هل أصبحت موريتانيا ضمن منظومة "السّيولة الحمراء"؟

الاثنين 25-03-2019| 09:30

د.أمم ولد عبد الله

لم يكن قتل ذلك السبعيني الذي يُدعى محمد فال ولد سيدي النافع، حدثاً اعتباطياً جاء بمحض الصدفة، وإنما كان بدايةً لمرحلة مازالت الضبابية تكتنف معظم جوانبها، فإطلاق الرصاص الحي على رجل في هذا العمر بموريتانيا يُعد تحولاً جذرياً في ثقافة جنودنا الذين اعتادو على معاملتنا بصرامة تخلو من كل مظاهر العنف القاتل، ولايمكن بحسب علماء النفس أن يتحول الإنسان في ظرف وجيز إلى كائن يسكنه الخوف من كل ما يحيط به لدرجة تجعله يقتل كل من يشك فيه. وإذا توقفنا عند التحليل المنطقي للأشياء ندرك أن الرصاصة التي قتلت ولدسيدي هي في الحقيقة اغتالت نظاماً اجتماعياً ونمطاً اقتصادياً لساكنة كانت تمارسه منذ قرون، فاختفاء الثقة وتحولها في لحظة إلى خطر يعني اختفاء الحركة الانتجاعية لتلك المجموعات، وذلك يعني بداية تغيير عميق يُخطّط له منذ فترة، وليست مجموعة G5 سوى آلة عسكرية لتنفيذ هذا المخطط الذي بدأت بوادره مع التدخل العسكري الدولي في مالي.
إن الحراك العسكري في شبه المنطقة يُذكرنا بالأجواء التي شهدها الخليج بعد 1997 والتي جاءت تطبيقاً لنظرية ما عُرف بــ : Project for the New American Century(PNA) أو "مشروع القرن الأمريكي الجديد" الذي نظَّر له باحثون من ضمنهم صاحب نظرية نهاية التاريخ (فرانسيس فوكوياما) في مؤسسة محسوبة على اليمينيين الجُدد.
وفي ومقال لـ William Rivers Pitt بعنوان : Blood Money أو "النقود الملوثة بالدماء" نُشرعلى موقع Information Clearing House بتاريخ 27/02/2003 تناول الكاتب الطرق التي تحوّل بها خراب العراق إلى ثروات طائلة للشركات المنتجة للسلاح، وكيف أصر البيت الأبيض على تنفيذ تلك الخطط لتعود عليه بسيولة مُلوثة بالدماء.
واضح من تلك السياسات أن ثمة إستراتيجات يُنظَّرلها في مراكز think tanks, التي كانت مسؤولة عن نشر ما سُمي بالفوضاء الخلّاقة، التي يبدو أن الاستعمارالجديد مُصمّم على جعلها البوابة التي تضمن له نهب موارد مستعمراته القديمة، وإزالة وسائطه الشكلية التي أصبحت تعرقل تلك العملية من خلال بعض الابروتوكولات التي ماعاد جشع الرجل الأبيض يتحمّل انتظارها.
لم يكن وجود جماعة بلعور في الشمال المالي سوى جزء من هذا المخطط الشامل، وهو ما يتضح من خلال تشجيعها على التحرك نحو تومبكتو في ظل اختفاء شبه تام للقوات المالية التي غالبية قيادتها من قبيلة (البمبارا) المعروفة بعنادها وبسالتها، لتجد القوى الدولية المبرر القانوني والأخلاقي للتدخل في مالي، تدخل مضى عليه أكثر من ست سنوات ولم يحقق -حتى الآن- الهدف المعلن منه، وهو أمر مثير للاستغراب في ظل الفوارق العسكرية الكبيرة بين منظومة عسكرية دولية تمتلك الدبابات والطائرات ووسائل الرقابة المتطورة، وجماعات لا تملك سوى النزر القليل من السيارات الرباعية الدفع، وبعض قذائف RPG-7 . فلماذا لم تُحسم هذه الحرب حتى الآن؟..
ليس سراً أن الموارد الاقتصادية لمالي التي تقع على بحيرة من النفط وتضم هضاباً من الذهب واليورانيوم، كانت دافعاً وراء التهافت الدولي على بلد (المنسى موسى) الذي ذكرت جريدة الشرق الأوسط في مقال لها بعنوان : " المنسى موسى أغنى رجل في تاريخ البشرية"، نُشر بتاريخ : 10/03/2019 "أن ثرواته بحسب خبراء تجاوزت 400 مليار دولار".
والحقيقة أن توازن أطماع تلك القوى دفع بها إلى تجاوز نظرية فرق تسد التي كانت إستراتيجية متبعة من القوى الاستعمارية في بداية القرن الماضي إلى سياسة "اقتل لتتحكّم وسلِّحْ من يقوم عن بذلك"، وليس تحول مهام القوات الدولية من قوات لحفظ السلام إلى وسيلة لنشر التقاتل بين السكان سوى جزء من هذه الإستراتيجية التي استهدفت قبيلة "الفلان" في مالي التي تُعد من أكبر القبائل المسلمة في الغرب الإفريقي.
لقد أوشكت المهمة في مالي على النهاية من خلال زرع فتنة قابلة لتوزيع الكراهية والحرب بين السكان بشكل تلقائي، ونهب موارد البلد من قبل الدول التي توجد لها قوات على الأرض، بعد أن فقدت السلطات المحلية السيطرة على مواردها وأصبحت مُجرد واجهة لتبرير واقع يراد له أن يكون وبالقوة، وكما هو واضح فإن الدور قادم على موريتانيا التي يبدو أن نشاطها الدبلوسي الأخير كان مجرد تمظهر خدّاع لتبرير استدراجها لتكون ضمن منظومة "السيولة الحمراء"، وليس قتل ولدسيدي سوى بداية للمهام الحقيقية لمجموعة G5 التي سيتم تسليحها لتصبح قادرةً على نشر الفوضى في دولها ولن تُزود بأسلحة نوعية لأسباب يعرفها الجميع، فهذه القوة قد مضى على إنشائها أكثر من سنتين، ومع ذلك لم تحصل بعدُعلى تمويل يمكنها من تحقيق أهدافها المعلنة التي أُنشئت من أجلها حسب تصريح لقائدها الجنرال حنن ولد سيدي.
وينبغي أن لا يغيب عن أذهانناأن التدخل الدولي في مالي صاحبه انتشار كبير لخطاب الكراهية والعنصرية في موريتانيا إضافة لظاهرة الإلحاد الغريبة على المجتمع، ما يعني أن عناصر التهيئة للاقتتال كانت تُجهز منذ فترة، وليست G5 سوى ذراع عسكري لتحويل تلك الخلافات إلى معارك عسكرية ستُدخِلُ موريتانيا بسهولة في منظومة السيولة الحمراء، التي يبدو أن الغرب اعتمدها ضمن إستراتيجاته بعد أن تسببت له الحروب في مشاكل كثيرة أثرت على نواحي الحياة المختلفة، خصوصاً على التوازن الديمغرافي، وليست هناك طريقة أفضل من التخلص من الضحايا في بلدانهم الأصلية وبسلاح غيرهم، وتبدو النزعة التحريضية على هذه الرؤية واضحة في كتاب Renauld Camus, Le Grand Remplacement أو "الاستبدال العظيم/ الكبير" الذي يُهددمؤلفه بقرب استبدال السكان الأصليين لأوروبا بآخرين قادمين من شمال إفريقيا, وإفريقيا جنوب الصحراء، وبما أن السبب الأساسي للهجرة "هو نهب خيرات تلك الشعوب" بحسب تعبير نائب رئيس الحكومة الإيطالية (لويجي دي مايو)، فإن التخلص منهاهو أفضل وسيلة لتطبيق إستراتيجية السيولة الحمراء التي بدأت بمالي وظهرت بوادرها في موريتانيا، التي يبدو أنها لن تكون الأخيرة في قائمة من الأطماع اللامتناهية لأحفاد قسطنطين العظيم الذين يسكنهم هاجس الخوف من أن يصبحوا أقليةً في أوطانهم...


د.أمم ولد عبد الله

عودة للصفحة الرئيسية