كلمة تأبينية للشيخ إبراهيم بن سيدى عبد الله

الأربعاء 13-02-2019| 11:40

إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيدى

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

كلمة تأبينية للشيخ الفاضل من كل وجه الوالد إبراهيم بن محمد عبد الله بن سيدى عبد الله
الذى وافاه الأجل المحتوم بالعاصمة زوال يوم الأحد 5 جمادى الآخرة عام 1440هـ ــ 10/ فبراير 2019م
عن إحدى وتسعين سنة ـ رحمه الله رحمة واسعة.
***
عرفته فى فجر طفولتى رجلا طُوالا مَهيبا ذا لحية كثة مُعْفاةٍ لا ترتفع إليها يدٌ بقصّ ولا تحذيف،
مشتغلا بالصلاة، متحريا لوُقوتها، تَلّاءً للقرآن، كثيرَ الذكر والتسبيح. ثم ما لبِث حين عرفتُه أن حجّ البيت الحرام. وكانت حجتَه الأولى.
وإن أنسَ لا أنسَ تلك التحَف السَّنِيّة من هدايا الحرم التى أتحَف بها أبى رحمه الله، غير أن الذى علِق بذهنى أكثر، هو ذلك العطر الفوّاح الذى كان ضِمْنَ تلك الهدية الثمينة.
ولئن زعمتُ أنى لا أزال أجد من عَبَقِه أرِيجا يذَكّرنى ذلك الفجرَ البرىءَ لمَا أبعَدتُ.
وأذكر مما خصّنى به جهازا صغيرا كنت من خلاله أشاهد الحرَمين الشريفين والمشاعر المعظمة ومقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ فأشتاق إلى تلك الربوع شوقا غامضا عميقا لا أدرى يومَئذ له كبيرَ معنى.
كنت أرى الأكابر من حولى ـ رجالا ونساء ـ يحبّونه ويقدرونه قدره، ويُنزِلونه منزلته، ولم أكن أفهم أنا ولِدَاتى من صغار الحىّ على أىّ معيار كانوا يبنون ذلك الموقف، إلا أن يكون لرحِم ماسّة، وقربى ماتّة. لأنّ كُبْرَ همنا منه، ما كان يقدَم به من القرية من خبز نضيج، أو لُعَب نتلهَّى بها فى أوقات الفراغ. وكثيرا ما كان يخصنى من بينهم بالملابس الرفيعة يومئذ.
وسوف أدرك ـ فيما بعدُ ـ أن ذلك الرجل الذى عرفته فى صغرى لم يكن بالرجل السهل الذى تجد له مثالا فى كل مكان.
وإنما كان رجلا فريدا، ذا شخصية متميزة، طافحة بالمعانى والدلالات.
لقد كان مدرّسا ناجحا، ومربيا أريبا، ورمزا تقليديا كبيرا، وشخصية دينية متكاملة، وذاكرةَ شعْب لا تنضب.
وكان إلى ذلك صبورا جلدا، حمّالا للكَلّ، قويا فى النوائب والخطوب، قوّاما فى الدياجى، صوّاما فى الهواجر، حالّا مرتحِلا فى تلاوته، بَرّا بوالدته، لهجا بالذكر، وصولا للرحم، كثير الحج والاعتمار، محسنا إلى الجار ذى القربى، والجار الجنُب والصاحب بالجنب وابن السبيل، سالكا طريق الصالحين سَمتا ودَلا، جادا فى شأن دنياه، وعمل أخراه، لا تجده هازلا، ولا فارغا، أو مُخْلدا إلى دعَة أو فضول.
ومن عرف أن أباه كان من عِلْية قومه آلِ سيدى اَحمد بن مَحَمّْ بيتِ العلم والقضاء والسيادة والرئاسة، وأنه نشّأه فى طاعة الله، بما كان عالما سنّيا، ربّانيا خاشعا، عابدا ناسكا، شديدا فى الحق، وأنه علّمه من علمه، وأبان له طريق محجته، وأن والدته خديجةَ بنتَ الشيخ سيّدى المختار ابن الشيخ سيدىَ كانت المرأةَ الصالحة القانتة المنفقة البَرّة الحَنونَ لا يستغرب ما اجتمع فيه من خصال الخير، وما تهيّأ له من أسباب السيادة والاِستقامة والقَبول.
وحين أقعده المرض فى الثمانين من عمره، ولحِقه الكِبر، صبر واحتسب، ولم يشْكُ بثَّه وحزنه إلا إلى الله سبحانه، ودأب - قدر طاقته - على ما كان يلهَج به من ذكر وتلاوة إلى آخر لحظة من حياته. فاللهَ أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى أن يجعله من أصحاب الوجوه البهية الناضرة فى جنة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين جارية، وأن يصلح ذريته وأهل بيته من بعده، وأن يجعلهم خلَفا لا خلْفا، أن يلهمَنا لفقده الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيدى

عودة للصفحة الرئيسية