديمة، ويعود سيزيف مرة بعد مرة لعذابه الأبدي ومهمته العبثية. مثقفو البلاد وأعيان المجتمع وقياداته يسابقون الريح لجمع الجموع والتفنن في بديع الشعر والنثر وزُخرف القول. حتى الحاكم الذي ما زال حاكما لم يعد أحد يلتفت إليه إلا ليشكره على تقديم مرشح بديل عنه. ولو كانت نفسي تطاوعني لكتبت نظما أو نثرا للحاكم الذي هجره أهله وتركوه قائما، عساها تؤنس وحشته وتجبر خاطره المكسور.

لا يهمني من سيحكم البلاد، فلن يكون إلا واحدا من أبناء البلاد. مايهمني حقيقة، بل ما أهتمّ منه وأنصبُ هو ارتفاع منسوب النفاق السياسي والعدالة في توزيعه بين الناس دون غبن ولا محاباة. جموع خلف جموع وندوات بعد ندوات كل أهلها على قلب واحد وعلى رأي واحد وضد عدو وهميّ واحد. هل ياترى يصدقهم حكام البلاد؟

عشرات المئات من الكفاءات والأدمغة نزحوا عن الوطن وساروا في مناكب الأرض بحثا عن عيش كريم وغد أفضل. تركوا كلهم الأهل والوطن لماّ أيقنوا أن كفاءاتهم ومهاراتهم ومواهبهم لا معنى لها ولا قيمة لها في بلد تحوّل إلى سوق كبيرة للحناجر والصّياح.

كم آلمنى وكم تحرّق قلبي أن أرى أخصائيين في شتى المجالات ومنها الزراعة –التي أحوج ما يكون إليها البلد- يحزمون ما خف من متاع في رحلة نحو المجهول فيجعلوا من مهاجر الأرض أوطانا غير أوطانهم ويتخذوا من أهلها أهلا غير أهلهم. يحزّ في نفسي أن ترحمهم الدنيا بأكملها وتُعزّهم الأوطان كلها إلا وطنهم.

في العالم دول قوية ودول ضعيفة ودول غنية ودول فقيرة، لكنها رغم الفوارق في قوتها العسكرية وفي ثرواتها القومية، قادرة كلها على أن تكون متساوية في احترام كرامة أبنائها وإقامة العدل في ربوعها. الكرامة متأصلة في الإنسان ولا سبيل لتقييدها ولا الانتقاص منها. والمظالم في هذا الباب كثيرة لا أستطيع أن أحصيها والمغانم قليلة لا يفيد ذكرها.

أتمنى صادقا أن يخونني الحدس وتكذبني عاطفتي، لكنني لست أرى في الأفق الرحيب سوى ما ألِفناه وعِفناه من السياسة. لست أرى قطيعة مع الماضي ولست أرى بناء نسقيا جديدا. لست أرى أو أسمع سوى المفردات التي تشكل في جوهرها مرتكزات الجمود والركود وبقاء دار لقمان على حالها. ومع ذلك أتمنى أن أكون مخطئا، من أجل الوطن.

Mamoune33@hotmail.com

عودة للصفحة الرئيسية