رأيت في ما يرى النائم

السبت 23-03-2019| 20:40

الكاتب : محمد الأمين ولد دده أستاذ فلسفة في ثانوية أطار

وأنا في انتظار أن يصلني الدور كنت قابضا بيدي على دفتر الشيكات تماما مثل القابض على دينه ( أسأل الله أن يقوي قبضتي على ديني ) ، أقلب نظري ذات اليمين و ذات الشمال ، يتنازعني كم هائل من الأفكار التي لا وجه فيها للدخل ، فهي كلها متعقلة بالصرف و الاستهلاك و الإهلاك .. فتارة أقول : علي أن أكتب في الشيك مبلغ كذا ، و تارة أقول : لا ، علي أن أزيد حتى أبقي مبلغ كذا في يدي ( و الله أعلم بما في اليد ) ، مما يمكنني من ادخار مبلغ كذا في حسابي للطوارئ و الحروب و الأزمات و الكوارث الطبيعية .. و لأنني أتمتع بأنشط و أقوى ذاكرة ، تذكرت ديون صاحب الدكان ، و إيجار المنزل . و يا ليتني لم أتذكر ، عندها أصبح الحساب كله تحت التهديد .
آلمني ما تذكرت فأحسست بشيء من الحسد للذين أصيبوا بفقدان الذاكرة أو الزهايمر ، لأنني حسبتها للتو نعمة حباهم الله بها . ملت إلى مقعد بجانبي فجلست عليه و أسندت رأسي إلى الحائط في الخلف ، علي أنسا همومي ، و إذا بي أتساءل : هل بإمكاني أن أمسح الطاولة من كل هذه الهموم تماما كما فعل ديكارت مع الوجود ؟ و لذا دخلت في مونولوجي داخلي لم يصبح بعد خارجيا و لله الحمد : أنا الآن في لحظة نسيان لكل شيء ، هل باستطاعتي أن أنسا النسيان نفسه ، لم لا ؟ نعم بإمكاني أن أنساه ، و ليس لي إلا أن أنساه ... بعدها وجدتني لم أنس في الحقيقة إلا مسح الطاولة الديكارتي و الذي يتضمن الشك لا النسيان ، أو لم أدرسه للتلاميذ عشرات الآلاف ؟ عفوا عشرات المرات ، نعم لقد نسيته ، و ما أنسانيه إلا التفكير في العلاوات و الأجور ، و بعدها عن تلبية واحد على العشرة من المشاكل القارة التي تطرح لنا كمدرسين .
عندما تسللت إلى راحة بدنية جراء وضعيتي على المقعد ، دخلت في غفوة ، فرأيت في ما يرى النائم المعلم الأول و المعلم الثاني و هما يتحدثان في نهاية الطابور ، ففرحت فرحا لا يوصف ، و قلت لنفسي هذه فرصتي لآخذ عن الرجلين دون واسطة ، و ما إن اقتربت منهما حتى لاحظت أن التعب بادي عليهما لدرجة الشفقة ، و مع اقترابي منهما لاحظت وجود المعلم سقراط ، و لم يكن الأخير أكثر منهما أناقة ، فملت في اتجاهه ، و أنا أرغب في أن أسأله عن فن التوليد عنده ، سلمت عليه فإذا هو يعالج هاتفا بسيطا أخنا عليه الذي أخنا على لبد ، يفصل عنه بطاريته ثم يرجعها ، حياني بحركة من رأسه الأشعث و هو يسأل أمه التي كانت تقف في الطابور المقابل لطابوره عن بطارية كان قد أودعها لها ، حينها وضعت القابلة فيناريت نظارات طبية راقية على عينيها ، و فتحت حقيبتها بيدها التي تحمل فيها هاتف أيفون حديث ، و أخرجت البطارية و رمت بها إلى الابن المسكين .
بعد الذهول الذي أصابني سألت معلمي سقراط عن فن التوليد المنسوب إليه ، الأمر الذي جعل فيناريت تحدجني بنظرة و ابتسامة لا تخلو من التهكم . بالكاد رفع سقراط عينيه و هو يبتسم ابتسامة مريرة : مسكين أنت أيها المدرس البائس ، أو تسأل الآن عن التوليد ؟ دعك من هذه الترهات ، و اعمل بنصيحتي ، إن كانت لك أخت أو زوجة فعليك أن تعمل على مساعدتها لتكون قابلة تولد النساء ، و دعك من توليد عقول الرجال و ذلك الكلام الذي لا يقدم و الذي أرهقتم به عقول التلاميذ ، بل إن كان باستطاعتك أنت أن تكون قابلة فكن ، لا ، قد يكون ذلك مستحيلا ، ابحث لك عن عمل فراش أو سائق في أحد المستشفيات .
فتح سقراط عينيه الكبيرتين مجددا و هو ينظر إلي بحزم و بصوت منخفض جدا قال : ألم تعلم أيها الساذج أن الأجر الذي تتقاضاه قابلة واحدة أصبح الآن أكثر من الأجر الذي يتقاضاه مدرسان أو ثلاثة ،. حاول أن تتخلص من الصخرة يا سيزيف .
تنهد المعلم سقراط ثم أردف قائلا : قارن بين الحاضرين ، أنا و أنت و طابور الجلود هذا ــ و أشار بسبابته إلى طابور من المدرسين ــ مع الطابور المقابل الذي يضم أطباء و ممرضين و قابلات ، انظر إلى هذا الشاب إنه أبو قراط ، تلميذي الذي درسته ، بالكاد سلم علي بمقدم أصابعه قبل قليل ، أو تظنني عاتب عليه ، لا لست عاتبا عليه ، و لست كذلك عاتبا على أمي التي رمتني بالبطارية ، طبعا هذا فيه إهانة لكرامتي ــ صمت قليلا ــ لا عليك من كلمة كرامتي ، أنا لا أعتب إلا على نفسي ، فقد أخطأت خطأ فادحا حين واجهت ابروتاجورات ، المعلم الفاضل الصالح ، لكن ...
أثناء تسلل اليقظة إلى كياني المتهالك ، كان يتناهى إلى مسامعي صوت فرد من أمن البنك : البائس ، البائس ، البائس .
عند ما اكتملت يقظتي و جدته يكرر : المدرس ، المدرس ، اجلس حان دورك . هنا ليس مكان للنوم .
سبب لي كلامه بعض الإزعاج ، سرعان ما اختفى ، فلقد علمتني الحياة أن لا أرد على من أساء إلي ، لأنه باختصار يعرف كيف يهينني ، و لذا جمعت بعضي في قماش كان في السابق على هيأة دراعة من الجزيرة ، و أمسكت بطرفيها حول خصري ، مع قبضة فنية على السروال الذي يبدو أنه يريد التحرر ، ثم اتجهت إلى الشباك و سحبت ما بقي من حسابي بعد الاقتطاعات ، و ها أنا ذا أنتظر العود الأبدي .

الكاتب : محمد الأمين ولد دده
أستاذ فلسفة في ثانوية أطار

عودة للصفحة الرئيسية