محمود ...!

الأربعاء 23-01-2019| 23:20

محمد طالب محمد مختار ناجم

انقضى أول الليل ، هدأ الجو وانعكست أضواء القمر علي هضبته والهضاب المجاورة عاكسة المشهد بعين الرائي صفرة فاقعة تسر الناظرين ... ساد الوقت سكون بديع لا يقطع هدوءه إلا همهمة بغل بالجواروحمحمة فرس "مشكل " بالقرب وعواء ذئب بعيد أثار صهيل حمار- على بعده – وصلت تموجات صوته المزعج مسامع محمود مؤكدة له أن أنكرالأصوات دائما هو صوت الحمير... !
علي أطلال ما كان يوما طريق أمل وعلى مقربة من إحدى الحواضر المتناثرة في عشوائية موروثة اضجع محمود على رأس هضبة رملية مستريحا من طول الطريق وتعب التركيز لتجنب الحفر والتقعرات التي كان سيكون لمحمود معها شأن آخر لو وجد طريقا غير طريقه هذه موصلة إلى حيث الأهل والأحباب .. اضجع محمود بصمته المعهود ، بصمت يتأمل النجوم الغائرة في السماء و يتسلى في خلوته باستحضار خواطر ستيني مثقف عاصر جل الحقب صامتا محتفظا لنفسه بالحق الحصري في نقاش أفكاره وآرائه ، إذ لايعبأ محمود غالبا بجل آراء المتدخلين في حياته المجاملين منهم والمتاجرين والمنافحين ...!
تعددت أسماء بطل رواية الأسماء المتغيرة ، لكن محمود عاصركثيرين أجابوا مناديهم طيلة حياتهم بأسماء لاتحمل من دلالة تخصهم إلا الدعاء بالسلامة والبركة للسيد المالك ، ومع ذلك محمود لايعير الأمر كبير اهتمام لأنه يعرف أن الأسماء عند العرب – كل الأسماء – منزوعة الدلالة ...!
تعلم محمود بعصامية أكسبته تميزا ذاتيا وعقلا واقعيا ، لكن محمود عاصر كثيرين عاشوا حياتهم في خدمة سادة أنتجوا ثقافة بدوية عالمة أسقطت نظرية ابن خلدون وقبروا بمستوى الجهل ذاته الذي يولد به كل البشر... لسبب ما وجيه يجهله محمود لم يشأ ذلك العلامة النحرير العالم بالحلال والحرام وحقوق الابن والزوج والمرابح والمجازف وحتى المولى تعليم من جعله الظلم والقهر- لا الدين – تحت يديه من باب امتثال امر الله بالإحسان والصدقة على أخ في الدين ونظير في الخلق ... لم يفهم محمود كذلك خلوكتب بعض مؤرخي ملالي الماضي المجيد من مجرد الإشارة إلى النابغين والأولياء من غير طبقة نبلاء العصر الهالك كسمي محمود " المسمومي " وسمي مؤذن الحبيب صلي الله عليه وسلم ولي الشمال ... وبرغم كل ذلك محمود لايعير الأمر كبير اهتمام لأنه عرف عصر سيبة المنكب البرزخي ، عصر العدالة في توزيع الظلم على الجميع ، عصر تعدد السادة وتشرذم المسودين، عصر التحالف الجائر بين " سيف "ملك تاريخا عريقا من التهور والترحال و" قلم " مرتعش يتمسك حد الموت بفتات سيادة ممنوحة من سيد بفضل الله ساد ...!
يضحك محمود دائما على بلاوي مجتمعه فيضحك حين يرى" المجامل " من بني جلدته يمجد الماضي بلا تحفظ ويدعو في مثالية زائفة إلى تجاوزه دون توقف ولو للتأمل وقليل من الإنصاف، ويضحك حين يرى " المتاجر " يلعن إقطاعيي القرون الخوالي وما شيد واحدهم معشار ما شيد من مجد ومال استرضعهما من العزف على آلام ماض حوته القبور حين تقاطعت نغمات لحنه مع سنفونيات يعزفها سادة القهر وقادة النكبة الأولى (للمحاميد) حينما يكونون في وارد الضغوط على نصف حاكم محكوم تدافعته الأقدار يوما فصار زعيم أمة وقائد شعب...ويضحك محمود - حد القهقهة والاستلقاء – حين يسمع ويرى سليل المستعبد الغاشم يهدد ويرغي ويزيد مرتعبا ومنافحا يحركه الخوف من الماضي والطمع في كعكة الحاضر، متضايقا من تصرفات مغرر بهم كلناكان سيفعل أضعاف ما فعلوا لو أحس يوما بصدق آلام أجيال متتالية ماتت مظلومة ولا أحد إلى اليوم يريد إنصافها جادا ولو بكلمة...رغم كل ذلك محمود لا يعير الأمر كبير اهتمام، فمحمود يعرف أن ذلك "الكل" المتراكم من المظالم والمآسي لا تعني لمحمود إلا ما تعني للجميع، تركة ثقيلة لكنها موروثة ، ظالمة لكنها ظلمت الجميع، مزعجة لكن التعامل معها ضرورة، إنها قضية الجميع– يتمتم محمود–قدر يركب موجتها البعض جادا والبعض مسترزقا ونبقى في النهاية –كلنا - أبناء الصحراء نتقن الركوب على سرج وعلى ( ملطي ) وللارتزاق نركب كما كان آباؤنا يركبون وله نرحل كما كان آباؤنا يرحلون، وعلى غير عادة العصر في الركوب نحن نركب الدبابة إلى القصر ونحن نركب السياسة إلى مرضاة نصف حاكم ونحن نركب الصحافة إلى حيث يشير ممول لأننا تعودنا أزلا أن نركب لمصلحتنا وأن نركب بها، لهذا محمود لا يستغرب أن نظل وللساعة شعبا مركوبا ولهذا محمود ما عاد ينخدع أبدا بالمجامل والمتاجر والمنافح ...!
كثيرون اليوم لا يفهمون محمودا ولا حتى يعرفونه .. لم يستوعبوا بعد أن محمود اليوم لم يعد هو ذات محمود الأمس لأنهم مشغولون جدا وطوباويون جدا ومسترزقون جدا، بالثقافة بالسخافة بالنخاسة ولأنهم لا يتقنون الإبداع ولا الدندنة إلا على كل ما أشار إليه" الأمير" ولو بشطر كلمة ... لم يستوعبوا محمود اليوم لأنهم مشغولون جدا حتى عن إلقاء نظرة إليه ...
أيها السادة، محمود اليوم لم يعد ذلك الموصوف بالجهل والاستكانة ونزق الحمق وتهور الغباء، محمود اليوم شيء آخر تعلم العلوم وصقلته التجارب الطويلة مع الركبان المجاملين والمتاجرين والمنافحين .. محمود اليوم شب عن الطوق واسترشد بعصامية وهو اليوم بات يرجوكم من موقع الند أن تترفقوا بأنفسكم وأن لا تواصلوا في غباء محاولة حجب شمس الظهيرة بغربال، فقط أظهروا لأنفسكم بعض الاحترام واستقيلوا في صمت – سودا وبيضا – وأعطوا محمود حقه المشروع في الدفاع عن نفسه بدون وكيل قد يتمالأ مع جلاد لخنق وعي متنام في النفوس... !
إن محمود اليوم واع بحقوقه وواجباته ولا يريد أقل من كل حقوقه وحقوق كل المواطنين، لكنه يريد كل ذلك دون اقتطاع عمولة لسمسار نضال، محمود اليوم يستعد مع الجميع للعبور نحو المستقبل لكن بعد أخذ كل حقوقه وسوف لن يلتفت إلى الماضي إلا ليحمد الله ويعتبر، وأكثر من ذلك سيضع يده الشريفة النظيفة في يد الجميع منطلقين انطلاقة صحيحة ينطلق فيها الجميع من حيث ينبغي أن ينطلق لا من حيث اغتصب ذات يوم، فينطلق المدرس – بإخلاص هذه المرة – من فصله والطبيب من مستشفاه والعالم من جامعته والسياسي من كرامته واستقلاليته برأيه والجيش من ثكناته لا من قصور الساسة والتطاول إلى إدارة تناقضات الاجتماع البعيدة كل البعد عن العلوم والفنون العسكرية النبيلة الخشنة ...!
اشتد عواء الذئاب البعيدة وتعالت همهمات البغل وحمحمات الفرس وتقارب صوت نهيق الحمار المذعور من عواء الذئاب... انقطع شريط حواريات محمود مع نفسه، انتبه أخيرا من شروده وعرف أن الصبح أصبح قريبا وأن ليلته كانت عاصفة " بمونولوك " داخلي عنيف، على عجل لملم شتات أشياءه ( متدربيا) من على قمة هضبته (متدقسا) بالرمل باتجاه سيارته ليواصل التركيز والحذر من حفر وتقعرات طريق لم يكن ليسلكه لو وجد غيره سالكا إلى حيث الأهل والأحبة ... محمود يحب الجميع حكاما ومحكومين ولا يكره إلا هراء المثقفين وانتهازية الساسة ومتاجرة العاطلين ...!


كامل الود

عودة للصفحة الرئيسية