لو كنت بدرا او جميلا لاستقلت من هذه المعارضة (1/3)

حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 (الليلة السادسة 10 مارس 2019)

الاثنين 11-03-2019| 16:00

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث leminebety@yahoo.fr

وانهار بيت العنكبوت :

كنت اعرف أن "هذه المعارضة" لن تتفق على مرشح توافقي. قلت في حلقة الأسبوع الماضي من هذه السلسلة : "لا تستطيع أحزاب المعارضة أن تجد نقطة التقاء بينها خارج معارضة شخص ولد عبد العزيز و ولد الطايع". و قلت في حلقة الأسبوع الذي قبله : "أغلب الظن أن القوم لن ينجحوا في العثور على ضالة المرشح التوافقي بالحد الأدنى من الشروط، في هذا الوقت القياسي المتبقي أمامهم ... و الأيام بيننا". و من طريف المصادفة أن هذا المقال كان مبرمجا في الأسبوع الماضي قبل أن يأتي خطاب ترشح ولد الغزواني ليفرض نفسه على المشهد، و إذ نعود اليوم إلى الموضوع هاهو ما كان توقعا بخصوص فشل جهود التوصل إلى المرشح التوافقي للمعارضة يصبح حقيقة معلنة و رسمية.
السالك ولد سيدي محمود، ابرز الناطقين الرسميين باسم "تواصل" المعينين بعد "الحركة الانقلابية" التي قادها رئيس الحزب - حتى لا أقول أميره - الجديد تحت عنوان " النسخة الجديدة من تواصل" - السالك - عين نفسه وصيا على المعارضة كلها و خرج أول أمس الجمعة بتصريح أعلن فيه أن لجنة قيادات المعارضة المكلفة باختيار المرشح التوافقي قد حصرت الخيارات بين الوزير الأول السابق سيد محمد ولد بوبكر و رئيس حزب اللقاء الديمقراطي محفوظ ولد بتاح، و طالب الأحزاب بعرض الخيارين على هيئاتها القيادية لاختيار المرشح بينهما.
هذا التصريح قاد إلى عكس ما أراد صاحبه، حيث عارضته الأحزاب جميعها قولا و فعلا. فقد أعلن حزب الصواب استنكاره لاستبعاد مرشحه برام من الأسماء المعروضة على الهيئات الحزبية، و خرج التكتل ببيان أعلن فيه أنه لم يعتمد أي مرشح كما لم يستبعد أي مرشح أخر. أما عمليا فقد دشنت الأحزاب المختلفة مساراتها الداخلية واضعة على طاولة البحث جميع الخيارات دون أي استثناء. و ذات الأمر ينطبق على حزب تواصل نفسه الذي ينتمي إليه الرجل، و هو المتميز بتصاعد الخلافات حول هذه القضية. و الواضح أن الجناح المعارض لترشيح ولد ببكر لن يجعل من محاولة رئيس الحزب و نائبه السالك فرض القرار على الحزب نزهة مريحة. و أولى بوادر ذلك بدت في إعلان الناطقة باسم الحزب أن دورة المكتب التنفيذي ستظل مفتوحة إلى حين التوصل إلى قرار.
و لم يعلق حزب "حاتم" بل أعلن انعقاد المجلس الوطني، و هو ما يعني ضمنيا عدم الاستعجال في اتخاذ القرار و التوجه نحو نقاش أوسع من مجرد التداول التنفيذي. و لم يعلق كذلك حزب اتحاد قوى التقدم الذي من غير المستبعد أن تعيد هذه المناقشة داخله إلى الواجهة الخلاف المتصاعد و معارك كسر العظم بين جناحي الرئيس و الأمين العام. ذلك أنه من غير المستحيل تدشين رحلة جديدة من رحلات الترشح السيزيفية و شبه العبثية لرئيس الحزب و هو ما قد ترفضه المجموعة الأكثر واقعية و عقلانية و هي مجموعة ولد بدر الدين.
تصريح ولد سيدي محمود أطلق رصاصة الرحمة على جهود لجنة اختيار المرشح التوافقي للمعارضة. لكنه فضح حقيقة ما كان يقال من أن تشكيل هذه أللحنة إنما كان الهدف منه القفز على قرار إلهيات الحزبية و المناضلين في الأحزاب. كان يراد منها تجنب مناقشة جدية و معمقة للموضوع في علاقة بالتحديات و المخاطر القائمة، لتمرير و فرض قرارات تنفيذية ميكانيكية، يحاول قادة الأحزاب تبريرها بالقول إنها قرارات أجماعية. أو على الأقل تحقيق ما تحقق الآن من كسب الوقت و إظهار قادة المعارضة كما لو أنهم جادون و يسهرون الليالي و الأيام بحثا عن هذه الضالة المنشودة. ما يعني أنها لجنة "التظاهر بعمل شيء ما من قبل من لا يقوم عمليا بأي شيء". لقد كان الأمر يتعلق ببساطة بنوع من الهروب إلى الأمام.
لكن الوقت حساس و المرحلة مفصلية، و لا مجال للهروب من نقاش قضايانا الوطنية المصيرية، و لا مجال لاختزالها في أعمال الفرز و القرعة بين الأسماء و الأشخاص. لا فرصة أيضا لأن تكون "سارقا و زعيما في نفس الوقت". أن تكون دكتاتوريا لا مسؤولا تقفز على كل قواعد المنطق و التوازن و المصلحة و التشاور لفرض قرار أحادي قررته أنت كرئيس للحزب أو قررتموه انتم كلوبي في القيادة و تجد أو تجدون فيه المصلحة الشخصية للفرد أو المجموعة. قالها بروعة، محمد جميل ولد منصور، الذي - أدرك و هو ليس في القيادة التنفيذية لحزبه - أن ثمة مجموعة تريد فرض قرار لا يمكن تبريره، في تدوينته أمس السبت موجها الكلام إلى أعضاء المكتب التنفيذي لتواصل : "لا تحرجوا أنفسكم، و فكروا كيف ستبررون و تشرحون". و ختم : "تذكروا إن المصداقية رأس مال لا يعوضه غيره".

"المعارضة الهجينة" داخل تاريخ و خرائط المعارضات :

تماما كنزار قباني الذي حذر جمهوره من مطالبته بأن يكون محايدا كعالم الفيزياء أو موضوعيا كعالم الحشرات، لا يطمعن القارئ في أن أكون حياديا و موضوعيا مع المعارضة و لا مع الموالاة، إذ أنهم يتحركون في ميدان ذاتي يمس صميم مجال الطموح المشترك لنا جميعا، و ليس من الممكن التنازل لهم عن أحلامنا و مطالبنا، و ليس ثمة حتى مجال لمجاملتهم فيها.
و لكي نكون منصفين سنقدم تحليلنا باعتباره رؤيتنا تاركين لكل الحق في الرؤية التي يرغب في تبنيها، و محترمين له اختلافه. و لكي يتابعنا القارئ بدقة في هذه المقالة التي تتكون من ثلاث حلقات، نقدم له الأطروحة بداية من خلال خلاصات منطلقية أربع :

1 - إن الحدود الفاصلة بين المعارضة و الموالاة متحركة، و خريطة الطيف الموالي و المعارض شهدت دوما تحولات، وصلت في بعض الحالات إلى درجة الانقلاب الشمولي. و رغم أن تلك حالة طبيعية في مختلف النظم السياسية، فإنها في الحالة الموريتانية جديرة بالدراسة لما تحاوله بعض الأطراف من الإدعاء للملكية المطلقة و الأبدية للمعارضة أو الموالاة. فكلهم في المعارضة الحالية كانوا يوما ما في الموالاة، و الكثير ممن هم في الموالاة الحالية كانوا يوما ما في المعارضة. و لقد حان الوقت لأن يكون فكرنا السياسي جاهزا لتقبل التناوب السياسي و محدثا من هذه الناحية، ما دمنا نضع هذا المطلب على رأس أولويات الديمقراطية الموريتانية. إن الفكر السياسي المستعد للتناوب خارج الانقلابات العسكرية، لابد أن يدخل مرونة و جدلية في العلاقات بين قطبي الموالاة و المعارضة.

2 - المعارضة - أو على الأصح تلك الأحزاب التي تحتكر اليوم هذا العنوان - ليس لديها و لا يمكن إن يكون لديها في الوقت الحاضر مرشح جدي للرئاسة، و أشدد على كلمة جدي لأنني أعرف أنه قد تظهر مجموعة من المترشحين المسرحيين أصحاب الأصفار و الفواصل. و بالمقابل لا يوجد مرشح جدي للموالاة ينتمي سياسيا إلى أحزابها، إذ أن ولد الغزواني مرشح مستقل قادم من الحكومة و من الجيش، لكنه تقدم مستقلا و يطلب دعم الموريتانيين جميعا بموالاتهم و معارضتهم. بل أذهب إلى حد القول أن ولد الغزواني أقرب إلى الحياد و الاستقلالية من ولد بوبكر، لأن الأخير كان رئيسا للحزب الجمهوري و رئيسا للحكومة و سفيرا و هي كلها مناصب التبعية العميقة للنظام و التحمل الكامل للمسؤولية السياسية و التسييرية فيه، بخلاف قيادة أركان الجيش أو وزارة الدفاع. و يتأكد ذلك أكثر في ظل ما يشاع من اتجاه قياديين في لوبيات المأمورية الثالثة - التي دخلت دار اليتم يوم أن خيب ولد عبد العزيز رجاءها في تامين الخلود في المناصب - إلى دعم ولد بوبكر، و يتأكد أكثر إذا كان من المحتمل أن يكون ترشح الأخير مناورة من مناورات ولد بوعماتو أبرز أباطرة المال السياسي الحرام في موريتانيا و شبه المنطقة.

3 - تتكون المعارضة من نوعين من الأحزاب :
- النوع الأول : أحزاب الأشخاص أو الأحزاب غير المؤدلجة، و من أبرزها التكتل و عادل و حاتم و اللقاء.
و نحن نعتقد أن التكتل - و هو اكبر الأحزاب من ناحية الرصيد الانتخابي - ليس حزبا و إنما مشروعا رئاسيا، و يعتبر منتهيا سياسيا مع وقف التنفيذ، منذ تحديد سن الترشح الذي يقصي أحمد ولد داداه. و كان قد فقد جزءا كبيرا من مصداقيته السياسية يوم دعم الانقلاب على سيدي ولد الشيخ عبد الله. أما عادل فهو جماعة أصدقاء التقوا في حكومة سيدي ولد الشيخ عبد الله. و يرتبط حاتم و اللقاء بشخصي صالح ولد حننا و محفوظ ولد بتاح. و في حالة الأخير تتحدث مصادر عن التركة السياسية للمرحوم اعلي ولد محمد فال.
و يتميز هذا النوع من الأحزاب باعتماده على نخبة سياسية همها الأساسي المصالح و المغانم المرتبطة بالمال السياسي و الترشيح للمناصب الانتخابية و التعيين في المناصب التتفيذية. و من الصعب على نخب الترحال و الانتجاع السياسي تلك الصمود بعيدا عن المرشح القادر على الفوز بالقصر الرمادي. خصوصا أن الكثير من عناصرها انضم إلى المعارضة في ظل خلافات شخصية مع ولد عبد العزيز الذي ليس مترشحا اليوم. و من صمد منهم هناك لن يستطيع تعبئة جماهيره الجهوية و المحلية و القبلية التي ليست بطبيعتها معارضة. و معارضتها عرضية مرتبطة بشخص ولد عبد العزيز.

- النوع الثاني : الأحزاب الإيديولوجية، و أبرزها تواصل و اتحاد قوى التقدم و الصواب.

و هذه الأحزاب تعتمد على نخبة سياسية هي خليط معقد من تحالف مركب بين نخبة سياسية من النوع الأول تتكون غالبا من القادة القبليين و رجال الأعمال المغاضبين في الانتخابات، و بين قادة إيديولوجيين تاريخين و نخب شبابية تواجه صعوبات حقيقية قي التوفيق بين مختلف المذاهب الفكرية في التيار الإيديولوجي الذي تنتمي إليه. و إذا كان الجمهور الشبابي المناضل هو نفسه يجد مشاكل جدية في فهم و تبرير المشروع الإيديولوجي للحزب فما بالك برجال الأعمال و شيوخ القبائل الذين يجدون أنفسهم مناضلين من أجل مثل يسارية أو إسلامية سياسوية او فئوية و قومية لا ينتمون إليها و لا تنتمي إليهم. أو قل إن مشروعها في أحيان كثيرة يهدف إلى القضاء علي إقطاعيتهم و نهجهم التجاري و المالي و منهج حياتهم العلماني في أحيان كثيرة.
و يمكن القول في ضوء هذا الرسم لخريطة الأحزاب المعارضة، انه لا مبرر لاستغراب بعضهم لمبادرة أحد أحزاب المعارضة إلى الاندماج في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، و لظهور قيادة حزب معارض آخر في الصف الأول في سياق المبادرة الأخيرة للمأمورية الثالثة. فمثل ذلك يجوز على نفس الأحزاب الأخرى، المنضوية تحت لواء المنتدي، لان طبيعة التكوين الداخلي هي هي.
4 - فيما يخص التقويم الإيديولوجي للأحزاب ، نحن نحترم قناعات الجميع، و نحترم أكثر المقتنعين بما يدعون إليه من مثل، بينما نعتبر المنافقين الذين يستغلون المبادئ أسوء من الإنتفاعيين و المتاجرين بالأصوات و المبادرات الانتخابية. لكننا في المقابل مقتنعون بأن هنالك إيديولوجيات هدامة و مخربة و ظلامية و إيديولوجيات إيجابية و قابلة لأن تلعب أدوارا تنويرية و إصلاحية إذا تم ترشيدها و نجحت في القيام بالمراجعات التي يقتضيها الزمان و واقع الحال.
و في سياق التقسيم بين إيديولوجيات هدامة و ظلامية و إيديولوجيات إصلاحية و تنويرية، سأقول :
أولا : الإيديولوجيات القومية - التي كانت ذات يوم في التاريخ العالمي و العربي و الإفريقي عنوانا للتقدمية و التحرر - كانت دوما في موريتانيا عنوانا للظلامية، و لتهديد نسيج المجتمع و الدولة. إن النخب القومية العربية و الزنجية معا كانت القوى الأكثر هدما في بلادنا. في جميع الحالات يراد للبلد أن يكون ملكا لمجموعة واحدة و يراد لدبلوماسيته أن تكون رهينة للعالم العربي وحده او لإفريقيا وحدها. و لا أحد ينسى المآسي التي عشناها في ظل الصراع المدمر بين البعثيين و الناصريين من جهة و بين "الفلاميين" او المشعل الإفريقي من ناحية ثانية منذ 1966 و صولا إلى إحداث 1987 و 1989 و ما تفرع عنها لاحقا.
و إذا كانت "حركة الحر" واحدة من الحركات النضالية العظيمة المنبثقة عن "الكادحين"، فإن بعضا من قادتها سعوا في فترات معينة إلى تحويلها من أداة إيجابية لمكافحة الرق و تحقيق العدالة و المساواة و التنمية ل"فئة لحراطين"، إلى المعول الأخطر لهدم وحدة المجتمع و استقراره. على نحو دفع نخبا أخرى بعد فتح علبة الشر الفئوية هذه، إلى المتاجرة بها وصولا إلى تحقيق مكاسب مشابهة لتلك التي حصلت عليها "إيرا". و هذا هو السياق الذي يتنزل فيه ما يسمى ب"حراك لمعلمين"، الذي لشدة إفتقاره إلى مبررات الوجود و شدة عجزه عن إقناع أبناء الفئة، لم يجد مبررا إلا الهجوم على الدين و على المقدسات - كما فعل ولد لمخيطير في حق الجناب النبوي – وسيلة لإستدرار العطف الدولي و الدعم الخارجي.
و الغريب أن هذه الحركات المتصارعة و المتصادمة بطبيعتها التقت جميعها في حزب الصواب في "نسخته الجديدة"، إذا استعرنا لحزب الصواب لغة رئيس حزب تواصل الجديد. ما أغربه من خليط تلتقي فيه "افلام" مع "البعث" و "إيرا". و قد تقاسمت هذه الإيديولوجيات مقاعد "الصواب" الثلاثة في البرلمان. و اليوم يعتبر "برام" أول المرشحين للرئاسات القادمة إعلانا للترشح، و نعتبره - وفقا لما شرحناه في الحلقتين اللتين خصصناهما لترشحه بعنوان "من تولبير و تايلور ألى المرشح برام" - مرشح هدم الوحدة الوطنية و السلم الأهلي و مرشح خلق و تنمية شروط الحرب الأهلية في البلاد.

مع بدر الدين و جميل منصور

ثانيا : إن إيديولوجيتي اليسار الاشتراكي و الإسلام السياسي كما يمثلهما بالنسبة لنا حزبا إتحاد قوى التقدم و تواصل يرمزان إلى التوجهين الإيديولوجيين الإصلاحيين الأكثر أهلية للعب أدوار إيجابية بناءة في حاضر البلد و مستقبله.
و ستكون الحلقتان الثانية و الثالثة من هذه المقالة بمثابة رسالتين موجهتين إلى كل من محمد المصطفى ولد بدر الدين الأمين العام لإتحاد قوى التقدم و جميل ولد منصور الرئيس المؤسس لحزب تواصل. و ستكون الحلقتان مناسبة لتذكر بعض المحطات البارزة في تاريخ الحركة الوطنية الديمقراطية و الحركة الإسلامية في موريتانيا. و ليس خافيا على أحد موقع هذين الشخصين داخل هذين التيارين و كيف أنهما مركزا استقطاب و صراع أجنحة في قيادة الحزبين، في ارتباط بخلافات حول بعض المراجعات النطرية و الإستراتيجيات السياسية داخل التيارين المعنيين.
و أنا أتصدى لهذه المهمة و أختار هذا المنهج لمعرفتي عن قرب و عن بعد للرجلين، و لمعرفة أعمق عن قرب و عن بعد كذلك لهذين الحزبين و للتيارين الذين يؤطران عملهما، و الذين أعتبر نفسي منتميا إليهما معا. و إن كانت حياتي في الحركة الإسلامية أطول من تجربتي القصيرة في إتحاد قوى التقدم. و يشجعني على المضي في هذا الخيار التحليلي معرفتي بسعة أفق هذين الزعيمين و بديمقراطية و تسامح النخب السياسية و الشبابية لهذين التيارين الرئيسيين في البلد.

 

يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية