القرار الكبير ..

الاثنين 21-01-2019| 14:00

د. شيخنا محمد حجبو

إن من يعرف السيد القائد، الأخ محمد ولد عبد العزيز، ويفهم فكره، ومتابع لمسار حكمه، يدرك ببساطة أن من أبرز ثوابت تفكيره وعمله، قناعته الراسخة بأنه جاء لإعادة تأسيس عقلية مجتمع، وبناء دولة للجميع، قائمة على العدل والإنصاف، يعيد الثقة بين أبنائها ويقوي لحمتهم الوطنية، وينشئ عندهم الثقة في الدولة، ويرسخ دعائم أمنها واستقرارها وذلك من خلال عديد أمور؛ لعل في مقدمتها :
- ترسيخ قيم الديمقراطية
- تكوين القناعة الراسخة عند أبنائها أن الحوار هو السبيل الوحيد والأوحد لعلاج وحل كل القضايا المطروحة، أو تلك التي يمكن أن تطرح في مستقبل الوطن؛
- الحفاظ على المكاسب المحققة وتطوير الممارسة الديمقراطية، كي تترسخ وتصبح قناعة مجتمعية عند الجميع، يُرجع إليها عند كل متغير يمر به البلد؛
لذلك نراه منذ بداية حكمه، يعمل بمقتضى هذه القيم، وكانت عنده قناعة ثابتة ولم تكن في أي يوم من الأيام قضية تكتيكية، بل ظلت قناعة إستراتيجية ورؤية واضحة، ولكنها متقدمة على المجتمع، ولذلك صعُب على الجميع فهمها واستيعابها وتصديقها، وتساوت الأغلبية والمعارضة في ذلك؛ فلم تتفهم وتطمئن المعارضة على دعواته المتجددة للمشاركة في المسار الديمقراطي، بل ظلت ثابتها التشكيك والتسفيه لكل نداء منه في الموضوع؛ إلا تلك الجماعة التي حصل عندها الإحساس بصدقه، وكانت أكثر وطنية، فشاركت في متغيرات المشهد السياسي وساهمت في تعزيزه مساره الايجابي.. وظلت الأغلبية تتأرجح؛ في الفهم فانطبع مسار تصرفها بطابع القبول والتحفظ، ولكنها ما ادخرت أي جهد للمواكبة، مواكبة السيد القائد، والسعي للحفاظ على نهجه السديد، وإن كان طيف كبير منها غير مرتاح لتنحيه عن الحكم.. وحاله كحال أكثرية الشعب الموريتاني..
إلا أن السيد القائد ظل يهيئ الجميع لقبول عدم تقدمه لطلب التجديد للاستمرار في الحكم من خلال تغيير الدستور، وهو في كل المناسبات داخل الوطن وخارجه، ظل يؤكد عدم نيته في الاستمرار وهو قادر على ذلك.. رغم أن تغيير الدستور لا يكلفه غير إشارة بأصبع، لأنه كسب قلوب أكثرية شعبه، وولاء أغلبية برلمانية مريحة.. ولأن علاقاته في المجتمع الدولي كذلك ممتازة، وما فتئت دول وازنة تعطي إشارات إيجابية من خلال سفرائها أو شخصيات مرجعية وازنة فيها وعندها تأثير في سياساتها وقراراتها..
ورغم كل ذلك ظل السيد القائد ثابتا على خيار وطني لبلده، وفلسفة راسخة في الحكم عنده، وهي أنه جاء لتأسيس دولة وطنية تحترم القيم الديمقراطية وترسخها، وتعمل على تحقيق الرفاه والرخاء لأبنائها، وتساوي بينهم في كل الأمور حسب المتاح، لذلك تنكب عن كل ما من شأنه إحداث عُطب أو خلل في هذا التوجه الراسخ عنده..
وهكذا بعث برسالة صريحة وقوية، قطعت الشك باليقين، تؤكد ثابته ذلك، رغم قوة الضغط الشعبي والتفاف منتخبيه معه لمطالبته القائد بقبول تغير الدستور وفتح المجال له للترشح لمأمورية ثالثة.
وهكذا يتبين من القرار أنه :
أولا؛ يؤكد أن الرجل كان تدخله لتغيير الأنظمة السابقة هو إنقاذ بلد من السيبة والضياع؛
وثانيا؛ أنه كان وما زال جادا في أقواله وأفعاله، ومصمما على بناء دولة المواطنة الحقة، القائمة على العدل والإنصاف، الدولة التي تحترم القيم الديمقراطية وترسخها، والحكامة الرشيدة تثبتها وتجعلها منهج عمل وسلوك؛
وثالثا؛ أن القرار عمل وقائي محصن للدولة والمجتمع من عقلية السيبة والجشع والرغبة الغير معقلنة في السعي للحكم والتكسب؛
ورابعا؛ أنه عمل تاريخي، لأنه يُثبت قيم التناوب السلمي على السلطة ويغلق نهائيا باب الطموحات اللامشروعة، ويرسي دعائم السلم الأهلي ويعطي فرصة لبناء المؤسسات واحترامها؛
فضلا عن ذلك؛ فإن هذا القرار في أبعاده الأخرى، يساهم في تعزيز فكرة وجود القيادة الرشيدة عند المجتمع، ليبحث ويتحرى عنها في أبنائه في المستقبل، لأن الثقة فيهم أو بالنسبة لمن هم في واجهة المجتمع تقل، أو تكاد لا يُصدق وجودها؛ لكن السيد القائد قال لهم ثقوا بأبنائكم ففيهم من هم صالحون لتولي شأنكم، بل فتشوا عنهم واصبروا عليهم فستجدونهم وطنيون مخلصون للوطن مضحون في سبيله..
أمر آخر هو الأهم، أن الرجل تكونت حوله كتلة تاريخية كفيلة بقيادة البلد لفترة طويلة من الزمن، ستتكون فيها مؤسساته وتُحترم وتُصبح مكتسبا مشتركا يحميه الجميع ويدافع عنه..
إذا؛ فعلينا جميعا أن نرفع التحية له، للقائد، ونضعه تاجا فوق رؤوسنا، لأنه كان وفيا وبارا للوطن، وعلينا الوفاء له، وبروره والاستجابة الطوعية لما يطلبه ويشير إليه، فلن يكون ذلك إلا لتقدير مدروس منه، يعتقد فيه الخير للبلاد والعباد..

عودة للصفحة الرئيسية