من كتاب الأدب الكبير

الثلاثاء 26-03-2019| 22:00

ا. د أحمدو عبد الدائم انداه

تملكنى، منذ بعض الوقت، منزع قراءة الكتب القديمة لمستواها اللغوي الرصين وابتعادها عن بعض الكتابات المعاصرة وما تحوى من همز ولمز...
لذلك أحببت مشاركة القارئ ـ الكريم ـ خواطر امتحتها من كتاب عبد الله بن المقفع، الأدب الكبير والأدب الصغيرـ لاقت لدي استحسانا ـ وهو الكتاب الذي يحوى تراثا من الأقوال والحكم والنصائح الفارسية، ترجمها وعرّبها ابن المقفع بأسلوبه المتميز ما صيرها أدبا عربيا خالصا كما فى رائعته «كليلة ودمنة».
ومن «الأدب الكبير» نقتطف ما نقلناه، بشيء من التصرف، اليسير، في قليل من الكلمات والألفاظ التي قد تستغلق على بعض الأفهام، مع استخدام مترادفات مطابقة للمعنى المراد، إدراكا لحاجتنا في موريتانيا تأمل هذه المعانى...فى هذا الظرف الدقيق. واستصحابي أن:

الدرجه مخلوكت رفه .... يقير الدرجه كربت فيل
ما يكدر حد إيحشلفه ... أوحد افلته يوقد فالسيل

إياك-إن كنت والياًـ أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية، وأن يعرف عنك الناس ذلك، فتكون تلك ثغرة ينفذون منها إليك، وباباً لاغتيابك والسخرية منك.
إنك إن تلتمس رضاء الجميع تلتمس ما لا يدرك...لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من خير إلا بها، والأبواب التي لا يخافك خائف إلا قبلها.
عوّد نفسك الصبر على من خالفك من ذوى النصيحة، وتجرع مرارة قولهم وعذلهم، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والمروءة، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه أو يستخف به شانئ ...
اعلم أن مالك لا يغنى الناس كلهم فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة، كلها فتوّخ بها أهل الفضل، وإن قلبك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم.
واعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم انتقص، من قدر رأيك في المهم، وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحق.
اعلم أن من الناس من يغضب، فيحمله غضبه على الكلوح والقطوب في وجه من لم يغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، وشدة المعاقبة باللسان وباليد لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطى من لم يكن يريد إعطاءه، ويكرم من لم يرد إكرامه ولا حق له. فاحذر كل الحذر من هذا الباب فإنه ليس أسوأ من أهل السلطان الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم وبتسرعهم في رضاهم.
لا تكونن نزر الكلام والسلام، ولا تبلغن بهما فرط الهشاشة والبشاشة، فإن إحداهما من الكبر(بطر الحق وغمط الناس ) والأخرى من السخف.
ليتفقد الوالى فاقة الأخيار والعامة من رعيته، وليعمل على سدها، وليقمع طغيان السفلة منهم، وليحذر من الكريم الجائع واللئيم الشبعان، فإنما يعتدى الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع.
لا يحسدن الوالى من هم دونه، فإنه أقل في ذلك عذراً من السوقة، التي إنما تحسد من فوقها، وكل لا عذر له.
على الوالى أن يتثبت عندما يقول وعندما يعطى وعندما يعمل... فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، وإن الإقدام على العمل، بعد التأنى فيه، أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه.
وفى تحذير مصاحب السلطان من أن يغتر باستئناسه يقول:
■ إن ابتليت بصحبة السلطان، فعليك بطول المواظبة، في غير معاتبة، ولا يحدثن لك الاستئناس به غفلة وتهاونا.
■ إذا رأيت السلطان يجعلك أخاً، فاجعله أباً، ثم إن زادك فزده.
■ إذا أردت أن يقبل السلطان قولك فلا تخلطه بشيء من الهوى، فإن الرأي الصحيح يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولد والصديق. والولاة يرون خلط الرأي بالهوى، خديعة وخيانة وكفرا.
■ إذا سأل الوالي غيرك، فلا تكونن أنت المجيب عنه، فإن استلابك الكلام خفة بك واستخفاف منك بالمسؤول والسائل.
■ إذا لم يقصد السائل في المسألة لرجل واحد، وعم بها جماعة، فلا تبادر بالجواب، ولا تسابق الجلساء... فإنك إذا سبقت للكلام صاروا لكلامك خصماء، فتعقبوه بالعيب والطعن، وإذا أنت لم تعجل بالجواب وتركته للقوم سمعت أقاويلهم، ثم تدبرتها وفكرت فيما عندك، ثم هيأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جوابا حسنا.
■ إن صيانة القول خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مائة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها. وإن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل وسوء التقدير، وإن ظن صاحبه أنه قد أتقن وأحكم.
■ تحرز من سكر السلطان، وسكر المال، وسكر العلم، وسكر المنزلة، وسكر الشباب، فإنه ليس من هذا شيء إلا وهو ريح جنة تسلب العقل، وتذهب بالوقار، وتصرف القلب والسمع والبصر واللسان إلى غير المنافع.
■ لا تكون صحبتك للملوك إلا بعد ترويض نفسك على طاعتهم في المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك... والتصديق لمقالتهم، والتزيين لرأيهم، وقلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساءوا، وحسن الستر لمساوئهم، والتقرب لمن قاربوا وإن كانوا بعداء، والبعد عمن باعدوا ولو كانوا أقرباء.
■ إنك لا تأمن تقزز الملوك إن علمتهم، ولا تأمن عقوبتهم إن كتمتهم، ولا تأمن غضبتهم إن صدقتهم... وإنك إن لزمتهم لم تأمن تبرمهم بك، وإن فارقتهم لم تأمن عقابهم.
■ وعلى الرغم من كل النصائح والتحذيرات التي وجهها «ابن المقفع» للولاة والرعية، فيبدو أنه لم يعمل بها، إذ كاد له والى البصرة، واتهمه بالزندقة، وقد قطعت أطرافه لتشوى في النار أمامه ويقتل تعذيباً وهو لم يجاوز منتصف الثلاثينيات من العمر.
■ يقول «ابن المقفع» لقاتله قبل أن تفارق روحه بقايا جسده : « إذا مــــات مثلى، مـــات بموتــــه خـــــــلق كثير، وأنت تموت ليس يدرى بموتك كبير ولا صغير».
 والله من وراء القصد

عودة للصفحة الرئيسية