الرئاسيات بين قرعة الأشخاص و حوار مشاريع الدول

حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 (الليلة السابعة 18 مارس 2019)

الثلاثاء 19-03-2019| 09:00

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث leminebety@yahoo.fr

أتشرف بأنني درست مادة الفلسفة في الثانوية الوطنية للدكتور و الكاتب الكبير الشيخ ولد سيدي عبد الله، كما أفتخر بأنني كنت شاهدا على خطواته المتميزة الأولى في الكتابة الصحفية يوم كنا معا في مشروع مجلة نواكشوط - الثقافة و التحليل التي كان لي شرف إدارتها، و جمعت معنا زملاء هم اليوم كوكبة من نجوم الإعلام و الفكر في البلاد. أستعيد هذه الذكريات بمناسبة نشر صفحة الدكتور الشيخ لمشاركة أدبية مميزة للوزير الأول و السفير و المرشح الرئاسي سيد محمد ولد بوبكر، في ندوة منظمة بالصالون الثقافي العربي بالقاهرة في فبراير2013، بمناسبة صدور كتاب "عين النقد" للدكتور صلاح فضل.
و لا يغيب علينا أن إعادة نشر هذا العمل ليست بريئة، حاشى الشيخ من البراءة التي تحيل إلى السذاجة. إنها جزء من مقدمات حملة ولد بوبكر لرئاسيات 2019 التي تعتبر صفحة الشيخ من الصفحات النشطة فيها. و رغم أنني منتسب إلى حملة ولد الغزواني فسأدعم هنا الرسالة التي أراد الشيخ إيصالها. لأقول إن نشر هذا المقال لا يزيد معلوماتي في الموضوع، فأنا على معرفة بالبعد الأدبي لهذه الشخصية الوطنية الفذة متعددة الأبعاد منذ عام 2014. و ذلك يوم زرت "قاهرة المعز" "المحروسة"، مشاركا في الملتقى الخاص بالدبلوماسيين الأفارقة من الدول الناطقة بالفرنسية، المنظم من طرف النادي الدبلوماسي المصري. و شرفت يومها باستقبال طيب من رجل ذي أخلاق عالية، لم يكن شخصا آخر سوى سفيرنا في مصر سيدي محمد ولد ببكر.
و قد علمت عن طريق الزملاء في السفارة بقصة الصالون الثقافي العربي الذي تأسس بمبادرة من قيس العزاوي سفير العراق و السفير ولد ببكر. و كان تميز مشاركات سعادة السفير في الصالون بالشعر أكثر من النثر. و من أبرز ذلك مقطوعته التي علقت لوحة جدارية في مقر الصالون. و منه المقطوعة التي ألقاها في حفل وداعه يوم نقل من القاهرة إلى نيويورك و التي يقول في مطلعها و خاتمتها :

فراق مصر على عشاقها يقسو * و هل تفارق طوعا جسمها النفس
و لا أقول وداعا عند فرقتنا * لكن إلى ملتقى الأحباب يا قيس

لكن هذه المعلومات هي من جهة أخرى فرصة لنا لتقديم جانب من الرؤية التي تحاول سلسلة الليالي السياسية هذه أن تساهم بها فيما يخص رئاسيات 2019. فنحن نرى أن هذا الاستحقاق لا يجوز التركيز فيه على المقارنة بين مناقب الأشخاص، بل على الحوار التحليلي بين مشاريع المجتمع و الدولة، و القيمة الإستراتيجية للتحالفات الداعمة لها.
إن الاستحقاق القادم، هو فرصة لعودة الحوار حول مشاريع مختلفة للدولة. نحن نحلم بالتحرر من تلك الجملة المكررة منذ عهد ولد الطايع، حيث يقال لك بمناسبة و بدون مناسبة : "وفقا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية السيد (أ) و برنامج حكومة الوزير الأول السيد (ب). نريد لهذا الاستحقاق أن يكون - كما قال المرشح ولد الغزواني - "استحقاقا يوفر الظروف المناسبة لنقاش جاد حول ما آل إليه البلد بعد ستين عاما من الاستقلال و حول تصورات كل منا حول ما ينبغي أن يكون عليه في قابل الأيام".
و يبدو لنا أن الأهم في المرشح الرئاسي هو التحالف الذي يقف وراءه، و مدى قدرته على تعبئة قطاع عريض من الشعب الموريتاني و قواه الحية خلف برنامج واحد. و ما إذا كان ضعف التحالف الداعم له أو ضعف الموارد المالية قد تلجئه إلى طلب دعم بعض القوى الظلامية المهددة لأمن و استقرار و تنمية البلاد. و ما إذا كان مثل هذا الضعف قد يفقده حرية القرار، و يجعله رهينة للمساومات التي يتعرض لها من قبل الأشخاص و المجموعات الداعمة. و إذا كان من نقد يمكن توجيهه لولد بوبكر المرشح فإنما على هذا الصعيد، الذي قد يجعل مناقبه الشخصية - مهما كانت عظيمة - غير قادرة على التأثير في مستقبل البلد في ظل ارتهان الرجل لسماسرة كثيرين، يطالبون بالتحكم في القرار التنفيذي للبلد على نحو يخدم مكاسب هي في اغلبها ذاتية و شخصية، رغم تظاهر أصحابها بان لديهم برامج و شروطا سياسية.

جميل و التفرد بالتفكير و التحليل الإستراتيجي

دار بيني و بين صديق عزيز علي الحوار التالي :
- قال صاحبي : لقد أصبحت مداحا و مصفقا بين عشية و ضحاها. ما الذي أعطاك ولد الغزواني حتى تغيرت هكذا، و رضيت لنفسك بمثل هذا الدور.
- قلت : أنا مجيبك، لكن تعلم أن هذا الجواب يحتاج فهمه و تقديره أن تكون للمستمع حاسة من الذوق الصوفي أو قدر عال من صفاء القلب و الروح. أنا أعتقد أن من شيم النفوس الزكية و القلوب الصافية من أمراضها صفتان : التواضع و الكرم. و إن الكبر و ما يتعلق به من عجب و البخل و ما يرتبط به من متاجرة و حرص على المنفعة و عدم بذل بدون مقابل، صفات متجذرة في كل النفوس، و الكثير من أعراضها لا يدركها المريض بها، لذا تراه يعتقد نفسه متواضعا و كريما بينما هو الأبعد عن ذلك. و حاصل القصد هنا أن الاعتراف بفضل أهل الفضل يداوي العجب و يدل على التواضع. مريض العجب و الكبر لا يستطيع رؤية فضل أهل الفضل لأنه محجوب بفضل نفسه غير الفاضلة، و لا يستطيع أن يرى فضلا لغيره. و هو كائنا من يكون في الهامشية و الدونية يعتبر نفسه مركز الكون، و البوصلة المرجعية للخير و الشر. أما البخل فصاحبه لا يستطيع بذل النقير. حذار فالكثير من البخلاء يبذلون البلايين، لكن عندما تنتبهون جيدا لن تجدوا لواحد من هؤلاء عطاء لم تصوره الكاميرات و تعد حوله الريبورتاجات، و يغرد حوله في مشارق الأرض و مغاربها عبر الشبكة العنكبوتية، تمهيدا لحصد العائد الربحي الذي لابد أن يكون مضاعفا. و أقل ما يحرص هذا المتاجر بالمكرمة و الصدقة على جنيه هو رياء الناس و المدائح غير المستحقة التي يزهو بها و يعلل النفس المريضة بداء العجب بسماعها. بؤسه من عطاء و شدته من بخل. و إن من أشد البخل أن يبخل المرء بكلمة الخير في حق الآخر الذي يستحقها، اشتراطا للأجرة و العطاء. تصوروا معي أن يكون الميدان العام سوقا مفتوحة لا يقول فيها أحد كلمة إشادة بفعل خير، قبل أن يكون قد اتصل بسمسار أو مستشار إعلامي أو مقرب من الممدوح للمساومة حول الثمن و المثمون.
و حري بصاحبي ذاك أن يسألني اليوم : و ماذا أعطاك جميل ولد منصور، لأن هذه الحلقة - كما سيلاحظ القارئ - تكاد أن تكون قصيدة في مدح جميل، و الإشادة بالرؤية التحليلية و منهجية التفكير الإستراتيجي لدى هذا الزعيم السياسي المعارض، مقارنة بالخيارات التي نجدها عند خلفائه في قيادة تواصل، و زملائه من قادة أحزاب المعارضة الأخرى.
لا حاجة للتكرار، لكن هذه فرصة لتوطئة يحتاج أليها هذا العرض، للمساعدة على فهمه في سياقه و في مقاصده الحقيقية. و لتنبيه قرائه المنصفين إلى مرامينا النزيهة، مع احترامنا المسبق لمشاعر أولئك الذين سيغضبهم بعض ما كتبناه هنا، و تقديرنا للتأويلات المغايرة التي سيعتمدها بعض من لم يعتادوا على الاختلاف و النقد داخل الفكر و الحركة الإسلاميين و داخل المعارضة السياسية.
لقد أعلنت انسحابي من التنظيم السري للحركة الإسلامية بمقر الجمعية الثقافية الإسلامية ذات مساء من عام 1987. ثم قدمت سنوات بعد ذلك قراءة مغايرة لتلك التي تنبني عليها رؤية حركات الإسلام السياسي لعلمانية الدولة، و للعلاقة بين الإسلام و نظام الحكم. رؤية تقترب من تلك التي تبناها الشيخ على عبد الرازق في كتابه "الإسلام و أصول الحكم" الصادر عام 1925، و تستلهم جانبا من الرؤية الصوفية و تتقاطع جزئيا مع رؤية جماعة الدعوة و التبليغ.
البداية كانت في مقالنا المنشور في حلقتين عام 1992 في جريدة البيان بعنوان : "في سبيل مجاوزة مشروع الإسلام السياسي". و هو المقال الذي لم يعقب عليه - شهادة للتاريخ - إلا محمد ولد المختار الشنقيطي، الذي كان يومها ينشر في "البيان" على حلقات دراسته بعنوان : "الشرعية السياسية في الإسلام". و بفعل اعتراف الرجل بتقاسم جزء كبير من الأفكار الواردة في المقال، قال لي : أنا مضطر لأسباب خاصة لنشر تعليق وجيز على المقال، لكنني اطلب منك عدم التعقيب. ثم عدت إلى عرض نفس الرؤية بطريقة أكثر وضوحا عام 2004 في مقالنا في حلقتين بجريدة "أخبار نواكشوط" بعنوان : "العلمانية مطلب إسلامي". و قد عقب على المقال الأستاذ "اكناتة ولد النقرة" في مقال من حلقتين أيضا، و عقبت أنا بمقالة من حلقتين كذلك بعنوان "من أجل إعادة قراءة تاريخ الفكر و الحركة الإسلاميين".
و قد توقف الحوار عند هذه النقطة، ربما لأن أعضاء الجماعة من خارج - الجيل الأول الذي كان يعرفني جيدا - أدركوا هم بدورهم أن الأمر لا يتعلق بخطاب مستشرق أو مستغرب أو ماركسي يصدر عن مرجعيات خارجة عن الإسلام و علوم الشريعة و أصول الدين. كما أدركوا أن تلك الأفكار التي قدمتها و إن لم تكن متطابقة مع الرؤية التقليدية لحركة الإخوان المسلمين و فروعها عبر العالم، فهي تتنزل في صميم الحوار الداخلي للفكر الإسلامي العاصر الذي يندرج فيه مشروع هذه الحركة.
و أراهن على أن مسار المراجعات الذي عرفته الحركات الإسلامية المعاصرة، قاد بالنهاية إلى تحريك الحدود الفاصلة بين ما قدمته من أفكار و قدمه غيري ممن أتقاسم معهم نفس الرؤى و بين التحليل الخاص بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، فيما يخص علمانية و مدنية و ديمقراطية الدولة. و لعل حركة النهضة في تونس و حزب العدالة و التنمية في تركيا و من قبلهم المرحوم الدكتور حسن الترابي في السودان و الإصلاحيون في إيران قد قطعوا خطوات جدية على هذا الطريق.
و أنا على يقين أن المنصفين من قراء هذا المقال ممن يعرفونني و يعرفون طبيعة موقفي النقدي المتميز بالقطيعة الفكرية مع تيار الإسلام السياسي التقليدي منذ نهاية الثمانينات - خصوصا من أبناء الحركة الإسلامية في موريتانيا - سيدركون نزاهة و صدق القصد فيما نتقدم به هنا، و أنه ليس بالتأكيد امتداح جناح و النيل من جناح أخر لغرض خبيث. و هؤلاء القراء إذا كانوا من أهل القسط و التوازن لا يجوز أن تفوت عليهم قوة النقد الذي وجهناه لحركة "ايرا" في حلقتين من هذه السلسلة، و الذي وجهناه للناصريين و البعثيين و "أفلام" في الحلقة الأولى من هذا المقال.
غاية ما في الأمر إيماننا بأن الأحزاب و الشخصيات السياسية العامة تستحق على الجميع النقد و التقويم. و إذا لاحظنا في جانب من خياراتها خطرا على المجتمع أو نفعا له فعلينا أن نكشف ذلك دون مجاملة. و الأفكار و الخيارات السياسية قد تكون أكثر تدميرا من الإرهاب و الجريمة المنظمة. انظر إلى جريمة المسجدين في نيوزلندا، ستجد أن على السلاح طبعت عقيدة سياسية متكاملة. كتب صاحبها 70 صفحة لتأصيل فكره، الذي يحيل إلى فكر تيارات و أحزاب سياسية صاعدة في اتجاهات الرأي العام في الغرب، و وصل بعضها بالفعل إلى الحكم في أعرق الديمقراطيات. و قد فعلها الخوارج بعلي كرم الله وجهه، و قال عنهم : "إنهم طلبوا الحق فأخطاوه".
و فيما يخص جميل ولد منصور، تاريخ الرجل شاهد على أنه ليس جديدا على ساحة التحليل و المناقشة للخطابات السياسية. سأكتفي بلقطتين أنا شاهد عليهما.
المشهد الأول : الزمان : العاشرة صباحا تحت شمس حارقة في العام الدراسي - إن لم تخنني الذاكرة - 1982 / 1983. المكان الشارع العام مقابل بوابة ثانوية الميناء. النقاش السياسي التقليدي يجري اليوم بين جميل و أحد كوادر التيار الناصري لا أتذكر إلا اسمه المجرد "عبدو". و كان جميل يحمل الحقيبة التي فيها المصادر الرئيسية "معالم في الطريق"، "في سبيل البعث" و "الميثاق" و "الكتاب الأحمر" ... و كان ضمن الحضور احد النواب الرئيسين لجميل المرحوم نافع ولد لمانة. و لابد في بعض الأحيان من التبادل لان الأمر يتعلق بجدالات طويلة لا تتوقف، و تستمر في أماكن مختلفة حتى هزيع من الليل، و لم يكن الفيسبوك و لا الواتساب و إخوتهم و أخواتهم متاحة يومها. و كان نافع رحمه الله يتميز بأنه يحفظ في أحيان كثيرة نص الكتاب و أرقام الصفحات عند الحاجة إليها. أما أنا فكنت واحدا من المشجعين. لكن المباراة ذلك اليوم لم تطل. فبعد دقائق من البداية تفرق الجمع و رأيت جميل يقفز من ثغرة في حائط مستوصف الميناء متأبطا الحقيبة، بينما تسلق محاوره جدار الثانوية. داهمتنا سيارة الشرطة. لقد كنا في عهد اللجنة العسكرية للخلاص الوطني و في ظل نظام هياكل تهذيب الجماهير.
المشهد الثاني : الزمان : السنة الجامعية - إن لم تخنني الذاكرة أيضا - 1986 / 1987. المكان : مدرج المعهد العالي للدراسات و البحوث الإسلامية. في تلك الأيام كان مكتب اتحاد الطلاب بالمعهد العالي قد انتخب، و الاستقطاب السياسي على أشده تحضيرا للمؤتمر العام لاتحاد الطلاب الموريتانيين الذي سيفشل بفعل سخونة أجواء المنافسة بين القوميين العرب و القوميين الزنوج. و كان الموسم متزامنا مع برمجة مناقشة بحوث التخرج. و كان من بين بحوث المتريز المناقشة، "الحاكمية في فكر سيد قطب" للطالب سيدي محمد ولد محم - وزير الثقافة و الناطق باسم الحكومة الحالي - و الذي كان ابرز مؤطرينا في التنطيم السري للحركة الإسلامية في المعهد السعودي. لكن من أبرز تلك البحوث "الخطاب الديني في الخطاب السياسي لحزب الشعب الموريتاني" للطالب جميل ولد منصور.
و عندما أستعيد شريط الذكريات اليوم أدرك كم كان اختيار الموضوع في حد ذاته تعبيرا عن التميز و الخصوصية - في ذلك الزمن - داخل حركة إسلامية الآخر بالنسبة لها لا يستحق التحليل و الاهتمام. و بالنسبة لي هو تعبير عن حقيقة - مازحت بها جميل في الفرص النادرة التي أتيحت لي للقائه في العقود الماضية - هي أنه مفكر و مثقف أكثر مما هو سياسي. و كم أنا سعيد بأنه أخيرا التفت إلى المجال و أسس مركزا للدراسات. و لم تتح لي فرص كثيرة لقراءة ما يكتبه الرجل، لكنني في كل مرة اسمعه يتحدث أو اقرأ له مقالا أو تدوينة، كنت المس تناميا جديا في مسار "الفكر التحليلي و النقدي" و "الرؤية الإستراتيجية" داخل الميدان السياسي و الإيديولوجي لدى هذه الشخصية الوطنية الفذة.
و أعترف أنني - و انأ المتفرغ للفلسفة و حفريات تاريخ الأفكار و الخطابات منذ 1986 - قد تعلمت في الأخير العودة إلى ما اختاره هو، حيث أدركت أن المسؤولية السياسية و المدنية للفكر و للمفكرين لا يجوز التحلل منها. و أنه لا مجال في زماننا هذا ل"فكر الخويصة"، و لا لتهرب المثقف من المسؤولية و الالتزام تجاه مطالب الناس و من التواصل النشط و الإيجابي مع السلطة و الأحزاب و المجتمع المدني.
و قديما قال "أرسطو" : "الفلسفة وليدة الفراغ"، في إشارة إلى أن الفكر يسمو أكثر عندما تجد الروح و يجد العقل تحررا من متطلبات العمل اليومي، و يتفرغ للتأمل. تلك حالة جميل الذي كان يفترض به هذه الأيام أن يكون زعيم مؤسسة المعارضة الوطنية، لو كان ما كان ينبغي أن يكون. لكن القيادة الحالية لتواصل قد صنفت واحدا من كوادرها باعتباره من المؤلفة قلوبهم و أعطته - تأليفا و محاصصة - ذلك المنصب الحساس، الذي ليس من مناصب التسيير و الحظوة و الراحة، و إنما من مناصب الحوار و الجدل الفكري و التنسيق السياسي العابر للقارات الحزبية و الإيديولوجية، و المختلف تماما عن منصب عمدة بلدية الميناء الذي كان المعني مرشحا له.
جميل هذه الأيام متفرغ للتحليل و التنظير الإستراتيجي، و هو لها مشغولا فكيف به متفرغا. و ربما كان ذلك لحسن حظنا نحن الذين نصطدم بالتصحر التام في مجال المنطق و الفكر الاستراتيجي لدى المعارضة في تعاطيها مع معظم الملفات السياسية، سيما ملف الانتخابات الرئاسية. و على رأس الأحزاب التي تعاني من هذا الاختلال حزب تواصل، الذي أسسه جميل و قاده إلى ما هو فيه اليوم. 

تواصل و المعارضة بين منطق الإستراتيجية و الميكانيكية الطالبانية

لقد لفت انتباهي في الحوارات الدائرة في أوساط المعارضة سيادة نسيان الأهداف الإستراتيجية للتركيز على مطالب الترشح و الترشيح لهذا الشخص أو ذاك. قالوا إنهم سيتداولون حول خطاب المرشح و برنامجه، لكنهم لم يخصصوا دقيقة واحدة لغير الفرز و القرعة بين الأشخاص. و بالطبع لم يكن بالإمكان - و الحال هذه - إلا ما كان من فشل في الحسم و الترجيح، ما دام الجميع متساوين في الرغبة في الترشح، و لكل مواطن موريتاني الحق في الترشح. و المرجحات إنما هي المصالح و توازنات القوة الانتخابية و الأهداف الإستراتيجية، التي أعمتهم عنها الأهواء و الرغبات الجامحة و أحلام اليقظة بالكرسي الرئاسي. و لا أدل على ذلك من تصاممهم عن دعوة جميل إلى تشكيل لجنة حكماء تمنح خمسة أيام للتداول و الحسم مع تعليق القرارات المتخذة. 
لقد لخص الرجل مشكلة النقص في الحوار و في الرؤية الإستراتيجية في تدوينتة السبت قبل الماضي عندما قال : "لا تحرجوا أنفسكم و فكروا كيف ستبررون و تشرحون". أن المشكلة هي أننا أمام معارضة غير محرجة من الجمع بين المتناقضات. معارضة تحكمها ماكينة اللوبي الصغير غير المستعد للتشاور و المناقشة لأن مبرراته لا تصمد في النقاش.
و كان أحد أبرز رفاق جميل و القادة التاريخيين للحركة الإسلامية، النائب شيخاني ولد بيب - المعزول أخيرا من منصب نائب الرئيس ضمن عملية أشبه ما تكون بالانقلاب داخل الحزب - قد عبر بصراحة اكبر عن مأزق التناقض و عدم التشاور في تواصل قائلا : "التشاور الموسع طبع جميع التجارب السابقة" "تلك سنة حسنة، أفضل الإبقاء عليها، لأنها إضافة لكونها استشارة واجبة و مطلوبة فهي تشرك من سيكتوي بتنفيذ القرار في اتخاذه و بالتالي تحمل المسؤولية في نتائجه". سأضيف "من سيكتوي بنار تبريره و شرحه و الدفاع عنه". أليس من الصعب الدفاع عن قرار لا مبرر له إلا أن قيادة الحزب اتخذته. أليس الإسلاميون هم الأحوج إلى الشفافية و المعقولية السياسية، و هم من يحتاجون إلى أيمان "القسامة" ليثبتوا أنهم ليسوا إمارة طالبان و لا خلافة البغدادي و أنصار الدين و بوكو حرام، حيث يقرر الخليفة و الأمير في خيمته، فيطيع الجند طاعة الرصاص و الصواريخ.
"بضدها تتميز الأشياء". انظر إلى هذين المثالين للموقف السياسي عندما يكون مبنيا على معقولية سياسية و وعي إستراتيجي :
الأول : عندما أعلن رئيس الجمهورية رفضه لانقلاب المأمورية الثالثة، دون جميل - و هو المعارض القوي للرجل - "أشكر لرئيس الجمهورية موقفه المعلن للالتزام بالدستور و الرافض لتعديله، في مواده المحصنة".
الثاني : كان جميل من أوائل المعلقين بعد خطاب ولد الغزواني فاتح مارس، الذي أصاب المعارضة كلها بالدوار. لقد راهنت قيادات المعارضة على أن صمت الرجل إنما هو عن ضعف و عي، فلما تكلم أخرسهم. أما جميل فقد أدرك أن هناك تطورا يلزم التعاطي معه، فقال مخاطبا بني قومه في المعارضة : "الإنصاف محمدة و عدمه منقصة، لنثني باقتصاد و لننتقد باحترام ... تستحق المرحلة الحالية و القادمة سلوكا مختلفا عن حدياتنا المتعودة".
هذا الرجل العارف بالملف و المعني بشدة به و الحريص على اتخاذ موقف منسجم مع المنطق الداخلي لخطاب المعارضة و المتطلبات الإستراتيجية للحظة، فيما بتعلق بالرئاسيات، قال في تدوينة سابقة إن الاحتمالات ثلاثة، اثنان منهما يمكن تبريرهما، و الثالث لا يمكن تبريره :
1 - "أن ترشح المعارضة شخصية منها أو من محيطها تقدم خطابها و تشرح برنامجها، فتمثل ألقها و تحظى بدعم جمهورها دون تردد، و لعل هذا هو مطلب ناشطي المعارضة و الحريصين على تميزها". و يشهد لكون هذا الخيار هو المطلوب لدى الناشطين الأبرز في المعارضة ما دونته منى منت الدي من تهديد لقيادات المعارضة بترشحها قائلة لهم : "إذا كنتم في المعارضة لا تجدون من ترشحونه فإنني سأترشح للرئاسة و اسحب البساط من تحتكم، لأنني على الأقل معارضة و ستقبل علي جماهيركم التي لا تريد من لم تغبر قدماه في سبيل الحق. جماهير المعارضة - مع أنها من مجتمع ذكوري - تفضل التصويت لامرأة على التصويت لرجل من رجالات النظام".
و واضح من خلال المعطيات الموضوعية أن هذا الترشح لن يفضي إلى نصر انتخابي و لن يمكن المعارضة من الإمساك بسفينة التنفيذ لكنه سيمكنها من المشاركة و المحافظة على الوجود السياسي ببرنامجها الخاص الذي يحمل طابعها و يسجل خصوصيتها. و ذلك شرط أن يكون المرشح المعني محل إجماع في المعارضة، و أن تكون قادرة على تمويل حملته من أموال لا تشوبها شائبة التنسيق مع جهات ذات أجندات تهدد الأمن الإقليمي للبلد و استقلال قراره السياسي و كذا القرار السياسي للمعارضة.
2 - "ما يراه البعض من تفكير المعارضة بفلسفة الانتقال الذي قد يترجمه منطق التوافق على إصلاحات جوهرية تفيد مستقبل العملية الديمقراطية". و هذا الحل معناه التنسيق مع المرشح الحالي القادم من النظام، و الذي ترشح مستقلا، لتشكيل تحالف عريض حول مطالب وطنية كبرى تؤمنها المعارضة لدى الجهاز التنفيذي القادم، دون أن تكون ملزمة بانحرافاته المحتملة. و هذا الخيار سماه جميل بالخيار "المفهوم سياسيا"، و اعتبره ممكنا بشرط استعداد الطرف الأخر. يقول : "على افتراض إن الآخرين مستعدون و جاهزون لهذه الفلسفة".
و هذا الخيار هو الذي يفترض إن يعتمده المكتب التنفيذي للتكتل إذا كان سينسجم مع المنطلقات و المنطق الداخلي للبيان الذي أصدره يوم 9 مارس الماضي، و أعلن فيه بوضوح ان "الحزب لم يتقدم باسم مرشح معين و لم يعترض على آخر". ففي هذا البيان يتعرض الحزب - لما يعتبره - أزمة وطنية شاملة. ثم يعقب : "و لا شك أن الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في الأشهر القادمة ستشكل - إن هي تمت في ظروف توافقية - فرصة للخروج من هذه الأزمة". و يوضح البيان نظرة الحزب إلى طبيعة المرشح المطلوب لتحقيق هذا الهدف، حيث يقول انه : "مرشح موحد أو رئيسي، جاد، يتبنى برنامج إصلاح وطني، يضمن فوزه خروج البلاد من الأزمة الحادة التي تتخبط فيها". يضاف إلى ذلك تذكير البيان بخصوصية التكتل و "صفته كحزب جامع همه الأول إرساء دولة القانون و العدل و المساواة".
و نقول إن خيار التحالف مع ولد الغزواني هو الذي ينسجم مع المنطلقات المذكورة. و لا تصدق هذه الشروط على ولد مولود. إذ أن الأخير ليس مرشحا موحدا و لا رئيسيا، و ليس مرشحا جديا بالنظر إلى كون العدد الأكبر من مناصريه المحتملين - و كانوا دوما أقلية صغيرة في الدورات الانتخابية السابقة - سيتوزع بين المرشحين "برام" و "تيام". و إذا كان يتبنى برنامج الإصلاح الوطني للمعارضة فجميع المؤشرات تؤكد استحالة نجاحه، الذي يفترض البيان أن ضمانه سيساعد في تجاوز الأزمة، و المساهمة في إرساء دولة القانون و العدل و المساواة.
ولد مولود مرشح للترشح. و ليس مرشحا جامعا، و سيكون دعم التكتل له خيارا يبعد الحزب عن قواعده المحلية و الجهوية. أو قل إن دعم ولد مولود هو بمثابة مقاطعة الانتخابات التي أنزلت التكتل من قيادة المعارضة و مكنت تواصل من جماهيره على طبق من ذهب. و المقاطعة هذه المرة و الغياب عن المشهد السياسي يمكن أن تكون رصاصة الرحمة على التكتل. خصوصا ان هذا القرار قد يفتح الباب لاستقالات كبيرة داخل الحزب، ما ينذر بتحوله إلى حزب أقلية شبابية بدون قواعد تقليدية محلية و جهوية.
و خيار "فلسفة الانتقال" هذه، ظهر في مقالات احد أكثر كتاب المعارضة تميزا، محمد الأمين ولد الفاظل. فالرجل منذ أن تم إعلان وأد مشروع المأمورية الثالثة و هو يشير إلى ما يشبه حتمية نجاح ولد الغزواني. و بعد متابعة خطاب ترشح الأخير تساءل عما إذا كان يجوز للمعارضة ترك ولد الغزواني يستفرد به المصفقون التقليديون. و عاد في مقاله بمناسبة فشل جهود المعارضة للوفاء بتعهد المرشح الموحد و المرشح الرئيسي، ليقول عن الخيار الثالث الذي ليس ولد مولود و لا ولد بوبكر : "أن تتفاوض المعارضة مجتمعة مع مرشح النظام و ذلك من اجل الوصول إلى اتفاق ما تكون نتائجه المتوقعة أفضل من النتائج التي يمكن تحقيقها من خلال الدفع بمرشح رئيسي .. هذا الخيار.. يبقى مطروحا في حالة عدم الاتفاق على ترشيح ولد مولود أو ولد بوبكر".
و هو خيار تبناه رسميا حزب عادل، و تبنته مجموعة كبيرة من قيادات و أطر الصف الثاني و الثالث في المعارضة. و هو حاليا مصدر نزيف متصاعد ينذر بإفراغ أحزاب المعارضة من كوادرها الوازنة. انظر إعلان نقابة التعليم العالي دعمها لغزواني و هي من ابرز خزانات كوادر المعارضة، و إعلان ولد ودادي نائب رئيس حزب التكتل، و إعلان المنسقية الشبابية لاتحاد قوى التقدم في نواذيبو، و المختار ولد محمد موسى القيادي في الصف الأول في تواصل و بعده شخصيات نسائية و رجالية وازنة في المكتب التنفيذي و المجلس الوطني للحزب.
و ذلك غيض من فيض، ينذر ب"تسونامي" هائل من المبادرات الفردية و الجماعية. يهدد بأن الكوادر السياسية التي ستتخلف عنه قد تجد نفسها معزولة عن جماهيرها التي اختارت الوقوف مع الوطن كله في الصف الأخر. و سيشير إليهم الجميع بالأصابع كأقلية معزولة و منبوذة، في مهرجاناتهم الفولكلورية التي يتكون جمهورها أساسا من الأجراء الذين يعملون في بناء المنصات و الخيام و تجهيز كهربائها إضافة إلى سائقي السيارات و الباصات المؤجرة و القليل من باعة العصائر و المكسرات. و هي مهرجانات ستنظم غالبا بأموال مشبوهة يختبئ أصحابها في الخلفية لإدارة تفاصيل المشهد على نحو يؤمن لهم عدم خسارة الاستثمار. 
3 - الاحتمال الثالث - و هو الذي يبدو أن القيادة الحالية لتواصل قد اعتمدته بصفة نهائية - فيقول عنه جميل : "لكن غير المطلوب و لا المفيد أن تأتي المعارضة بمن لا يترجم رغبة جمهورها في التغيير، و لا يستطيع ترجمة منطق الانتقال و ما يستلزمه من ممكن الإصلاح".
هنا نجد التناقض الأبرز في خطاب اللوبي الذي فرض على بعض أطراف المعارضة ترشح ولد ببكر. فهم يقولون إن الرجل - بخلاف زعامات المعارضة - قادر على استجلاب جزء من الأغلبية. فقل لي بربك أية أغلبية يمكن أن نتحدث عنها هنا سوى أطراف من قادة مبادرة المأمورية الثالثة، أو بعض أعضاء الحكومة الحالية الذين يخشون فقدان مناصبهم في عملية التطهير المحتملة لولد الغزواني، أو لوبي المطرودين من نظام ولد عبد العزيز لأسباب ليست المعارضة السياسية من بينها، و قد يكون الفساد المالي واحدا منها. ألا يعني ذلك أن خطاب المعارضة لن يكون في الصدارة ما دمنا سنخاطب الجمهور الآخر. تلك لعمري قاصمة الظهر، حيث تتنازل المعارضة عن رموزها و عن جزء كبير من خطابها. لمرشح كل المؤشرات تؤكد انه لن يصل سدة الحكم "و لا يستطيع ترجمة منطق الانتقال و ما يستلزمه من ممكن الإصلاح".
إنها التحكمية العمياء و الميكانيكية تلك التي سمحت لحزب يفخر بالديمقراطية و التناوب، أن يعتمد اختيارات مناقضة لمنطق و مقدمات خطابه السياسي، و لا تعتمد على أية مقاربة إستراتيجية و لا حتى تكتيكية يمكن شرحها و الدفاع عنها. و يعد لها بعملية تطهير في قيادة الحزب لإبعاد كل الأصوات التي من المحتمل أن تقول لا. و يختزل النقاش و التشاور السياسي العلني و الشفاف في عملية مداولة تنفيذية في إمارة طالبانية أو خلية من خلايا التنظيم السري ل"حاسم".

سفينة تواصل نحو المجهول و الربان على شاطئ الأنترنت

نجادل و نعاتب الإسلاميين الموريتانيين حول موقفهم من الانتخابات الرئاسية بالنظر إلى الأهمية الاستثنائية لموعد 2019، و بالنظر إلى المكانة التي منحهم إياها الناخبون في قيادة المعارضة في الانتخابات البلدية و التشريعية الأخيرة. و نرى أن الملاحظات الخمسة التالية تستحق التسجيل في هذا السياق :
أولا : الانتخابات بصفة عامة، و الانتخابات الرئاسية بصفة خاصة، ظلت دوما في النظم الديمقراطية - لما بعد عهود سيطرة الإيديولوجيات الشمولية و نظم الحزب الواحد - مناسبة لتجديد و تغيير الخريطة السياسية بالكامل. و في أحيان كثيرة تكون فرصة لإعلان نهاية الحزب أو الأحزاب الرئيسية و احتلال مكانتها من طرف حزب أو أحزاب ترى النور- في بعض الحالات - لأول مرة في إحدى الدورات الانتخابية. و هذه الانتخابات بالذات تنذر بزلزال سياسي كبير، بما هي أول تناوب رئاسي يتم خارج انقلاب. و فيها لأول مرة يشعر الناخبون - على المستوى المحلي و الجهوي المعروفين عادة بناخبي موريتانيا الأعماق - أن اصواتهم ملك لهم، و أن بإمكانها التأثير في شكل الجهاز التنفيذي الذي سيحكمهم. و قد يقود ذلك إلى التوسع في مبادرات الناخبين المحليين و الجهويين الخارجة عن وصاية أحزاب المعارضة و أحزاب الموالاة، الذين سيفضلون التعامل مع المرشح الرئاسي و حملته دون وساطة الأحزاب. و لا شك إن القرار غير المدروس الذي اتخذته قيادة تواصل في دعم ولد بوبكر قد يقود إلى تصاعد الاستقالات من الحزب، كما ينذر بانفصال الكثير من منتخبيه الذين لا ينتمون إيديولوجيا إلى الحركة الإسلامية، و هو ما ينذر بمستقبل صعب للحزب إن لم يتمكن من إعادة التشكل على نحو جديد.
ثانيا : تواصل حزب قوي و منظم و يتميز بوجود منظمة شبابية و منظمة نسائية قويتين. و يرتبط بأرخبيل من الهيآت الخيرية و المعاهد و المستوصفات الداعمة. و يحمل شعارات إسلامية عزيزة على قلوب الكثير من الناخبين. لكن كل ذلك لا يكفي لتفسير المكانة التي وصل إليها في الانتخابات الماضية. فيما يخصني أعتقد أن اعتماد المعارضة التقليدية لسياسة المقاطعة في السنوات الأخيرة و رفضها من قبل تواصل هو العامل الحاسم في هذا الصعود المفاجئ في حجمه. و هو ذات السبب الذي يفسر العدد الهائل من الأصوات التي حصل عليها أشبيه ولد الشيخ ماء العينين في رئاسيات 1998، و الرقم الذي حققه برام في الرئاسيات الماضية. و قد تعلمت الأحزاب الأخرى الدرس و هي منذ الآن لن تترك ناخبيها فريسة الفراغ و البطالة السياسيين.
ثالثا : حزب تواصل - و هو في ذلك يشبه الأحزاب العرقية و الفئوية - يعيش حالة من التسيير المزمن لأزمة الشرعية القانونية و الدستورية. و هذا يحتاج إلى نخبة قادرة على المحافظة على أعلى درجات الوسطية و الاعتدال في الخطاب السياسي و المذهبي، للتمكن من الصمود و البقاء في مواجهة وزارة الداخلية و القضاء التي تتربص به الدوائر. و المعروف أن الحملات الانتخابية هي دوما مناسبة للخروقات و التجاوزات المحتملة على هذا الصعيد. و إذا كانت القيادة السابقة لتواصل عرفت من أين تؤكل هذه الكتف باحتراف سياسي عال، فلا يبدو ذلك حال القيادة الجديدة. هذه القيادة التي لم تنجح في الانفتاح على المخالفين في الرأي داخل الحزب و قياداته التاريخية، كيف يمكنها أن تكون منفتحة على متطلبات الديمقراطية التعددية و النظام الجمهوري في مختلف أبعادها و دلالاتها.
هذا التعقيد القانوني و الدستوري يضاف إليه تعقيد آخر أصعب منه، يرتبط بالحالة الكارثية التي يعيشها الأمن الإقليمي، بفعل نشاط الحركات السلفية الجهادية، التي يتقاطع خطابها في بعض الجوانب مع خطاب حركة الإسلام السياسي. و كان يفترض بالإسلاميين في موريتانيا أن يكونوا رياديين في صياغة الرؤية الوطنية لمقاومة هذا الإرهاب الجهادي، و أن تكون علاقاتهم بالمؤسستين العسكرية و الأمنية من هذه الناحية أشبه بتحالف مقدس، كما هي الحال عند حركة النهضة و الحركة الإسلامية في الجزائر. و من المستبعد ان يكون خطاب القطيعة في العلاقة مع السلفية الجهادية و المساهمة النشطة في مقاومتها و في تجفيف منابع تمويلها على رأس أولويات القيادة الجديدة لتواصل.
رابعا : حزب تواصل ليس سوى حلقة في تاريخ طويل للحركة الإسلامية، أخذت قبلها تجليات مختلفة و يمكن أن تأخذ معها، و بدونها و بعدها تجليات و إشكالا مختلفة أخرى. تعرفون ذلك التعايش الطويل بين الجمعية الثقافية الإسلامية و نادي مصعب ابن عمير كواجهات رسمية و التنظيم السري للإخوان المسلمين في موريتانيا باسم "حاسم". و بعد ذلك "الجبهة الإسلامية" غداة إعلان دستور 1991 و التي لم تر النور بسبب قانون الأحزاب السياسية. بعدها جاء مشروع "حزب الأمة" برئاسة الأستاذ محمد ولد سيدي يحيى الذي حجب عنه الترخيص. قبل أن تندمج قياداته البارزة - باستثناء ولد سيدي يحيى - في حزب إتحاد القوى الديمقراطية - عهد جديد. ثم لتعلن لوائح مستقلة تحت عنوان "الإصلاحيون". لينتهي المطاف بالنهاية إلى "تواصل" و هو المشروع الذي ولد بعد مخاض عسير. و من ابرز ميزاته نجاحه في تجميع اكبر عدد من أجنحة الحركة الإسلامية في موريتانيا، و عدد من رجال الأعمال الممولين. إضافة إلى التمكن من إدماج هيآت العمل الخيري و الدعوي و الإعلامي في المسارات المهنية الشرعية لمنظمات المجتمع المدني و الصحافة و التعليم. انظر كيف أن الإخوان المسلمين الحركة الأم في مصر، كانت و ما تزال جمعية يقودها مرشد عام و مكتب إرشاد. و لم تشكل حزبها ألا غداة ثورة يناير و هو الحزب الذي بادرت حكومة الانقلاب إلى حله.
خامسا : إن جميل ولد منصور الرئيس المؤسس لتواصل هو الثابت الرئيسي في تاريخ الحركة الإسلامية و الرقم الأهم في مستقبلها. جميل في موريتانيا هو بالضبط كراشد الغنوشي في تونس و المرحوم الترابي في السودان. انه الربان و صاحب البوصلة القادر على الرعاية الإستراتيجية و التكتيكية للعلاقات بين مختلف مكونات الطيف الإسلامي في علاقة بمختلف مكونات الطيف السياسي الوطني. انظروا كيف واجهت "النهضة" في تونس صعوبات جمة في فترة "الجبالي" حين حاول الغنوشي ان يستريح و يتقاعد، و كيف أنها تجاوزت بسرعة تلك الصعوبات عندما عاد إلى السفينة ربانها. بعد 40 سنة في المواقع القيادية في الحركة الإسلامية من الخطأ و الغباء إحالة جميل إلى التقاعد و هو ما يزال في ربيع شبابه السياسي، و خسارة الحزب في ذلك غير قابلة للتعويض. حالة واحدة كانت تسمح للتناوب أن يتم دون خطر غرق السفينة، لو تمت المحافظة لجميل على مكانته في التوجيه و صنع القرار. لكن للأسف يبدو أن أمراض القلوب فعلت فعلها و أدارت القيادة الجديدة الحزب كما لو أن أولوية الأولويات تصفية جميل و كل من يمت له بصلة.
و أمام الحيرة الناتجة عن قرار اعتماد ولد بوبكر مرشحا رئاسيا، و في الفراغ الذي تركه جميل، يمكن القول بكلمة واحة إن سفينة تواصل دخلت منطقة عواصف و أعاصير، و الربان الخبير بالسفينة و بالبحر بقي على الشاطئ يرقب الوضع، بلا بوصلة توجيه سوى التدوينات عبر الانترنت.

 

يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية