رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (3)



ارشيف: تفاصيل اول عملية عسكرية فرنسية لدعم موريتانيا ضد البوليساريو



التقارير السرية للسفارة الفرنسية بنواكشوط (2)



من الارشيف: التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى موريتانيا



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



من تولبير و تايلور إلى المرشح برام (2)

حديث "القلب" و "العقل" في رئاسيات 2019 (الليلة الثالثة16 فبراير 2019)

السبت 16-02-2019| 11:09

محمد الأمين ولد أبتي كاتب و باحث leminebety@yahoo.fr

من الحلقة الأولى :
خلاصة الأطروحة التي توصلنا إليها. تقوم على اعتبار الوثيقة المعنونة ب "ميثاق من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين ضمن موريتانيا موحدة عادلة ومتصالحة مع نفسها" الصادرة يوم 30 ابريل 2013 خطوة متقدمة على درب الجهد الوطني الداخلي للقضاء على العبودية ومعالجة آثارها، والجمع بين البعدين الحقوقي والتنموي. كما تقوم بالمقابل على اعتبار تأسيس "مبادرة انبعاث الحركة الإنعتاقية" يوم 15 نوفمبر 2008 إطلاقا لمسار التدويل والمتاجرة الخارجية بهذا الملف و تحويله إلى آلية للابتزاز السياسي الخارجي للبلد، مع فتح مجال للتعامل السري و السمسرة غير الشفافة مع الأجهزة الأمنية و أجنحة السلطة، و منح الأولوية المطلقة للبعد الحقوقي مع التسييس و الشحن الفئوي، و تحويل الأنظار عن هموم التنمية المحلية للشريحة و ل"آدواب" و روابط التنمية المحلية فيها.
-------------------------
إعلان "الإنعتاق" من منظمة أسسها من عرف "الإنعتاقية" اجتماعيا و سياسيا منذ نعومة أظافره، و تسفيه ماضي "حركة الحر" أم الحركات المناضلة في هذا الملف، من طرف شخص لا يشهد له ماضيه بالإنعتاقية الاجتماعية و لا السياسية، لأشبه ما يكون ب"التجنبير على التجنبير". و هذا الخيار لا يمكن أن يقود إلى شيء آخر غير العودة إلى إقطاعية الأسياد أو تغيير الأسياد بأسياد جدد، و كلها خيارات معروفة في العهود الإقطاعية. نوع من "التغيير في ظل الاستقرار" و "الخروج من عبودية إلى عبودية أخرى" (قد نجد إضاءة لبعض هذه المفاهيم في الجزء الثاني من هذا المقال).
الحلقة الثانية :
خصصت الصحفية الفرنسية المقتدرة "فاليري نيفلون" Valérie Nivelon حلقة الأحد 3 فبراير 2019 من برنامجها "مسار العالم" La marche du monde في إذاعة فرنسا الدولية، ل" ليبيريا، حلم السلم و الحرية المثخن بجراح سنوات الحرب و العبودية". و كان ضيف الحلقة الخبير الفرنسي"تييري بولي" Thierry Paulais، المختص في شؤون التنمية المحلية و التنمية في إفريقيا بصفة عامة، و هو مؤلف كتاب "ليبيريا تاريخ فريد". و قد أعادتني هذه الحلقة إلى الذكريات الحزينة لسنوات المجازر و الحروب الأهلية التي هيمنت في هذه المنطقة من القارة في تسعينيات القرن الماضي، منطلقة من "مونروفيا" و "كيبتاون" ناشرة الرعب و الدمار في "كيغالي" و "كنشاسا"، و مختلف مناطق القارة.

و إذا كانت ليبيريا قد عرفت العنف و التصفية العرقية كممارسات داخلة في أس وجوها كدولة، فإن من تولى كبر إشعال فتيل هذا العنف المعمم كان الرقيب "صمويل دووي" قائد الانقلاب الدموي لليبيريين الأصليين عام 1980، عندما قتل ليلة الانقلاب الرئيس "تولبير" و قائد الحرس الرئاسي، ليلحقهما بعد أيام بجميع أعضاء الحكومة الذين أعدموا رميا بالرصاص في حفل جماهيري نظم على شاطئ مونروفيا. بعدها حمل "تايلور" قائد المتمردين المنحدرين من أصول السود الأمريكيين المشعل و قتل "صمويل دووي" ثم أعلن نفسه فائزا بالانتخابات التي نظمها عام 1987، ليعمل على تحويل الحرب الأهلية الليبيرية إلى حرب إقليمية طحنت السيراليون مع ليبيريا، و ذلك قبل أن ينتهي به المطاف في محكمة الجنايات الدولية محكوما بالمؤبد. و هو الحكم الذي ما يزال يقضيه في سجن بريطاني.

قصة ليبيريا - هذه الدولة الصغيرة ب 5 مليون نسمة كما قدمتها بشكل مركز نيفلون بمشاركة ضيوف حلقتها -بدت لي مهمة الاستدعاء في النقاش الذي يواجهنا نحن في موريتانيا، بفعل العلاقة الإشكالية لهذه الدولة بسؤال العبودية. هذه العلاقة التي يلخصها التقابل بين الرؤية الإيديولوجية النظرية التي يلخصها الشعار الوطني للدولة : "حب الحرية دفعنا إلى هنا"، و بين الممارسة العملية للمجتمع و الدولة التي تتجلى في واقع كون هذا ال"هنا" –أو الوطن المشار إليه في الشعار- كان فيه سكان أحرار تمت تصفيتهم و منعوا من أبسط حقوق المواطنة و التصويت و تملك الأرض، من طرف أولئك المستوطنين الباحثين عن أرض "الميعاد" مع الحرية.
ليبيريا تهمنا، تلهمنا و توجه إلينا رسائل بما هي مثال لحالة يكون فيها التحرر من العبودية مدخلا للاستعباد و التصفية العرقية بأبشع أشكالهما. بما هي مثال لحالة يكون فيها استعباد الأسود للأسود أسوأ أشكال الاستعباد، و تتجلى فيها الحرية و العبودية كما هما على حقيقتهما بدون لون، و يبدو فيها أن معركة الحرية و الكرامة قد تكون مدخلا مباشرا للتضحية بمطالب التنمية و الأمن و التعايش السلمي.
ولدت ليبيريا - التي قال عنها "تييري بولي" بأنها دولة فريدة و أنه لا توجد دولة في العالم تمكن مقارنتها بها - عام 1822 كمستوطنة - دولة أشبه ما تكون بنظام الإقطاعيات. و جاء قيامها تتويجا لجهود "جمعية الاستعمار الأمريكية" التي كان من بين الرؤساء الأكثر دعما لها الرئيس الأمريكي الخامس "جيمس مونرو"، الذي تم إطلاق اسمه على العاصمة مونروفيا. و في أصل أهداف هذه الجمعية إيجاد وطن في إفريقيا للعبيد المحررين، لما يشكله بقاؤهم في أمريكا من خطر على استقرار النظام العبودي فيها، و نشر المسيحية في إفريقيا اعتمادا على قساوسة و مبشرين من السود. و ذلك قبل أن ينضاف هدف آخر هو إيواء العبيد المحررين من السفن التي واصلت تجارة الرقيق باتجاه البرازيل و مناطق أخرى رغم الحظر الدولي لهذه التجارة، و هي المجموعة التي ستعرف فيما بعد ب"القوندوز". و في عام 1847 قامت المجموعات القيادية من السود الأمريكيين بإعلان استقلال الدولة و إقامة نظام جمهوري رئاسي بدستور مشابه للدستور الأمريكي.
لكن بداية القرن العشرين عرفت تطورا مهما، هو دخول "ماركيس كارفي" على الخط، و هو أحد أبرز رموز النضال التحرري للسود في أمريكا و العالم. و قد أسس عام 1917 "الجمعية العالمية لتحسين ظروف السود"، و تبنى خيار العودة إلى إفريقيا كحل وحيد لمشكلة السود الأمريكيين، و ذلك في مواجهة قيادات أمريكية سوداء أخرى تعارض ذلك و تعتبر النضال من أجل المساواة و الاندماج في المجتمع الأمريكي هي الحل الوحيد. و تجسيدا لحلم العودة قام "كارفي" بجولة في مختلف الولايات لنشر أفكاره، و إعلان تأسيس "شركة خط النجم الأسود" التي ستفتح خطا بحريا لنفل العائدين إلى ليبيريا. و كانت تلك الجولة مناسبة لجمع الأموال من السود الأمريكيين تحت عنوان شراء أسهم و الدخول كمساهمين في الشركة المذكورة.
لكن الرجل فقد السيطرة على المبادرة التي تحولت إلى وقود إيديولوجي لتبرير أعمال الترحيل القسرية لكل السود الذين يشكلون خطرا على استقرار النظام العبودي الأمريكي. و بالمقابل أفلس المشروع تجاريا و تورط "كارفي" مع المساهمين، و انتهى به المطاف إلى الترحيل إلى جمايكا بلده الأصلي بعد الحكم عليه بالسجن في قضايا مالية. و الغريب أن الرجل اتهم من طرف قيادات كثيرة من السود الأمريكيين بالتورط مع منظمات البيض العنصرية، بما فيها ال K.K.KKa Klux Klan -أكثرها دموية و عنصرية.
بكل الأحوال اكتملت على الضفة الأخرى أركان الجمهورية بعد الحرب العالمية الأولى، عندما ضخت الولايات المتحدة الأمريكية أموالا أكثر لدعمها لأسباب متعددة، و قوي فيها نزوع الكنيسة لتدعيم الجهود التبشيرية ، و اعتمدت أكثر فأكثر على الخطاب الإيديولوجي القومي الإفريقي. هنا بدأ النسيج المجتمعي يتشكل في ظرفية غاية في التعقيد. ذلك أن السؤال الاجتماعي كان غائبا أو مغيبا في مجموع هذه الإرادات المتعارضة، التي تضافرت - رغم كل تناقضاتها - حتى خرج إلى الوجود هذا المولود السياسي الشائه الغريب.
القائمون على الجمعيات الاستعمارية و الاستعبادية الأمريكية ما كانوا ليسألوا عن طبيعة المجتمع القائم في المنطقة قبل وصول المستوطنين السود العائدين من أمريكا أو من ظهور سفن تجار الرقيق، بعد أن وصلوا إليها من مكان ما في إفريقيا لا يعرفونه و لا تهمهم معرفته. أما المنظمات التنصيرية، فهي تعرف فحسب أن المجتمعات الأصلية مجتمعات مسلمة أو وثنية غير مسيحية و حقها إن لم تدخل المسيحية هو الجحيم. وأما بالنسبة للمناضلين القوميين السود فالمهم هو ابتعاد السود عن المجتمع العبودي الأمريكي و حطهم الرحال في مكان ما في إفريقيا. و بالطبع فإن هذه الزعامات القومية السوداء متأثرة بالمدنية الغربية و مسكونة هي الأخرى بالخطاب الديني المسيحي، و لذا كان من السهل عليها اعتبار ذلك الوطن الموعود كما لو كان أرضا بلا سكان، ما دام سكانه شعوبا غير مسيحية و غير متحضرة.
النتيجة التلقائية كانت حصر حق المواطنة في حدود السود ذوي الأصول الأمريكية و معهم المحررين من سفن تجارة الرقيق المعترضة بعد تنصيرهم و دمجهم، ليتعايش على نفس الأرض مجتمعان متجاوران يقوم كل منهما على اعتبار الآخر غير موجود. هنا المجتمع الساحلي المكون من الوافدين و نظامهم الحديث و ديانتهم المسيحية و هناك في المناطق الداخلية السكان الأصليون و مؤسستهم التقليدية و تنظيمهم الديني و التربوي الخاص.
لكن تنامي حاجة الطرفين إلى بعضهما فتح المجال لديناميكية من الانفتاح المتبادل، تناولها بالشرح البرنامج الإذاعي المنوه عنه. فمن جهة السود الأمريكيين الوافدين قاموا بفتح المجال أمام السكان الأصليين للحصول على وثائق المواطنة و التملك و التصويت بمجرد الحصول على مباركة الكنيسة و حمل أسم مسيحي. و كان ذلك يقدم تحت عنوان التأهيل و التمدين. و هنا بدأت أمواج المهاجرين من السكان الأصليين تتدفق نحو مونروفيا و مدن الساحل الأخرى بعد أن كانت محظورة عليهم دون الحصول على تأشيرة دخول.
بالمقابل بدأ يتطور اتجاه لدى السود الوافدين يحاول الحصول على مباركة نظام التربية و الدمج الاجتماعي الخاص بالمجتمع التقليدي. و من أبرز تجليات هذه الديناميكية أن "البورو" - و هي المؤسسة السرية الرئيسية المتحكمة منذ القرن الخامس عشر في النسيج الاجتماعي لمعظم دول المنطقة - قد عرفت إقبالا من القادة السياسيين الجدد على طلب مباركتها، سعيا إلى قطف ثمار ذلك من جهة الدعم الشعبي و الانتصارات السياسية.
و الفكرة الأساسية في ثقافة "البورو" تقوم على أن القوة و النفوذ تصدر عن تأثير قوى العالم اللامرئي، الذي يفعل فعله دوما من خلال طقوس و مواضيع رمزية مرئية و ملموسة. و التربية المجتمعية الممتدة على فترات طويلة من عمر الفرد هي وحدها الكفيلة بالرقي به من حالة الطفل إلى حالة الراشد و رتبة الشيخ المزود بعوامل القوة و القدرة الغيبية. و بدون ذلك يظل الشخص طفلا مهما تقدم في السن، و لا يستطيع النفاذ إلى دائرة الأسرار الخاصة بالراشدين و الشيوخ.و في بعض الحالات تتطلب الطقوس التقليدية ل"البورو" تقديم قرابين لقوي العالم السري يعتبر الدم البشري هو الأكثر قوة و فعالية فيما بينها.
و قد تطور بتسارع ابتداء من أعوام 1930 و 1940 توجه نحو اندماج المترشحين في الانتخابات في نظام التربية الخاص بمجتمع "البورو" التقليدي. و بما أن هذا النظام التقليدي يفترض المرور بمسار طقوسي يحتاج إلى سنوات طويلة، و هو وقت لا يتناسب مع المتطلبات المستعجلة للذين يريدون السلطة الآن و فورا، فإن الاتجاه كان هو حرق مراحل التربية و النفاذ مباشرة إلى القوى العليا في العالم الغيبي بواسطة القرابين، و أعمال السحر التي يستخدم فيها الدم البشري. و وفقا لما توصل إليه الباحثون من معطيات في أرشيف منروفيا و الأرشيف الأمريكي، كانت مختلف الدورات الانتخابية تترافق مع اختفاء بعض الأشخاص من الرجال و الأطفال و النساء يعتقد أنهم يقتلون، و أن دماءهم تصنع منها أدوية و تستخدم للتواصل مع قوى العالم الغيبي و استجلاب تأثيرها لصالح بعض السياسيين.
و يعتقد أن مباركة الكنيسة و مباركة شيوخ "البورو" كانت تعضدهما ديناميكية موازية بينها تقاطعات كبيرة مع هذا النظام السري ل"البورو" تتمثل في التنظيم الماسوني العالمي. و قد يكون الرئيس "تولبير" المقتول من طرف "صمويل دووي" - أحد أطول الرؤساء الليبيريين حكما - نموذجا للحالة الأكثر تقدما في مسار هذه الديناميكية المسرعة للدمج الاجتماعي للنخبة السياسية عبر حقنها بحقن من مختلف مصادر الشرعية السرية المنوه عنها. لقد كان تولبير قسا و رئيسا لكنيسة، صاحب مقام سام في المحفل الماسوني إضافة إلى كون أخيه برتبة أستاذ في المحفل المذكور و من جهة أخرى كان يحظى بأعلى الرتب في النظام التراتبي للبورو.ما يعني وصول السلطة إلى أعلى درجات التركيز في يد الحاكم.
هذا الإقصاء المؤسس للدولة في ليبيريا عندما وصل إلى الدرجة العليا من التحكم و المركزة، كان السود الأصليون قد أصبحوا حاضرين في الجيش و في بعض مفاصل الحكم، و بالتالي لم يكن غريبا أن يحدث ما حدث عام 1980 من مبادرة عسكري من الرتب الدنيا إلى الانقلاب على السلطة، و التصفية الانتقامية البشعة للرئيس تولبير و أعضاء حكومته. و أن تشتعل أجواء مونروفيا بالرصاص احتفالا بنجاح الانقلاب من قبل السود الأصليين. احتفالات لم تدم طويلا لأن البلاد دخلت مباشرة الحلقة المفرغة ل"حرب الكل ضد الكل"، التي استمرت إلى حين تدخل القوات الأممية و تنظيم الانتخابات التي حملت إلى السلطة الرئيسة "جونسون سيرليف" عام 2005.
فقط من المهم التشديد على أن هذا المسار التحرري للسود من العبودية في أمريكا و من القيود على ظهور السفن العابرة نحو البرازيل، و بالرغم مما قاد إليه من استيطان لأرض سود آخرين و من استغلال و استعباد لهم، لم يتخل أصحابه يوما عن هذه القومية التحررية الرومانسية، الممزوجة بالخطاب الديني المسيحي. هاهو "تايلور" - أبرز "القتلة و القناصة المهنيين" و زعماء الحرب الأهلية - يقول في خطابه بمناسبة الفوز في انتخابات 1987، ناسجا على منوال "مارتن لوثر كنغ" : "الليبيريون ينبغي أن يروا ما هو أكبر و أكبر .. ينبغي أن يناضلوا و يثقوا .. الحد الوحيد هو السماء".
لحسن الحظ فإن الشعب المطحون في أتون هذا الجحيم من العنف الأهلي و من الخطابات المتطرفة التي تسد كل أفق للخروج من دوامة العنف أخذ يتحرك. و الغريب أن النساء كن في غرفة قيادة السفينة إلى بر الأمان. و في هذا السياق تستحق واحدة بعينها تحية خاصة. نقصد "ليما بووي" Leymah gbowee رئيسة حركة النساء الليبيريات من أجل السلم، التي قادت نشاطا مكثفا لوضع حد للحرب الأهلية عام 2003، مع العلم أنها من الليبيريين الأصليين. و من أقوى النشاطات التي قادتها "الإضراب عن الرجال" عام 2002 الذي شاركت فيه النساء الليبيريات من جميع الأديان، و كان مصحوبا بنشاط مكثف من الإعتصامات في الشوارع و الأسواق، و امتنعن خلاله عن معاشرة الرجال لحين توقف الأعمال القتالية. و هذا ما دفع تايلور إلى استدعائها للمشاركة في المفاوضات الممهدة لاتفاق السلام النهائي.
و قد أوردت "نيفلون" في برنامجها فقرات ذات دلالة خاصة من تصريحات ل"ليما بووي"، تتبنى فيها أطروحة مقتضاها ان القادة العسكريين و السياسيين هم الذين يقسمون المجتمع، و ينشرون فيه خطابات البغضاء و الكراهية التي لا يعرفها. تقول :"عندما وقع الإنقلاب كان عمري 13 سنة.. الانقلاب لم يكن سببه الصراع بين ليبيريين من أصول مختلفة، و إنما واقع كون النظام كان قد أصبح قاسيا على الشعب.. لحين قيام الحرب الأهلية لم أكن أحس بالصراع بين ليبيريين من أصول أمريكية أو ليبيريين من أصول محلية .. فعلا كان هنالك أشخاص أكثر ثراء من آخرين في بعض الفئات .. لكنني كنت أعتبرهم أشخاصا ذوي علاقات و وسائل أكثر من أسرتي ". و تقول : "ما يحز في نفسي أكثر هو أننا يوم كنا صغارا كانت أسرنا تحمينا من الخطاب العنصري .. بينما اليوم تجد الناس يفخرون بوضع الأطفال، أصغر ما يكونون، في مواجهة بعضهم بعضا .. لقد كنت من مجموعة علمتني تقاليد التعايش السلمي و التضامني، و ربتني على فكر الوحدة و رفض التقسيم".
هذه الكلمات أهديها للمناضل الحقوقي، السائر على درب "مانديلا" و "مارتن لوثركنغ"، برام ولد الداه ولد أعبيدي. إنها لسيدة سوداء، كان قبيلها ضحية الظلم و القهر، لا من طرف بيض غربيين و لا بيظان بيض بل من طرف سود آخرين، يدعون مثل "برام" أنهم يسيرون على خطى لوثركنغ. سيدة لا تطالب بأي انتقام من المظالم التي وقعت على أهلها، و تكتفي بالمطالبة بالتعايش السلمي، و تربية الأجيال على ذلك. و التوجه بمواطني بلدها مجتمعين نحو العمل المشترك لتحقيق التنمية و السلم الأهلي. و بعد أن قادت بلدها بنجاح إلى أتفاق السلام، أكتفت بمنصب منسقة الحوار الوطني.
ليت "إيرا" تتحول إلى حركة للدعوة إلى نبذ الكراهية و التعايش السلمي بين مكونات الشعب الموريتاني. و تتجه إلى التنمية المحلية لهذه الفئة التي تدافع عن حقوقها.
- لماذا يترك "برام" مساعدين له- من أمثال براهيم ولد بلال محمد فال ولد سيدي ميلة - ممن ليست لديهم تمويلات و لا هيآت دولية داعمة كتلك التي تقف وراءه هو - يستقيلون من حركته ليتفرغوا للعمل التنموي للحراطين، بينما يحبس هو نفسه في معارك سياسية و حقوقية ذات طبيعة صدامية و عنيفة، كان يمكن لما ينفق فيها من موارد أن يحل الكثير من مشاكل التنمية لفقراء لحراطين؟ !
- لماذا يصر على الحديث عن "لحراطين" كعبيد سابقين و يحرص على سجنهم في هذا الماضي لتشريع نضال يتجلى يوما بعد يوم أنه نضال شخصي و ذاتي له هو وحده. نضال بدل أن يقوده إلى التجول بين آدواب في موريتانيا الأعماق، هاهو يوفر لصاحبه سياحة مجانية بين روما و بريكسل و العواصم الغربية الأخرى؟ !
- ألا يمكن القول إن الصعود السريع للظاهرة "البرامية" على حساب "حركة الحر" و "نجدة العبيد" و "التحالف الشعبي التقدمي" و "ميثاق لحراطين" و "هيأة الساحل"، أقرب إلى صعود السود الأمريكيين المحمولين فوق السفن و الممولين من الخارج على حساب سود الداخل و مناضليه الأصليين و التاريخيين ؟ !
- ألا يمكن اعتبار الزواج بين القومية الإفريقية "الفلامية" و القومية العربية "البعثية" داخل حركة برام و بين الخطاب الحقوقي الديمقراطي الإنساني لليسار الأوربي و الأمريكي و بين الخطاب اليميني المسيحي و اليهودي الماسوني في أوساط الداعمين الدوليين لهذه الحركة، شبيها بالالتقاء بين الجمعية الأمريكية للاستعمار و الرؤية القومية الإفريقية ل"لويس كارفي" و الكنيسة المسيحية و المحفل الماسوني و شيوخ "البورو" في دعم و تأييد قيام و استقرار حكم السود ذوي الأصول الأمريكية في ليبيريا ؟ !
- أليست عمليات المجابهة العنيفة مع قوى الأمن حول دعاوى استرقاق - أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مشكوك فيها - و هذا البذل لقصارى الجهد لدفع السلطات لتوقيف "برام" و محاكمته في ظل تغطية إعلامية غير مسبوقة، حقنا و "رقى" لتسريع عملية صعود "الظاهرة البرامية" في خريطة نضالية لم يكن لها فيها وجود ؟ ! أليست هذه الحركات التي بلغت قمتها في "المحرقة" أعمالا تنتمي إلى دائرة السحر و قرابين الدم السرية التي رأيناها مرافقة للانتخابات في ليبيريا ؟ !
في الختام نطالبك يا "برام" بإخماد هذه النار التي أشعلتها في الكتب، و تقديم أدلة جدية على أن المقصود لديك لم يكن إحراق المجتمع و الدولة. لأن حرق الأفكار إنما يتم بأفكار أقوى منها، بحجج و أدلة نقدية و من خلال بناء فكر بديل. و إذا كان ما تظهره من قدرات علمية على المجادلة في أصول الدين و أعمق مستويات الفكر النقدي التحليلي موجودا لديك بالفعل، فهيا بنا إلى النزال في تلك الساحة، و دعك من "علب الثقاب".
أما إذا كنت تحلم بالسلطة كي تعيدنا إلى عصر "محارق المرابطين و الموحدين" التي اجتزأتها من التاريخ بعناية، غاضا الطرف عن محارق العلماء و المفكرين في ظل "محاكم التفتيش الكنسية"، و أنت المعمد اليوم في جامعة كاثوليكية، فتلك حكاية أخرى. أم تريدنا أن نعود إلى سياسة الحرق و المصادرة للفكر الذي عاشتها الصين في ظل الثورة الثقافية، و بالكاد تمكنت بعض الدول العربية من التحرر منها. و ما تزال الكثير من الدول إلى حد اليوم ترزح تحت ظلها.
أخي إن "محرقة الكتب" ليست جريمة في حق الفقه المالكي و إنما جريمة في حق الديمقراطية و حرية الفكر، إنها مقطع سينمائي مجاني للتثقيف في مجالات الإرهاب و العنف في دائرة الحوار الفكري و السياسي. و إذا كان دخان الورق و الحريق رمزا للدعوة إلى ما هو أشنع من إسالة الدماء و حرق الممتلكات، فإنه يكون فلما من أفلام الرعب يحاكي فيديوهات الحرق الجماعي للمحتجزين الذي عودتنا علي مشاهدتها "داعش"، فهل أنت سلفي داعشي؟ُ ! لا يمكن أن تدعي أنك لست على علم بما فعلته داعش و تفريعاتها بكتب الفقه المالكي و التصوف في "تنبكتو".
يتواصل أسبوعيا بإذن الله.

عودة للصفحة الرئيسية