قراءة ما وراء الخطاب بعد الاستماع للصمت الستيني

حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 (الليلة الخامسة 3 مارس 2019)

الاثنين 4-03-2019| 09:30

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث leminebety@yahoo.fr

قال أبو حيان التوحيدي : "الكلام على الكلام صعب"، لكنني أقول : إن الكلام بمناسبة غياب الكلام، أو قلته أصعب. كم كان مأزق بني إسرائيل صعبا عندما ردت مريم العذراء على أسئلتهم الساقطة قائلة : "إني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم إنسيا". تلك كانت حالنا نهاية يناير الماضي، عندما كنا نحرر الحلقة الأولى من هذه السلسلة، محاولين الكلام بمناسبة "صوم وصال عن الكلام السياسي دام 60 عاما". و اليوم بعد أن و ضع مرشحنا حدا لهذا الصوم الستيني في خطاب ترشحه للرئاسة مساء الجمعة فاتح مارس، سنبدأ بالتذكير بخلاصة قراءتنا لذلك الصمت الطويل. و بعد ذلك لن نتجه إلى قراءة الخطاب لأن الكثيرين سيقومون بالمهمة فنكون نحن قد كفينا. إننا سنتابع نفس المسار لنقرأ هذه المرة الصمت المحيط بالخطاب. أقصد ما بين السطور و ما يمكن أن يستقرا من ورائها. في علاقة بالتفاعلات السياسية القائمة.
الصمت الستيني و قانون الندرة الخطابية
(من خاتمة الحلقة الأولى من هذه السلسلة بعنوان "هذه ليلتي و ليلة الأفكار" بتاريخ 31 يناير 2019)
لماذا ندندن هذا المساء مع "أم كلثوم" :

هل في ليلتي خيال الندامى ** و النواسي عانق الخياما ...

التفسير سهل، فنحن نعيش ككل الموريتانيين اليوم عيدا و جوا احتفاليا نادرا من نوعه في تاريخنا الحديث. و هو احتفال بنكهة خاصة، فيها شيء من عصير أو "زريق" - حتى لا أقول خمر - "نواسي" "خيامي" يعرفه بالتأكيد ذلك التونسي صاحب "هرمنا في انتظار هذه اللحظة الحاسمة".
... قبل أن أنهي بوحي و مناجاتي لكم حول هذه الأغنية ... أفيدكم بأن ثمة سببا آخر - قد يكون الأهم - يتعلق ببيت القصيدة الذي هو عندي بيت القصيد، حيث يقول الشاعر :

و "حديث في القلب" إن لم نقله ** أوشك "الصمت" حولنا أن يقوله

أتساءل عما إذا كان يجوز التقدم بفرضية حول ما يمكن اعتباره "قانون الندرة" الذي يحكم العلاقة بين الوفرة في الكلمات و الخطابات و التوسع في "حديث اللسان" من جهة، و بين ما في الصدر و الإرادة من توجه و صدق، و ما يتوقع من تجسيد و انعكاس عملي معيش لما في الخطاب السياسي و الإداري؟ ألا يمكن القول في ضوء "قانون الندرة" و "قانون الاقتصاد في الكلام" هذا، أن الوفرة في الخطاب مؤشر على قلة في الإنجاز و عدم دقة و هلامية في تحديد المسار العملي المستهدف، و ذلك حتى لا نقول رغبة مبيتة في التلاعب بالمحكومين و المتعاملين المعنيين بالمرافق و الخدمات العامة؟ أليست الكثرة هناك تعويضا "قبليا" أو "بعديا" للقلة المتوقعة أو الملموسة هنا؟
إن معادلة "القلة" و "الكثرة" في "الصمت" و "الكلام" هذه، هي السؤال و اللغز الأكبر الذي يواجه المراقبين و الأطراف المعنية في رئاسيات 2019 التي تم إعلان محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني المرشح الأوفر حظا لنيل ثقة الموريتانيين فيها. و كم أشعر في أحيان كثيرة بالشفقة على هؤلاء الصحفيين و السياسيين و العامة الذين لا يحسنون قراءة أو سماع شيء آخر سوى الكلام، عندما يصطدمون "بالندرة" غير المسبوقة في الخطابات المنسوبة لهذا الرجل، الذي يستعد في شهور قليلة ليكون الرقم الأول في حياة الموريتانيين.
"ولد الغزواني" رجل أحيل إلى التقاعد، بعد عقود من العمل في الجيش و في الحكم صامتا. رجل أدار البلاد بصمت طيلة فترة استشفاء الرئيس محمد ولد عبد العزيز في باريس، تاركا الكلام و الواجهة لرئيس البرلمان و الوزير الأول. أدار في صمت مع صديقه الرئيس محمد ولد عبد العزيز انقلابين ناجحين. مرشح للرئاسة لم يعلن هو شخصيا عن ترشحه، و لم يصدر عنه في الموضوع إلا حديث يتركب من 9 كلمات لصحيفة Jeune Afrique التي انتهزت فرصة وجوده في باريس فوجهت إليه السؤال حول ترشحه المعلن في نواكشوط، ليرد قائلا : "الرئيس تحدث بالفعل مع بعض الأشخاص في هذا الموضوع".
إذا كان "جورج جرداق" و "ام كلثوم" و "محمد عبد الوهاب"، و من على شاكلتهم من ذوي الحاسة السادسة، لا يجدون مشكلة في قراءة "الصمت" و الاستماع ل"حديث القلب" :

"و حديث في القلب إن لم نقله **أوشك الصمت حولنا أن يقوله"

فأنا أعتقد أن لسان حال هذا الرجل و إنهاءه للخدمة في صمت، و صمته في مواجهة كل الاستفزازات من أطراف في الأغلبية كما في المعارضة - ممن ليس ثمة مبرر لهجومهم عليه - و صمته في مواجهة الذين يلمزونه بمرشح العسكر، و يعلنون معارضتهم لحقه في الترشح باعتباره خطرا على الديمقراطية، بينما يعرف الكل أنه أنهى خدمته في الجيش بشرف، و تقاعد وفقا للقانون و أصبح مواطنا مدنيا، و وزيرا عاديا للدفاع ككل الوزراء - هذا الصمت - أقرا فيه حلما جميلا لموريتانيا في أفق 2030، و أسمع فيه خطابا واعدا بالكثير مما يستحق صاحبه أن يجرب.
الشعب و الرئيس و التاريخ و التغيير فيما بين السطور
لأعترف أن "عكاشة قد سبقني". يتعلق الأمر بأحد السباقين في مجال الخواطر الذكية و الطريفة في الكتابة، أقصد أخا طال العهد بيني و بينه، هو حبيب الله ولد أحمد الكاتب و الصحفي المعروف. لقد قرأت لحبيب الله خاطرة نشرها في موقع "الأخبار- أنفو" صبيحة 2 مارس 2019، يتناول فيها جانبا مما يستحق اهتماما في حفل إعلان ترشح ولد الغزواني. صاحبنا ليس متمرسا بالتأييد و المدح قدر تمرسه بالمعارضة و النقد، لكنه هذه المرة لم يستطع الصمود أمام عربية تنحو نحو سيبويه و الكسائي، و أمام مرشح يجلس والدته في المقدمة، حيث يجلس الأخرون الزوجة و البنت.
"متوكلا على الله" و ناحيا "النحو" الذي نحاه حبيب الله أقول، إن ثمة أربعة عناوين بارزة تستحق الوقوف عندها في خطاب ترشح ولد الغزواني :
أولا : المستوى العالي من احترام الشعب و انتقاء العبارات في مخاطبته. و سيقول قائلهم إن تلك حالهم جميعا عندما يأتون مترشحين، لكن تلك الحال تنقلب مباشرة بعد النجاح في الانتخابات. و هو قول نحترمه و نذكر به المرشح و نحذره من مثل هذا المآل. لكننا نتمسك بخصوصية التعامل مع الشعب و قواه الحية في خطاب فاتح مارس 2019. في البداية شكر مكرر للجماهير للوقت الذي خصصته للحضور و لراحتها الضائعة، و تكرار "جميعا" مرات عديدة. و حرص على عدم نسيان أحد ممن هو داخل الملعب أو خارجه، و من الموريتانيين في مختلف ولايات الوطن و الجاليات في الخارج.
و في نهاية الخطاب دعوة لجماهير الشعب الموريتاني الذي يسميه الخطاب في كل مرة بالشعب الموريتاني الأبي للإلتفاف حول هذا المشروع، و يطالب التشكيلات السياسية و المنظمات المهنية و الشبابية و المجتمع المدنية بالمساهمة في إنجاحه. لكن الأمر لا ينتهي عند ذلك الحد فهم مدعوون إلى التنفيذ و أفكار الجميع في التصور و الاقتراح ستجد من الرئيس آذانا صاغية و عقلا منفتحا و صدرا رحبا. و يقول لهم : "بكم يتم النجاح و كل منكم يمكن أن يساعد من موقعه".
ثانيا : الوعي و الإحساس بدلالة الاستحقاق الرئاسي، و حدود مهمة رئيس الجمهورية. و في هذا السياق لابد من الإشارة إلى ما يبدو من منطوق و مفهوم خطاب الطبقة السياسية الموريتانية بموالاتها و معارضتها و هو أن مدار العمل السياسي هو شخص الرئيس، و إن الجوهري في الاستحقاق الرئاسي هو المقارنة بين الأشخاص المترشحين.
لذلك كانت الأغلبية تصاب بالحيرة الكاملة بمجرد أن تسمع الرئيس محمد ولد عبد العزيز يعلن أنه سيحترم الدستور و لن يترشح لمأمورية ثالثة، و لا تستريح من ذلك إلا عندما تتناول مهدئات تقنعها بأن ذلك كلام استهلاكي. و بالمقابل لا تستطيع أحزاب المعارضة أن تجد نقطة التقاء بينها خارج معارضة شخص ولد عبد العزيز و ولد الطايع قبله. و تماما كما حدث عام 1992 عندما فشل إتحاد القوى الديمقراطية في الاتفاق على ترشيح مسعود ولد بولخير و لم تتمكن المجموعة الداعمة لولد مكناس من إقناع المكتب التنفيذي به فانسحبت و أسست حزبها الخاص، ليأتي الترشح المستقل لولد داداه الذي لم يكن يومها في المعارضة و لا في البلد هو المخرج. اليوم أيضا لا نقاش إلا حول شخص المرشح التوافقي.
غزواني رفع سقف النقاش، عندما وضح أن الموضوع ليس الشخص و أنما مصير بناء الدولة الحديثة. ليست المسألة التبادل على المقعد و إنما الحوار بين مشاريع مجتمع. يقول عن الاستحقاقات القادمة : "استحقاقات مصيرية ستوفر الظروف المناسبة لنقاش جاد حول ما آل إليه البلد بعد ستين عاما من الاستقلال و حول تصورات كل منا حول ما ينبغي أن يكون عليه في قابل الأيام. و قد تختلف أرأونا و تتشعب رؤانا حول تقييم كل مرحلة من مراحل نشوء الدولة الحديثة".
و يقدم لأول مرة تحليلا يكون فيه رئيس الجمهورية جزءا من المنظومة و ليس هو المنظومة. و فيه لا يكون الرئيس متحكما في جوانب كبيرة من اللعبة. يقول عن الرؤساء السابقين : " إنهم في فترات معينة و ظروف معينة لا يتحكمون في أغلبها اجتهدوا".
ثالثا : إنصاف التاريخ الماضي و التاريخ الحاضر : التحليل التاريخي يلعب وظيفة مركزية لحد انه يمكن اعتباره النواة الصلبة المؤسسة لكل بنية الخطاب. النظرة المتسامحة إلى مختلف الحكومات السابقة، و النظرة الموضوعية إلى عشرية حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز، هي مرتكزات الانفتاح السياسي على المعارضة و التهدئة في الاحتقان و الاستقطاب السياسي، و هي كذلك المفتاح لحراك مستقبلي يحمل التغيير و التحول السلسين و غير الانفجاريين.
أولا، الرجل وصف الرؤساء السابقين جميعهم بالوطنية و صدق النية و الاجتهاد لخدمة الوطن. يقول : "ما يجب الاعتراف به هو أن كل واحد منهم وضع لبنة ما بحجم ما لتشييد هذا الصرح الذي لا ينتهي العمل فيه... و أعني به إقامة دولة قوية تسعد مواطنيها و تدافع عن حوزتها الترابية و تحتل مكانتها بين الأمم". و في الحالات التي أخطئوا فيها، يقول : "إن لهم أجر الاجتهاد... و لهم العذر بالنظر إلى فترتهم و ظروفهم و المحيط الذي تحركوا فيه".
أعتقد أن هذا الموفق من الحكومات السابقة يحمل تعبيرا تاما عن موقف المترشح من المعارضة القائمة، التي تتشكل الكثير من أحزابها من منتمين إلى هذه الحكومات السابقة. و يتفرع عن ذلك موقف إيجابي من التعددية السياسية، و كونها تعبيرا عن اجتهادات مختلفة، ليست مخطئة بالكامل و لا مصيبة بالكامل.
ثانيا، غزواني تحدث عن العشرية الأخيرة باعتبارها جزءا من التاريخ العام للدولة الحديثة، و ليس باعتباره هو جزءا منها أو مبادرة لاستنساخها. قال عنها انه بكل موضوعية يعتبرها مرحلة مميزة من حيث حجم الانجازات فيما يخص توطيد أركان الدولة و تعزيز الوحدة الوطنية و اللحمة الاجتماعية و الدبلوماسية النشطة. و خصوحا على مستوى النهضة الاقتصادية الشاملة التي شكلت في مجملها نقلة غير مسبوقة في مسيرتنا التنموية.
و هذا الخطاب - مع ما ليس خافيا على أحد من علاقة خاصة بين الرجل و الرئيس المنتهية ولايته - يبشر بأن عوامل الانفتاح و التهدئة تجاه المخالفين، و ما قد يستدعيه ذلك من معالجة لمكامن الخلل و النقص، سيتم تسييره في ظل استمرار و استقرار سياسيين كاملين، دون أي خوف من تصفية حسابات أو أعمال انتقامية ارتدادية. و هذا هو السياق الذي دفع رئيس الجمهورية إلى إيفاد حرمه لحضور حفل ترشح ولد الغزواني، و هي التي نشرت شائعات حول معارضتها لترشحه و دعمها لحراك المأمورية الثالثة. و في ذات السياق يندرج حضور غزواني لمؤتمر "حزب الإتحاد"، قبل مبادرة القائمين على هذا الحزب - بأمر من الرئيس دون شك - إلى ما يشبه تجميد الحزب لإتاحة الفرصة للمرشح لرسم خريطة تحالفاته بأريحية.
فهل تقبل المعارضة من جهتها حقيقة أنه لم يعد ثمة مبرر لخوض المعركة ضد الرئيس محمد ولد عبد العزيز و سجن النفس في هذا الإستقطاب لأن نظام الرجل في حكم التاريخ، و لأن غزواني قدم الأدلة الدامغة على أنه ليس عزيز و إنما هو مرشح مستقل يطالب بدعم الأطراف السياسية المختلفة. أريد أن أقرأ في تدوينة جميل ولد منصور الداعية إلى التخلي عن الخطابات الحدية مؤشرا على توجه نحو ذلك. و إذا تحقق فسيكون فرصة لحوار وطني جاد يبتعد عن الشخصنة و التطرف و يساعد على الانتقال السلس للسلطة.
رابعا : الهبة الوطنية للتحول المنشود : خطاب مساء الجمعة الماضي صفى الحساب مع التاريخ القريب و البعيد من أجل التفرغ لمواجهة التحديات و المخاطر القائمة. و لم يقل الرجل إنه جاء فحسب لصيانة المكتسبات و حراسة المنجزات. قال : لسنا هنا عند نهاية الطريق، فما يزال أمامنا الكثير، و الطريق طويل و محفوف بالتحديات و المخاطر. و تحدث عن معالجة الإختلالات و مواطن النقص أيا تكن. و قال إن النواقص حتمية في العمل البشري. و ذهب أبعد في نهاية الخطاب بالدعوة للهبة الوطنية لإحداث التحول المنشود.
إننا أمام خطاب التنمية و الازدهار لموريتانيا في ظل انتقال سياسي هادئ و بالتعايش بين جميع المكونات السياسية و العرقية و العمرية. و ذلك هو معنى الشعار الختامي :"عاشت موريتانيا آمنة و مزدهرة :. و هو معنى اختيار أغنية "يا أمنا يا أمنا" ل"فاضل أمين"، غناء ديمي من أبة.

يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية