خيارات المعارضة.. أحلاها مرٌّ!

تدوينة

الأحد 17-02-2019| 10:00

محمد ولد المنى، إعلامي

نحن كمراقبين وكمتابعين من خارج المعارضة الوطنية الديمقراطية وأطرها الحزبية والمؤسسية، قد ندرك بعض المصاعب والعراقيل وأوجه المعاناة الكثيرة التي تواجهها هذه المعارضة، لكن ثمة مصاعب وعراقيل ومعاناة جمة أخرى لا يعرفها إلا من كابدها وخبِر قساوتها عن تجربة وممارسة.
بيد أن الجميع مدرك الآن دقة الموقف الذي تواجهه المعارضة في مفترق طرقها الحالي وصعوبته، وما تجده متاحاً أمامها من خيارات محدودة وضيقة للغاية، لكنها جميعاً مقلقة وغير مريحة إطلاقاً وتنطوي على درجة أو أخرى من المخاطرة بمستقبل الطيف المعارض نفسه وبمكاسب « الديمقراطية الموريتانية » والحياة السياسية برمتها في بلادنا.
لقد خاضت المعارضة في مداولات داخلية شاقة دامت لعدة أشهر حول مسألة المشاركة من عدمها في انتخابات الرئاسة القادمة، وخلصت إلى ضرورة المشاركة مبدئياً، ثم انتقلت إلى الخطوة الثانية وهي تحديد كيفية المشاركة، وما إذا كان الأجدى أن أتكون من خلال مرشحين متعددين أو من خلال مرشح موحد، فأفضت التقييمات والفحوص الدقيقة إلى تفضيل المرشح الموحد.. ليصل النقاش إلى المرحلة الثالثة وهي تحديد مواصفات ذلك المرشح، ثم تعيينه بالاسم الشخصي الكامل، وهنا أيضاً ضاقت الخيارات وزادت صعوبة المفاضلة بينها على نحو يثير من الخلافات داخل المعارضة ما قد يتجاوز قدرتها على تحمل تبعاته. وخطورة هذه الخلافات الحالية داخل المعارضة حول شخص المرشح الرئاسي، كونها ناشبة بين الأحزاب وداخل كل حزب على حدة.
ويبدو أن لجنة المعارضة المعنية باتخاذ القرار في هذه الجزئية بالغة المصيرية بالنسبة للبلاد ككل، توشك على الحسم داخلها لصالح ترشيح الوزير الأول السابق سيدي محمد ولد ببوكر، وهو أمر مفزع لكثير من قواعد المعارضة ومثير لمواجع طيف غير قليل من نخبها وقادتها. فالرجل ارتبط اسمه بحقبة الرئيس معاوية ولد الطايع، التي أنتجت نظام « التعددية » الذي نعيش في ظله الآن، والتي حرفته تحريفاً لم تتمكن المحاولات الرسمية اللاحقة (مع الأخذ في الاعتبار عدم نزاهتها) من إصلاحه وإعادة تقويمه، كما أن مواضع تنكيلها بالديمقراطية والحياة السياسة الوطنية العصرية ما تزال تنزف دماً وقيحاً في جسم المجتمع وكثير من تشكيلاته السياسية والمدنية.
كما كان الرجل جزءاً من المرحلة الانتقالية، بما شهدته هي أيضاً من محاولات للالتفاف على الإرادة العامة وتحريف للإجماع الوطني بشأن وضع أساس متين لـ« الديمقراطية الموريتانية ». وحين تمت الإطاحة عسكرياً بما اعتبرناه أول تجربة ديمقراطية في تاريخ البلد، هي نتاج المرحلة الانتقالية بكل ملابساتها، كان الرجل سفيراً أميناً ومخلصاً لمن أطاحوا بتلك التجربة اليتيمة (على علاتها)، وظل موظفاً لديهم حتى تقاعده، حيث جاء يطرق باب المعارضة كمغاضب باحث عن فرصة ما للعودة من حيث أتى، لكن عبر صفقة ربما تشبه صفقة الزين ولد زيدان مع العسكر.
إن ذاكرتنا المجتمعية في الأصل محدودة السعة وقصيرة المدى، لكن محطات وخلفيات كهذه في تاريخ رجل يبدو عابراً للمراحل والأنظمة السياسية، سيصعب القفز عليها أو حذفها من المجال الإدراكي لأي ناخب أو فاعل سياسي في اللحظات الفارقة.
ورغم النفور العاطفي الذي حتماً ستستشعره قواعد المعارضة، والتي ما تزال على فطرتها السياسية السليمة النقية، فثمة نقاط يتعين التوقف عندها بعقل بارد متمعن :
الأولى أن قوعد اللعبة السياسية تتغير من مرحلة إلى أخرى، وكذلك التكتيكات التي يتعين تجديدها هي أيضاً، بما في ذلك اللجوء أحياناً إلى اختيارات مؤلمة وقاسية، لكنها مفيدة في اختراق الطرف المنافس، لإضعافه والأخذ من قوته وإضافة قوة جديدة. وهناك نماذج وأمثلة كثيرة على ذلك من مراحل التحول التي شهدتها عدة بلدان، بما فيها تونس حيث تحالفت أحزاب المعارضة السابقة مع السبسي الذي كان مسؤولا رفيعاً في نظام بن علي، وكذلك السنغال حيث رشحت المعارضة في انتخابات الرئاسة السابقة في مواجهة عبدالله واد رئيس حكومته السابق ماكي صال.
والثانية أن شيخ المعارضين ووجههم المخضرم الذي طالما اشرأبت إليه الأعناق في مواقف كهذه وعند الحديث عن مرشح موحد للمعارضة، يمنعه القانونُ من الترشح بسبب سنه، وهو شخصياً لا يبدو راغباً في الترشح رغم محاولات النظام مساومته على إزالة الموانع الدستورية لخوضه « السباق » الرئاسي.
والثالثة أن المعارضة لم تفلح إلى الآن في الانتصار على ماكينة التزوير أو في كسر حلقة التحالف القائم بين المؤسستين العسكرية والقبلية.. ولا ضير الآن في أن تختبر الاستعانة بمسؤول من « داخل القلعة » شارك في وضع وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي تم انتهاجها في مراحل مختلفة لتشغيل تلك الماكينة السيئة ولتطوير ذلك التحالف المقيت وتمتينه.
والرابعة أن الرجل، رغم خلفياته ومحطاته السابقة، هو بالأساس تكنوقراطي كفؤ وصاحب قدرات جيدة في الإدارة والخطابة، قرّبه العسكر في مراحل مختلفة، وبوؤوه مسؤوليات سامية وشارك في كثير من سياساتهم وسكت على سائر فسادهم.. لكن لم يُعرف عنه فساد شخصي مباشر، أو إثراء فاحش غير مشروع، أو ظلم ظاهر وسافر ضد الخصوم السياسيين للنظام، ولا حتى مشاركةً علنية ظاهرة ومفضوحة في تزييف وتزوير الانتخابات (التمرين الرياضي اليومي المفضل لأنظمتنا « الديمقراطية » ومسؤوليها بمختلف مستوياتهم).
والخامسة أنه إذا ما قررت المعارضة دعم الرجل وتقديمه كمرشح لها، فإن ذلك الدعم لن يكون مجانياً أو على بياض، بل في إطار تعهدات مكتوبة تلزمه ببرنامج انتخابي محدد، وبإصلاح ما أفسدته السنوات السابقة في سائر مجالات الحياة العامة، فيما تظل المعارضة رقيباً يتابع ويقيم ويقوم مسار تنفيذ البرنامج وتعهداته، ومعها الشعب وقواه الحية.
والسادسة أن الرجل، وفقاً لما يقوله عارفوه، يفي بالتزاماته ويقف عند كلمته غالباً، وهو متدين وذو أخلاق، كما يتذوق الشعر ويقرضه، وذو هوى عروبي متأصل.. وهذه ميزة إضافية بالنسبة لنا نحن معاشر « أهل لخيام » المولعين كثيراً بـ« استفتي » ومواصفات « الفتى »، لكن قلّما كنا واقعيين في تقييم واقع سياسي عقيم وفاسد في معظمه، لا يمنح المعارضة فيه غير فرص محدودة وخيارات أحلاها أمرُّ من العلقم !

عودة للصفحة الرئيسية