التمويل الإسلامي وأهداف التنمية المستدامة

الأحد 23-12-2018| 23:00

الهادي بن محمد المختار النحوي

يمثل تحديد أهداف التنمية المستدامة محطة مهمة في مسيرة الحكومات والمنظمات والشعوب لتحيق الأمن الاجتماعي والحياة الكريمة لسكان الأرض بغض النظر عما يسود العالم من اضطرابات ومشاكل سياسية.

وقد ورد مفهوم التنمية المستدامة بشكل رسمي لأول مرة في تقرير” مستقبلنا المشترك” الصادر عام 1987 عن اللجنة الدولية للتنمية والبيئة التي شكلت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر عام 1983 ، برئاسة برونتلاند رئيسة وزراء النرويج وعضوية 22 شخصية من النخب السياسية والاقتصادية الحاكمة في العالم.

وقد عرف تقرير برونتلاند الذي أصدرته اللجنة المذكورة في عام 1987 التنمية المستدامة بأنها "التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون أن تعرض للخطر قدرة الأجيال التالية علي إشباع احتياجاتها"، وفي عام 2015، اعتمدت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهداف التنمية المستدامة الـ17 الخاصة بها.

وحسب تقارير الأمم المتحدة فإن أهداف التنمية المستدامة هي خطة لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع ، والغرض من هذه الأهداف هو معالجة التحديات العالمية التي يواجهها سكان الكرة الأرضية بما في ذلك الفقر وعدم المساواة والمناخ وتدهور البيئة والازدهار والسلام والعدالة وهذه أهداف مترابطة يتعين العمل لتحقيقها مجتمعة.

لكن اتساع الفجوة بين الموارد المتاحة والتمويل المطلوب مع تراجع الأداء الحكومي في كثير من البلدان وغياب أو ضعف الإصلاحات الهيكلية وضعف آليات تنفيذ الخطط والسياسات التنموية ، كل ذلك يستدعي تضافر جهود الجميع من حكومات ومنظمات دولية ومنظمات مجتمع مدني وأفراد للعمل على تحقيق هذه الأهداف ، خاصة أن تحقيقها يحتاج إلى موارد تتراوح بين 3.5-5 ترليون دولار سنويا.

ولمواجهة تحديات تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يستغني العالم اليوم عن تطبيق التمويل الإسلامي لأنه يقدم حلولا عملية تمكن من تلافي الأزمات المالية المتكررة وتعزز البناء التنموي السليم ، إن طبق بالشكل الصحيح.

يتميز التمويل الإسلامي بأنه يربط النشاط بأصول حقيقية ويركز على المشاريع المنتجة ولا يشجع الاستهلاك وتضييع الموارد لأنه مبني على قواعد أساسية تنشد العدل والمشاركة منها قاعدة " الغنم بالغرم".

وهو كذلك يقوم على ركنين أساسيين هما الانتاج والتوزيع ، فالانتاج يزيد الثروة والتوزيع يمنع تكدسها حتى لا تكون دولة بين الأغنياء ما يسهل حصول الجميع على فرص للحياة الكريمة أو الانتقال إلى حد الكفاية بعد تأمين الكفاف ، وبلغة أخرى ، التدرج من الضروري الذي لا تقوم الحياة دونه إلى الحاجي الذي يؤدي غيابه إلى الحرج ثم التكميلي الذي يرمز إلى حياة الرفاه والسكينة دون إسراف ولا تبذير، فالتمويل الإسلامي يعتمد منهج ترتيب الأولويات.

ولكننا نحتاج بصورة أخص لتطبيق التمويل الإسلامي لمساعدة الدول الأعضاء على تحقيق أهداف التنمية المستدامة لأن المعطيات والمؤشرات تؤكد أن كثيرا من الدول الأعضاء يعاني سكانها من الفقر والجهل والأمراض مع تراجع الخطط التنموية.

ففقراء العالم الإسلامي كانوا يمثلون حوالي 33% من فقراء العالم 2011 ، وكانت النسبة تمثل 22% سنة 1990 وهذه نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بما يمثله سكان المنظمة من سكان العالم. ويخشى أن تزداد هذه النسبة مستقبلا بسبب التقلبات الاجتماعية والسياسية في الدول الأعضاء.

ويبلغ عدد السكان الذين يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد في دول منظمة التعاون 214 مليون فقير يمثلون 68% من مجموع فقراء العالم الإسلامي.

أما البطالة فقد بلغت نسبتها في دول منظمة التعاون الإسلامي 7.4% عام 2016 وهي نسبة أدنى من المعدل المسجل في الدول المتقدمة ، في حين بلغت نسبة بطالة الشباب 16% وهي نسبة أعلى من المعدلات المسجلة في البلدان النامية غير الأعضاء في المنظمة وفي البلدان المتقدمة.*

هذه التحديات يمكن مواجهتها عن طريق التمويل الإسلامي الذي يشكل منهجا أخلاقيا عادلا ومتكاملا لتشجيع الإنتاج وتوزيع الثروة لتأمين الحياة الكريمة وهو مرقى متماسك وآمن للصعود إلى أهداف التنمية المستدامة .

ـــــــــــــــــــــــــــ

* راجع تقرير سوق العمل لمنظمة التعاون الإسلامي (2017 ) الصادر عن مركز الأبحاث الإحصائية والاجتماعية والتدريب للدول الإسلامية – سيسرك

عودة للصفحة الرئيسية