سفارة الأَرز في إفريقيا الغربية (4)

بكائية في تأبين فارسي المهجر سعيد فخري وأحمد مخدر

الجمعة 22-02-2019| 16:30

بقلم الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

مواقف لا تنسى أبدا :

​كانت سنوات الستينيات مجنونة حقا كما يحلو للأستاذ أحمد مخدر (رحمه الله) أن يصفها. ذلك أن أعاصير عاتية اجتاحت العالم خلالها قلبته رأسا على عقب، وهي : انتصارات شعوب الهند الصينية المدوية على الاستعمارين الفرنسي والأمريكي (انتصار الإنسان على الآلة والتكنولوجيا) والثورة الثقافية الصينية أساس نهضة الصين الراهنة، وانتفاضة فرنسا (مختبر الصراع الاجتماعي في أوروبا) في مايو 1968 التي أطاحت بجبروت الجنرال ديغول وعرّت الاستعمار الجديد، واندلاع المقاومة العربية وحرب الاستنزاف ضد إسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط، التي لا تزال صواعقها تدوي حتى الآن. وفي هذا المناخ الثوري العاتي اندلعت انتفاضة عمال ازويرات !

• انتفاضة عمال ازويرات
... انتفض عمال منجم حديد ازويرات في 29 مايو 1968 ضد مختلف أشكال الاستغلال البشع والاضطهاد والهدر التي أرهقتهم تحت نير الاستعمار الجديد، والفصل العنصري الذي تمارسه شركة ميفرما ضدهم لحد إقامة جدار عازل بينهم وبين الأوروبيين وأتباعهم، ما تزال معالمه قائمة في مدينة ازويرات؛ وكانت هذه الشركة الاستعمارية تشكل دولة داخل الدولة وأقوى منها، مستفيدة من عوامل الضعف التي واكبت ظروف نشأة الدولة الموريتانية. ولتلك الأسباب قوبلت انتفاضة عمال ازويرات بقمع وحشي سقط خلاله قتلى وجرحى، صب الزيت على نار الثورة المتأججة في صفوف الشباب ضد الاستعمار والتغريب وضد الرجعية، فهب شباب الحركة الوطنية لنصرة العمال والتنديد باضطهادهم وقمعهم، واندلعت المظاهرات والإضرابات في جل أرجاء البلاد.
ولما كان لا بد من عمل دعائي يرفد ويوحد ويقود هذا النضال، فقد ارتأينا بالمناسبة إصدار جريدة ثورية (الكفاح). ولكن كيف؟ فالرقابة والتفتيش والمتابعات في أوجها، والحركة الوليدة في شكلها الجديد قد شبت عن طوق الشرعية، ولم تمتلك بعد وسائل نشرها المستقلة الآمنة. فكان علينا إذن أن نلجأ إلى داكار حيث يتاح العمل بحرية أكبر في بيوت الطلاب بالحي الجامعي خاصة أن سميدع (رحمه الله) طالب في جامعة داكار. فتوجهنا إلى داكار (سميدع وأنا).
ولكن كم كانت دهشتنا كبيرة حين وجدنا جامعة داكار مغلقة ومحتلة من طرف الدرك إثر ثورة طلابها ! 
لقد كانت جامعة داكار يومئذ الصرح التربوي الذي يستقبل جميع طلاب منطقة غرب إفريقيا التي لا توجد بها جامعات. وكانت فرنسا حريصة، من خلال المناهج وطاقم التدريس والسائسين على أن تجعل من ذلك الصرح العلمي أداة نموذجية لتخريج طبقة مثقفة طيعة و"أمينة" ترعى مصالحها في إفريقيا الغربية.
ومن المواقف التاريخية التي لا تنسى أبدا قصة تلك الجامعة التي عشت بعض أحداثها؛ والتي لا أنساها أبدا، وكثيرا ما أرويها لأصدقائي بصفتها مثلا حيا على أن إرادة الشعوب لا تقهر، ومن واجب المصلحين التعويل عليها واستشرافها؛ فهي ينبوع التفاؤل والأمل الذي لا ينضب ولا يريم ! وإليكم ملخص تلك القصة : نزلت بجامعة داكار قبل ثورة طلابها بنحو شهر ضيفا على كوكبة من طلابنا بالحي الجامعي، أذكر من بينهم سميدع وأحمد بن الزين وأحمد ولد خباه وعبد القادر ولد أحمد (رحمهم الله) والمصطفى ولد الشيخ محمدو واعلي ولد بوبوط وعبد الرحمن ولد بوبو والطالب محمد ولد لمرابط (أطال الله بقاءهم). وفي عصر أحد الأيام فوجئنا بانطلاق مسيرة طلابية حاشدة متجهة جهة المطعم الجامعي تهتف وتنادي بحياة مديره. ولما بحثنا عن السبب قيل لنا إن مدير المطعم الجامعي ألصق إعلانا يقول فيه إنه سوف يعد وجبة مشوي للطلاب بمناسبة أحد الأعياد الدينية فتظاهروا تأييدا له وشكرا لجميله ! فما كان منا نحن إلا أن استشطنا غيظا من ذلك السلوك السافل في نظرنا بصفتنا بيظانا لا يعني المشوي كبير شيء في نظرهم لوفرته في بيئتهم، وثوريين يكرهون الاستعمار الفرنسي والغربي ويسخرون من خنوع الأفارقة له وتماهيهم مع "النصارى" وأخذ بعضنا يسب الطلاب الأفارقة على خنوعهم، وقررنا مقاطعة المطعم أثناء تلك الحفلة ! وبعد نحو شهر من هذه الواقعة ها أنا أعود إلى داكار فأجد نفس الجامعة قد لحقت بالركب الثوري، وها هي اليوم خاوية على عروشها والطلاب الذين كانوا يتظاهرون من أجل المشوي رفعوا مطالب أخرى سرعان ما توسعت لتشمل رفض الاستعمار الفرنسي الجديد وأذنابه في إفريقيا، ويملؤون جدران الجامعة بالشعارات الثورية، ويغنون الأهازيج الوطنية، ويشتبكون مع قوى الأمن التي اقتحمت حرم جامعتهم، فتغلق الجامعة ويرحل الطلاب إلى مدنهم وبلدانهم، ويتصدع البناء الفوقي للمشروع الاستعماري الجديد !
ولنعد إلى المأزق الذي وجدنا أنفسنا فيه عندما وجدنا الجامعة مغلقة ومحتلة من طرف الدرك ! فعندها لم نجد بدا من اللجوء إلى سفارة الأَرز، فكانت نعم الحصن الحصين؛ إذ وفر لنا الإخوة ملجأ آمنا في شارع وليام بونتي قرب متجر آل مخدر للعطور، تحت إشراف الشابين أحمد ومحمد. وكنا قد جلبنا معنا آلة طباعة من موريتانيا فبدأنا الكتابة والطباعة.
كنا يومئذ في منتهى التوتر والاضطراب، نبكي ونضحك حزنا وطربا، تعتمل في أعماقنا عواصف متضاربة حد الانفجار هي :
- ألم وحسرة هول هزيمة حزيران والدمار الذي خلفته في الوطن العربي وقائدته مصر؛ والذي لم نجد في تلك "الخلوة" الثورية ما يعبر عنه بصدق ودقة مثل أغنية أم كلثوم " فات المعاد، وبقينا بعاد بعاد.. والنار دخان أرماد" وكان لدينا شريط سجلت فيه تلك الأغنية، وجلب لنا الإخوة في السفارة مسجلة حديثة، فكنا ندير تلك الأغنية ليل نهار على مدار الساعة دون أن نمل أو نني ! وما تزال تلك الأغنية - إلى حد الآن- تؤدي في نفسي ذلك المفعول السحري الرائع، وقد ذكرتها مرارا في كتاباتي؛ وخاصة في "قصتي مع مصر" !
- فرح وحبور طافح ينساب ويتوهج من تحت رماد الهزيمة المدمرة منبعه صمود مصر وانتصاراتها في حرب الاستنزاف، ونجاح خطواتها الجبارة في طريق إعادة بناء جيشها، ووحدة عرب ذلك الزمن حول لاءات الخرطوم، وتقدم جبهات النضال في فلسطين واليمن الجنوبي، وفي موريتانيا أيضا : انتفاضة العمال والشباب ! وفي العالم؛ بما فيه جامعة دكار التي كانت - لعهد قريب جدا- بؤرة من بؤر التدجين الراسخة. وقد وجد هذا الشعور التعبير عنه فيما كتبناه في ذلك العدد الناري الذي وجد طريقه إلى كل أنحاء الوطن؛ ومن ضمنه :

يا كلمتي
يا مدفعي
يا مصنعي
يا ثورتي ضد الطغاه
يا نار بركاني الذي
يرضى ويغضب للحياه
يا دمع شعب موجع
يحني لنيرون الجباه

دوري على هذا الورى
وخبريه بما جرى
قولي له ببساطة :
إنا سحقنا في العرا !
إن الشغيلة كلها
في أرضها وسمائها !
ثارت على ظلم الطغاة !
وطالبت بحقوقها
فاستخدم الحكم العميل
لسحقها.. قواتها !
(أغاني الوطن، ص 67)

يتبع

عودة للصفحة الرئيسية