الديمقراطية والشفافية "قميص عثمان"

المعارضة الدكتاتورية وقميص عثمان الديمقراطي

الاثنين 8-04-2019| 09:00

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث

الأستاذ "لو غورمو" وجه معروف في تاريخ الحركة الوطنية الديمقراطية و أحد الشخصيات النادرة في الجمع بين السياسة و الثقافة و العمق الأكاديمي. هذا الرجل خطف الأضواء أخيرا بسلسلة من التدوينات الحادة في النقاش داخل الحزب حول ترشح ولد مولود. لكننا هنا نهتم بتدوينته حول مشكلة اللجنة المستقلة للانتخابات التي يقول فيها : "تعد اللجنة المستقلة للانتخابات بتشكيلتها الحالية المثال الأكثر دلالة على جعل مؤسسة عامة في خدمة المجموعة التي استولت على الدولة و استخدامها من اجل استمرار سلطانها. و لكن حتى سلطة فرعون انتهت في التاريخ. يجب أن يفكر حكامنا الحاليون فيما يجري حولهم و أن يختاروا طريق احترام القانون و المؤسسات على طريق الاستبداد و انعدام الشرعية الدائمة".
الواقع أن المعارضة التقليدية عندنا في ظل الإدراك الواضح للنتيجة التي تنتظرها في رئاسيات 2019 و هي هزيمة مدوية في الشوط الأول، أخذت تركز حملتها على النيل قبليا من شرعية العملية الانتخابية و التلويح أحيانا بمقاطعتها لسحب الثقة من الرئيس القادم، و اتهامه بما يسميه "لو غورمو" هنا "اختيار طريق الاستبداد و انعدام الشرعية الدائمة". أي أنها بدلا من أن تركز على أولوية الأولويات في الاستعداد للانتخابات و هو التوجه نحو الجماهير الحية في مختلف بقاع البلاد - كما يفعل هذه الأيام - المرشح المظفر و المنتصر بإذن الله، تركز على صياغة الخطابات التشكيكية التي ستواجه بها الخسارة الانتخابية، و إضاعة الوقت في التفاصيل و الشكليات الفنية الخاصة بعملية تنظيم الاقتراع، و الوسائل اللوجستية من طائرات أو سيارات التي يستخدمها هذا المرشح أو ذاك.
و بما أنني من الذين قرروا في هذه الحملة الرئاسية الوقوف على "ُثغر العقل و القلب"، سأكون بالمرصاد لتلك المؤامرة التي تريد تحويل الهزيمة الانتخابية الوشيكة التي تنتظر منافسي ولد الغزواني، إلى نصر أخلاقي و فكري و قانوني. و في هذا السياق سأدعي أن القوى القائدة لمختلف تحالفات المنافسين لمرشحنا هي قوي إيمانها بالديمقراطية - إن لم يكن معدوما فهو ضعيف - أما من جهة الممارسة فهي تسير أحزابها بأبشع أنواع الاستبداد و الأحادية و الخروج على النصوص و اللوائح و النظم الداخلية للأحزاب. كما ٍسأدعي أن هذا التطرف في التركيز على المطالبة بأعلى درجات الشفافية و الاستقلالية و الحياد داخل عمل اللجنة المستقلة للانتخابات، ليس نابعا من الحرص على الشفافية - التي تتوفر وسائل كثيرة لضمانها في ظل المؤسسات القائمة - بقدر ما هو جزء من حملة للتشويش على العملية وصولا إلى تأجيل الانتخابات. 
و عكسا لما ذهب إليه الأستاذ " لو غورمو" يعتبر الإطار التنظيمي لانتخابات شفافة و ديمقراطية في موريتانيا اليوم في أحسن حالات تطوره. و نحن قادرون حاليا على تنظيم انتخابات حرة و نزيهة و شفافة، عندما تقبل المعارضة بالتعاطي بإيجابية مع العروض الأخيرة للحكومة. لقد فتح الباب على مصراعيه للديمقراطية و الشفافية الانتخابية يوم أن أعلن الرئيس التزامه بالدستور و عدم ترشحه. لم يبق سوى العمل الميداني، و الميدان وحده هو الذي سيعرف تسجيل الناخبين و تصويتهم، و ممثلوا المترشحين يؤمنون التحقق من ذلك.
لم يعد هنالك مجال للفرعونية و لا الاستبداد. إننا اليوم في ظل نظام سياسي فتح أفاقا واعدة من الديمقراطية و العدالة و التنمية. و هذا التصعيد في خطابات التشكيك و التخوين و الاتهام المسبق، أشبه ما يكون ب"قميص عثمان" الذي رفعه جيش الشام مبررا التحلل من بيعة الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب و تبرير قتاله.

معارضة دكتاتورية على مذهب عبد الله واد

في بلادنا لم نجرب لحد الآن وصول المعارضة إلى السلطة من خلال الانتخابات، لذا ما تزال المعارضة قادرة على المزايدة بتقديم نفسها كملاك واعد بالجنة على الأرض، معصوم من كل نية أو سلوك منحرف أو فساد.
لكنني أفيدكم، سادتي قادة تلك الأحزاب التي تحتكر اليوم عندنا عنوان المعارضة، أننا لسنا بحاجة لانتظار وصولكم إلى السلطة، و ذوق مرارة المعاناة في ظل حكمكم، كي نكشف أنكم لستم الملائكة الذين تزعمون. لدينا أمثلة من دول قريبة صعد إلى السلطة فيها معارضون تاريخيون، من اليمين كما من اليسار، و كانوا أسوأ الدكتاتوريين في تاريخها.
ألا تعرفون أن "البشير" قادم من رحم الحركة الإسلامية القومية في السودان، إخوة "تواصل" عندنا ؟ !
ألا تعرفون أن "أغباغبو" أبرز زعماء اليسار الاشتراكي المعارض في ساحل العاج من رفاق "ولد مولود" ؟ !
لماذا نذهب بعيدا و لدينا قائد رمز في هذا المجال. الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد. ذلك الرجل الذي أفنى قرابة الخمسة و السبعين عاما في معارضة سنغور و جوف، و كان نضاله عنيفا و قويا و كان صموده بدون حدود. و يوم وصل ال"كوركي" - بلغة السنغاليين - إلى السلطة أعاد النظام الاجتماعي القديم و أعاد ديمقراطية المشايخ و الأسر و المتاجرة بالأصوات. و عندما أكمل مأموريتيه رفض احترام الدستور، و لم يقبل بالخروج إلا تحت ضغط الحراك الثوري الجماهيري بقيادة حركة "لم أعد أطيق"، و التصويت ضده بكثافة في الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة.
هذا المعارض التاريخي، عندما فقد السلطة رفض التقاعد السياسي، رغم سنه التي سمحت له بالكاد بإنهاء مأموريته الثانية. لقد عاد و ترشح على رأس اللائحة الوطنية لنواب حزبه، و قرر فرض ترشيح ابنه المقيم في الخارج و المطلوب للقضاء في الكثير من ملفات الفساد المالي. و بعد أن طرق جميع الأبواب لفرض ترشيح ابنه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة دون جدوى، أعلن دعوته للعصيان المدني و مقاطعة الانتخابات، و جمع و إحراق بطاقات الناخب. أليس ذلك مثال حي و قريب على أن المعارضة ليست ملائكة معصومين.
لكن لماذا نعبر النهر أو البحر أو الصحراء للبحث عن أمثلة دالة، و لدينا - ما شاء الله - الاكتفاء الذاتي في مجال القادة المعارضين الدكتاتوريين. إن الاستبداد و الفرعونية - بالمعنى الذي تشير إليه تدوينة "لو غورمو" - تعشش اليوم في أحزاب المعارضة الموريتانية، حتى ليمكن القول إنها لم تعد أحزابا و إنما ثكنات عسكرية، تسير بالقرارات الفردية المطلقة لقادتها، و يسود فيها القمع و رفض الاختلاف.
بالنظر إلى أننا قد تعرضنا للمسألة بشكل تحليلي موسع في الحلقات 2 ، 3 ، 6 ، 7 و 8 من هذه السلسلة نكتفي هنا بالوقوف بإيجاز عند أربعة أمثلة :

1 – الحركة الاستعبادية للإنعتاقيين :

برام ولد الداه ولد أعبيدي، رجل لا توجد الديمقراطية في فكره و رؤيته الإيديولوجية، و متى كانت الفئوية و القومية مبادئ تؤسس للديمقراطية، و للقبول بالآخر و التسامح و التعايش السلمي معه.
أما على صعيد الممارسة فنحن أمام مثال نادر للأحادية و التفرد بالقرار. و يمكن القول إننا أمام مناضل ضد العبودية، لكن من يريد النضال معه لابد أن يكون بمثابة عبد من عبيده. و بذلك تكون "إيرا"، التي تعلن نفسها حركة إنعتاقية للعبيد السابقين - من جهة أخرى - حركة استعبادية لمناضليها الإنعتاقيين. انظر الحلقات 2 و 3 من هذه السلسلة بعنوان : "من تولبير و تايلور إلى المرشح برام". حيث المقارنة بالحالة الليبيرية.
و تلك ممارسة منهجية لدى صاحبنا. أنظر إلى مثال "محرقة الكتب" - التي هي تطور نوعي في نضال الحركة - ستجد أن النواب المباشرين لرئيس الحركة، بما فيهم براهيم ولد بلال النائب الأول يومها، لم يعلموا إلا من خلال الإعلام. و اليوم نعرف أن برام عضو في حزب ليس هو رئيسه، لكن الجميع يعرف أنه يوم أعلن ترشحه للرئاسة لم يستشر الحزب و لا رئيسه. و قد تا بعنا إعلاميا اجتماعات المكاتب التنفيذية و المجالس الوطنية للأحزاب و لجان التشاور للحسم في المرشحين و لم نعلم بأن ترشح برام مر بمثل تلك الشكليات. و هذا ما يفسر سرعة الترشح، و عدم وجوده على لائحة التداول للجنة المرشح الموحد للمعارضة، لأنه لم يخضع أصلا لفحص تلك اللجنة.
و رجل بهذا المستوى من عدم الديمقراطية، ليس من الغريب أن يكون ملهم شباب كأولئك الذين رموا بالحجارة موكب المرشح ولد الغزواني، في ظل ملاحظتهم للإقبال الشعبي الكبير على استقباله في "بابابي". و لم أعلم أن برام أدان هذا التصرف، رغم أن المعنيين كانوا يهتفون باسمه.

2 – الإمارة الطالبانية :

حزب تواصل يقيم - على مستوى الرؤية الإيديولوجية - علاقة إشكالية مع النظام الديمقراطي الجمهوري. و ربما كان هذا واحدا من الأسباب التي تفسر حرص مؤسسيه على الريادة في مجال احترام شكليات الممارسة الديمقراطية. و لهذا كان سباقا على المستوى الوطني إلى تطبيق مبدأ التناوب على الرئاسة داخل الحزب. لكن الطريف أن هدا التناوب الذي كان مكسبا شكليا - أكاد أقول بخصوصه إنه بلا معنى بالنسبة للأحزاب و أن قياس رئاسة الحزب على رئاسة الدولة قياس مع الفارق - كلف الحزب خسارة في الجوهر الديمقراطي، تهدد حاضره و مستقبله. و ذلك موضوع تناولناه بتوسع في الحلقة السابعة من هذه السلسلة.
لقد عمل الرئيس الجديد على طبع ما سماه : "النسخة الجديدة من تواصل". و عندما نحكم بالظواهر، نلاحظ أن أبرز معالم ذلك التغيير كان إزاحة شخصيات معينة في قيادة الحزب لتمكين الرئيس من تمرير القرارات بسهولة، و على رأس تلك الشخصيات أبرز نواب الرئيس، و أبرز المرشحين السابقين لرئاسة الحزب الشيخاني ولد بيب. و المعروف أن أهم المطالب التي دافع عنها "ولد بيب"، التوسع في التشاور حول القرارات التي يتبناها الحزب. من الواضح إذن أن في الخلفية تكمن عملية انقلاب منظم على جميل و تراث جميل. و المعروف أن هذا التراث ليس شيئا آخر سوى ذلك الجهد المركز للمصالحة بين "حركة الإسلام السياسي" و النظام السياسي "المدني و الجمهوري" في موريتانيا. و هذا وحده ما يفسر رفض قيادة الحزب للمقترح الواضح الذي تقدمت به شخصيات كثيرة باعتماد جميل زعيما لمؤسسة المعارضة.
و قد قادت هذه الوضعية لجنة مصغرة - حتى لا أقول لوبي صغير - في قيادة الحزب، إلى اعتماد دعم ترشح سيد محمد ولد بوبكر في ظروف جد غامضة و عصية على الفهم و التقبل. و لما اصطدمت هذه المجموعة - و قد "بيتت أمرها بليل" - بمعارضة كوادر وازنة في الحزب تهربت من مناقشة المسألة بين التواصليين، و فتحت النقاش داخل لجنة المرشح الموحد للمعارضة. و حاولت أن تفرض خيارها - الذي لم يناقش داخل حزبها الخاص - على المعارضة مجتمعة - ربما في محاولة لتسويقه لاحقا داخل الحزب باعتباره المرشح الموحد. و لم يفتح النقاش حول الموضوع إلا بعد أن فشلت مهمة نائب الرئيس السالك ولد سيدي محمود في فرض ولد بوبكر على الأحزاب الأخرى. و تجاهلت قيادة الحزب النقاش المفتوح بين القيادات في وسائل التواصل الاجتماعي، و الذي شارك فيه بنشاط كل من جميل و الشيخاني.
و لشدة قنوط الرئيس جميل من رفاقه في الحزب، و لشدة حزنه على ما تواجهه المعارضة من تخبط في وجه رئاسيات 2019، وجه دعوة إلى المعارضة بتعليق القرارات و تشكيل لجنة من حكماء تمنح 5 أيام للتداول و الخروج بحل مرض. لكن قيادة حزبه لم تعلق على النداء و الآخرون من باب أولى. و تم فرض القرار الأحادي الذي لم يستطع أي من الكوادر السامية في تواصل على تقديم مبررات مقنعة له. و لم أجد مما يدخل تحت هذا البند إلا مقالة ل"محمد غلام"، فيها من البلاغة أكثر مما فيها من المنطق و الانسجام و الإقناعية، رغم أن لتواصل جيشا من الصحفيين و الكتاب المبدعين. إنها الدكتاتورية العارية، فكيف بهم غدا في السلطة. أخاف من إمارة بغدادية و طالبانية. 

3 – الدكتاتورية الستالينية :

إتحاد قوى التقدم هو أبرز الأحزاب التي تعتبر الديمقراطية مكونا مركزيا في إيديولوجيته السياسية، بما هو الحامل لتراث الكادحين و الحركة الوطنية الديمقراطية. لكن هذه الحركة تميزت - في ظل ما سميناه في الحلقة الثامنة من هذه السلسلة بعصر التيه الإيديولوجي الذي قاده ولد مولود - بالنخبوية و القطيعة مع الجماهير. و ذلك خلافا للعصر الجماهيري للكادحين الذي سطع فيه نجم سميدع و كان بدر الدين أهم زعمائه.
هذا الحزب منذ تمت مراجعة نصوصه على نحو منح الرئيس - و المقصود ولد مولود - الصلاحيات التنفيذية التي كانت لدى الأمين العام - و المقصود ولد بدر الدين - دخل عصرا استالينيا في الحكامة الحزبية. و أبرز مظاهر هذه المرحلة تكون لوبي مصغر بقيادة محمد ولد أخليل و لو غورمو و كلاهما يمثلان قوى الدعم المالي للحزب. و إن كانا يختلفان من جهة كون لو غورمو من القادة و المنظرين التاريخيين للحركة، أما ولد أخليل فهو وزير و وال سابق في عهد ولد الطايع، و من المنتسبين الجدد.
و أشهر الأمثلة التي خرجت للعلن و كادت تعصف بالحزب لهذا الاستبداد الستاليني مثالان :
1 مثال القمع الفكري : و يتعلق بإصرار الرئيس على فصل مجموعة من الكوادر الشبابية في الحزب انتقدت هجومه على العلمانية باعتبار ذلك خروجا على مبادئ الحزب. و قد تدخل الأمين العام ولد بدر الدين و المجموعة الداعمة له مدافعين عن حق الشباب في التعبير عن الرأي. و كان اجتماع عاصف للمكتب التنفيذي، انتهى بانسحاب ما يقارب نصف أعضاء المكتب التنفيذي ملوحين باتخاذ إجراءات تصعيدية. و هي أزمة لم تخمد إلا بعد تدخل شخصيات خارجية صديقة لتهدئة الوضع.
ذلك نموذج للإرهاب الفكري. مع العلم إن الخلاف يدور هنا حول مبادئ الديمقراطية التعددية. و الطريف أن الحركات الإسلامية نفسها يتبنى أغلبها حاليا العلمانية في النظام السياسي. و أردوغان مثال حي للمصالحة بين الإسلام السياسي و العلمانية الأتاتوركية. و تلك حالة النهضة في تونس، و الإخوان المسلمون يدرجون هذه الفكرة على رأس متطلبات مراجعاتهم الفكرية، و في المقابل يريد زعيم يساري طرد كوادر شبابية من حزبه، بسبب تذكيرهم بهذا البند المحوري في أسس إيديولوجيتهم.
2 – الانتخابات التشريعية 2013 و 2018 : في حالة تشريعيات 2013 تم فرض المقاطعة رغم معارضة قواعد الحزب و النخبة من كوادره. و في 2018 جاء القرار "الستاليني" غير المسبوق بإقصاء الزعيم التاريخي لليسار و للقوى الوطنية بصفة عامة، و الذي كان أشهر البرلمانيين الموريتانيين على الإطلاق، من قيادة لائحة نواكشوط رغم دعم ترشيحه بالإجماع من اتحادات الحزب في نواكشوط، و استبداله بشخص آخر من لوبي الرئيس، ضمن عملية تصفية حساب شخصية، نادرة من نوعها من حيث مستوى عدم الاحترام لتاريخ النضال، من طرف قيادة تسوق باعتبارها رمز النضال و الصمود. و لست أنا من يقول ذلك و إنما قالته و كتبته في الإعلام كوادر و قيادات الحركة الوطنية الديمقراطية.
و مساء أمس السبت توج بالنجاح مسار غريب من حيث مستوى استخدام "القوة و الحيلة و الثعلبية و الأسدية"، على النحو الذي شرحه "مكيافيلي" فيه. لم يكن ولد مولود قد أعلن لحظة ضمن المترشحين للرئاسة، و لم تكن هيئات الحزب تعمل على أساس احتمالية هذا الترشح. و كان الرجل يقود التحالف الانتخابي للمعارضة و يفترض بصاحب تلك المسؤولية أن لا يكون راغبا في الترشح، تماما كرئيسي "حاتم " و تواصل، و لم يقدم اسمه حتى ضمن لائحة المترشحين للترشح. سوى أن التسريبات أثبتت فيما بعد أن الرجل "بيت ليلا" نية الترشح مع لوبيه الخاص، بقيادة و لد أخليل و لو غورمو. أين هذا مما يقول عنه المثل الحساني : "وديعة الرئة للقط". قل لي بربك كيف يمكن للتحالف الانتخابي للمعارضة أن ينجح، إذا كان منسقه يقول في العلن شيئا يعمل سرا على عكسه.
لاحظ مثلا أنه عندما نشرت "خدجة مالك جلو" تدوينتها حول الترشح الانتحاري لولد مولود، لم تكن هيئات الحزب قد علمت بوجود الفكرة. و رغم ذلك إنبرى "لو غورمو" للرد قائلا : "إن الحزب قد قرر الانتحار مرفوع الرأس، يبقى بعد ذلك أن نعرف ماذا سيقرر المكتب التنفيذي". كلمة استالينية بامتياز، خانت الأستاذ و الأكاديمي الكبير فيها العبارة. أي تناقض مكشوف : "الحزب قرر" ثم تقول لي " ماذا سيقول المكتب التنفيذي". لا معنى لهذا الكلام إلا اذا كان الحزب هو أنا و ولد مولود، و "المكتب التنفيذي" شيء آخر. و لأن الرجل أحس بضعف حجته لم يعقب على تعقيب مالك جلو.
و في تعقيبها أفادت بأن "ولد أخليل" كان قد طرح مقترح ترشح ولد مولود على صالح ولد حنن رئيس لجنة استقبال الترشحات، و لما طرح السؤال على ولد مولود أجاب بأنه لم يكن ترشيحا و إنما تعبيرا عن الاهتمام بالترشح. و تساءلت "مالك جلو" : ما الفرق بين الاثنين. و السؤال وارد خصوصا إزاء شخص يفترض أنه يعمل على وحدة المعارضة، و أنه لم يخول بالترشح من هيئات حزبه.
الأطرف من ذلك أننا لاحظنا أسبوعين قبل اجتماع المكتب التنفيذي للحزب، الذي يفترض أن يناقش مبدأ الترشح من عدمه، كتبت منى منت الدي" أن اسم ولد مولود مطروح كأبرز المرشحين المحتملين للتكتل. شخص لم يرشحه حزبه بعد، و هناك معارضة غير صامتة لترشحه في الحزب، يعرض في منسقيه أحزاب و يتداول حوله المكتب التنفيذي لحزب آخر، كيف تقول لي أن قيادة هذا الحزب تحترم الديمقراطية و الشرعية داخل حزبها. قيادة هيآت حزبها آخر من يعلم بالقرارات المصيرية فيه. ثم تقدم لنا تلك القيادة باعتبارها الرقم الأول في مقارعة الاستبداد و الدكتاتورية. أية دكتاتورية و أية استالينية اشد من ذلك.

4 – حزب هدية لصديق :

في تدوينته غداة قرار المكتب التنفيذي للتكتل و عشية مهرجان ترشح ولد مولود، كتب ولد لمات نائب رئيس الحزب : "إن بالتكتل من هو أجدر و أنصع تاريخا و أقوى نضالا من كل المترشحين. لكن التزاما شخصيا أخذه رئيسه كان له تأثيره على مجريات الأحداث. و رغم ذلك فإن الاحتمالات ما زالت مطروحة و باب الترشح لم يغلق بعد".
الجدل انطلق و لابد أنه سيتواصل، و يخشى على التكتل إن يكون أشد الأحزاب نزيفا من جهة الاستقالات لصالح دعم ولد الغزواني. لكن أيا يكن مصير الأمور، يعرف الجميع أن التكتل ليس حزبا إيديولوجيا، وإذا كانت له من إيديولوجية فالأرجح أن تكون ليبرالية لا اشتراكية، و في الأقصى اشتراكية ليبرالية. ثم إنه مرتبط بمشروع الترشح الرئاسي لأحمد ولد داداه، و هو ترشح لا شك أنه غير مسبوق في تاريخ المعارضة من ناحية قوته الانتخابية، حتى ليمكن القول إن صاحبه أستحق الرئاسة مرتين، عام 1992 و عام 2007. لكن هذا المشروع الرئاسي أصبح في خبر كان.
و كان الأحرى بالرئيس أحمد أن يفكر بالمستقبل السياسي للكوادر التي دعمته و صمدت معه بعد أن تفرق عنه الجميع، و أن لا يتركهم في مهب الريح و هو يغادر المشهد. للأسف ما حدث هو العكس، وكأن الرجل قال بينه و بين نفسه : "مادام ترشحي مرفوضا، لن أهتم بمصير الحزب و لا مصير الساحة السياسية في مجملها". إن لم يكن الأمر كذلك كيف تفسر عدم تقديم مرشح من الحزب أقله للمحافظة على حضور رمزي في سباق رئاسي عرف أنه أبرز فرسانه. و إذ لم يشأ الترشح لم لا يتخذ موقفا داخل تحالف قادر على النجاح، لتمكين كوادر الحزب من المشاركة في صنع و توجيه القرار. و كنت قلت في الحلقة السابعة من هذه السلسلة أن دعم التكتل لولد مولود - إن تم - سيكون بمثابة مقاطعة للانتخابات.
أشعر أننا هنا أمام حالة شبيهة بتلك التي تقابلنا دوما في الانتخابات، حيث يأتيك أحدهم و يقول لك : إذا لم يكن لديك قريب مترشح فتكرم علي ببطاقتك و بطاقات أفراد أسرتك، لأن لدي قريبا مترشحا في الدائرة كذا و أريد أن أسجلكم هناك. عام 2001 عندما كان التكتل في أوج قوته لم يتسامح أنصاره مع خيام أنصار ولد مولود، حيث احرقوا بعضها. رغم إنهم يومها لم يكونوا مترشحين، لم يكن ثمة مجال للصداقة و الهدايا و التكرمات الشخصية. أما اليوم مادام رئيس التكتل غير مترشح فلا مانع من منح لافتة الحزب لصديق يزيد بها عنوانه، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى عنوان بهذه الرمزية النادرة. خصوصا أن مهرجان ترشحه يغيب عنه أبرز قادة حزبه و هو ولد بدر الدين. الذي لا يشبه غيابه في ساحة أبن عباس بالأمس إلا غياب جميل في ملعب ملح يوم ترشح ولد بوبكر.
هل من الديمقراطية أن تتخذ حركتان إيديولوجيتان في استحقاق رئاسي هو الأهم في تاريخ الديمقراطية التعددية الموريتانية قرارات تستحي أبرز قياداتها من الاصطفاف خلفها و الظهور في الاحتفال بها ؟ !
هل من الديمقراطية أن يتحول حزب من موقع المرتبة الأولى انتخابيا بين أحزاب المعارضة إلى لافتة وهدية لصديق؟ !
بربك أيها الرفيق "لو غورمو" أترى ذلك أقرب إلى الدكتاتورية أم إلى الديمقراطية ؟ !

يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية