مبادرة "نثق في موريتانيا" (نشر الثقافة القانونية في موريتانيا)

الثلاثاء 11-12-2018| 12:46

محمد سيدي عبد الرحمن إبراهيم

يحتفل العالم اليوم، 10 دجنبر 2018، بالذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقـوق الإنسان الذي أقرت الأمم المتحدة ذكرى اعتماده ليكون عيدا عالميا للحقوق ومناسبة تتسابق فيها الشعوب لإشاعة المبادئ المضمنة في الوثيقة الأممية التي أعلن الشعب الموريتاني تمسكه بها في ديباجة دستوره. وتنص الفقرة الثانية من المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي : "يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا، وإلى تعـزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم.." لذلك وبالمناسبة أعرض في هذا المقال مبادرة لنشر الثقافة القانونية في موريتانيا وأمهد ببيان أهميتها في إقامة دولة القانون (1) قبل تناول واقع انتشار الأمية القضائية وتجلياته (2) وأخلص أخيرا لتصور تجسيد عملي للمرحلة الأولى من برنامج "نثق في موريتانيا" المتعلقة بتعميم الثقافة القضائية (3).
1.
تتكون أنظمة الحكم الأساسية للدول المتمدنة من ثلاث سلطات متكاملة ومتمايزة تتقاسم الصلاحيات وتوجه جل أنشطة المواطنين والمقيمين على إقليم ما فبينما تختص السلطة التشريعية في إقرار نصوص القانون العامة والمجردة التي يجب أن يخضع لها الجميع ولا يعذر أحد بجهلها، تختص السلطة التنفيذية في مبادرة وإعداد مشاريع القوانين وإصدارها ونشرها وتنفيذها وعندما ينشب نزاع ما بين أشخاص طبيعيين أو معنويين (شركات، جمعيات أو هيئات عمومية أو خصوصية) أو يدعي شخص التضرر من فعل غير مشروع أو ينازع في تأسيس تصرف الإدارة (السلطة التنفيذية) حينها يجوز للمدعي، إن توفرت فيه الصفة والأهلية وكانت له مصلحة مشروعة، أن يرفع شكوى إلى السلطة القضائية، المستقلة عن السلطتين، التي تفصل النزاعات وتصدر فيها قرارات محايدة يجب على الجميع الانصياع لها وعندما يمتنع المدان أو من يعمل لصالحه عــن الاستجابة تلزم القوة العمومية بمد يد العون لفرض احترام القرارات القضائية وتكريس سيادة القانون. وقد تتواجد بعض أجهزة الحكم في نقاط التقـاء سلطتين كما هو حال النيابة العامة التي تتقاطع على مستواها السلطتان القضائية والتنفيذية.
ولكن السلطات التقليدية الثلاث لم تعد المؤثر الأوحد في الحياة الاجتماعية فمع امتداد الأفق المدني واتساع هامش حرية التعبير بفعل وسائل التواصل التي "ملأت الدنيا وشغلت الناس" أصبحت تتواجد في رحاب السلطات المركزية لدولة القانون سلطات محيطة Pouvoirs Périphériques تحظى بقوة أدبية وتؤثر في الرأي العام بحكامه ومحكوميه عن طريق اتباع منهجيات مدروسة وخطط مقنعة قوامها استثمار رأس المال المعرفي. وتتعدد اهتمامات المنظمات غير الحكومية وأغراضها.. ومثلما تراقب الساكنة المتمدنة نظافة أحيائها وتنتقد تقصير المصالح المختصة وربما قامت بحملات تنظيف تطوعية، ينتظم بعض المواطنين في هيئات مدنية لمؤازرة ذوي الحقوق سعيا لتحقيق التوازن واحترام القانون ولذلك يضطلع المراقبون المستقلون بدور متعاظم في داخل الدول وحتى على الصعيد العالمي. وقد أضحت للمبادرات الفردية آثار ملموسة فكثيرا ما أسهمت بفضل ديناميكيتها في حل مشاكل مستعصية على السلطات العمومية.
إن تكريس سيادة القانون يتطلب فصل السلطات بحيث توقف كل واحدة منها الأخرى كما قال المنظر الفرنسي مونتسكيو لذلك فـمـن النافع توسيع دائرة الوعي المدني ليدرك المسؤولون حجم مسؤولياتهم ونطاق تصرفهم والحدود التي لا يجوز لهم تعديها إما لكونها محظورة أو داخلة ضمن صلاحيات آخرين وباعتبار الشعب هو فاعل فعل "سلط" ومفعوله فإن أنجع وسيلة لبناء دولة القانون هي إشاعة ثقافة الحقوق بين المواطنين بمختلف فئاتهم فكلما ارتفعت نسبة الوعي ارتقى أسلوب التعبير الأعلى عن إرادة المجتمع واشتدت الرقابة المدنية المناهضة للتعسف ونحت ممارسات السلطة نحو التقـيد بالضوابط المقررة في القانون وفي ظل ذلك المناخ تسطع شمس الحقوق ويتبدد ضباب الظلم ويتنفس المواطنون الصعداء.
2.
يلاحظ المطلعون على ظروف موريتانيا نقص الوعي المدني فيها بشكل حاد لا يسلم منه بعض المسؤولين السامين في الدولة لذلك تبرز أهمية إطلاق برنامج مدروس لنشر الثقافة القانونية وبالنظر لمحدودية فعالية نشاط السلطات الرسمية ولعيوب النشاط الحكومي المشخصة عالميا (البطء، التكلفة المرتفعة وتعقيد الإجراءات البيروقراطية) وبعد أن أصبحت المبادرات الخاصة تضطلع بدور كبير وناجع في توجيه المجتمع وتأطيره ارتأيت إطلاق مبادرة نشر الثقافة القانونية في موريتانيا "نثق في موريتانيا" بهدف العمل على تقليص النقص الملاحظ في التربية المدنية في المجتمع عسى أن تنعكس التوعية إيجابا على أداء المرافق العمومية وتسهم في بناء دولة القانون في موريتانيا. ولأن نشر الثقافة القانونية يتطلب عملا مستمرا وجهودا مضنية أقترح إنجاز البرنامج على مراحل والبدء بالأولويات التي أعتقد أن في مقدمتها نشر الثقافة القانونية المتعلقة بحقل القضاء الذي كثيرا ما عبر المطلعون عن عدم فهم مداخله وصلاحيات هيئاته المتشعبة. ولا مراء في أنه لكي نفيد من نظام ما ونثق فيه يجب أن نعرفه حق المعرفة فكيف نثق فيما لا نعرف؟
ولبيان سهولة التكوين ونجاعة المبادرات أسعى لأن أجعل من هذا المقال المحدود الدرس الأول في برنامج "نثق في موريتانيا" وسيكون من قرائن نجاح المبادرة أن يأنس أغلب من يطالعه في أنفسهم أنه تضمن إضافة، ولو بسيطة، لثقافتهم القانونية وإن تحقق بعض ذلك فمن المناسب أن نعمل على تعميم الفائدة.
إن قياس مستوى نقص المعرفة القانونية في مختلف فئات المجتمع الموريتاني يظهر تضاؤلا كبيرا للثقافة العدلية لدرجة يمكن معها القول بانتشار الأمية القضائية في صفوف قطاعات واسعة من المواطنين الموريتانيين من مختلف المستويات وربما يستغــرب القارئ أن جل أعضاء الحكومة والبرلمان (ناهيك عن غيرهم) غير ملم بالتشكيلات القضائية في موريتانيا ولا يعلم بأنها تتشكل، من حيث المبدأ، في درجتها الأولى (محاكم المقاطعات ومحكمة الولاية) من قاض فرد بينما تتشكل هيئات الحكم على مستوى الدرجة الثانية (محكمة الاستئناف) من ثلاثة قضاة ويرتفع العدد في طور النقض (المحكمة العليا) ليبلغ عدد هيئة الحكم خمسة أعضاء.. ولا يعلم الكثير من القانونيين الاستثناءات الواردة على قاعدة تصاعد عدد قضاة تشكيلات الحكم (1، 3، 5) فعلى مستوى الدرجة الأولى تتشكل المحاكم التجارية من ثلاثة قضاة ومحاكم الشغل من ثلاثة أعضاء (قاض رئيس وعضوان يمثل أحدهما العمال ويمثل الثاني أرباب العمل) بينما تتشكل المحاكم الجنائية من خمسة أعضاء ثلاثة منهم قضاة ومحلفان أما على مستوى الدرجة الثانية فتتشكل الغرفة الجزائية الخاصة من خمسة قضاة (يبتون في استئناف أحكام المحكمة الجنائية) وعلى مستوى النقض توجد غرفة مشورة تتشكل من ستة أعضاء (رئيس المحكمة العليا ونوابه رؤساء الغرف الخمسة) والغــرف المجمعة التي تضم ستة وعشرين عضوا (رئيس المحكمة العليا + نوابه رؤساء الغرف الخمسة + المستشارون بمعدل أربعة لكل غرفة).
ولا ينكر بعض المتعلميـن أنه لا يميز بين القضاء الجالس والواقف وربما حسب بعضهم وكيل الجمهورية كبيرا للقضاة لأنهم لا يدركون بأنه لا سلطان له على القضاة الجالسين وأن مسؤوليته هي تمثيل النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية ولذلك يخضع لأوامر رؤسائه الذين يمثلون النيابة على مستوى المحاكم الأعلى درجة وأن المدعي العام لدى المحكمة العليا هو كبير القضاة الواقفين مع أنه يتلقى الأوامر من وزير العدل ولذلك تعتبر النيابة العامة نقطة تماس بين السلطتين التنفيذية والقضائية كما أسلفنا.
وكمثال عملي على نقص الثقافة العدلية نلاحظ أن بيان اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، الصادر بتاريخ 28 أكتوبر 2018 المتضمن إعلان نتائج إعادة الشوط الثاني من الاستحقاقات البلدية في مقاطعتي عرفات والميناء (والذي سماه البعض الشوط الثالث) المنظم بتاريخ 27 أكتوبر 2018، هذا البيان، الذي نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء، استند للقـرارين رقم 80 و81 بتاريخ 4 أكتوبر 2018 ونسبهما للمحكمة العليا بينما القراران صادران عن غرفتها الإدارية ويفترض أن توجد قرارات بنفس الأرقام في مصنفات الغـرف الأخرى للمحكمة العليا، أي أن البيان لم يكن جامعا مانعا وعلته هي نقص الثقافة العدلية التي يلاحظ غيابها في تكوين الأطر.
3.
وسعيا للحد من الأمية القضائية أقترح أن يكون القضاء موضوع المرحلة الأولى من برنامج نشر الثقافة القانونية في موريتانيا ولتنفيذ ورشة "نثق في القضاء" يمكن الاعتماد في المرحلة التجريبية على كادر بشري ومعدات لوجستية جاهـزة تساعد في بدء البرنامج فورا وبدون تأخير.
تتمثل الخطوة الأولى في تبني برنامج "نثق في موريتانيا" من طرف السلطات العمومية والإشراف على إطلاقه بالتعاون مع المجتمع المدني ومع الأجهزة الأممية المختصة وشركاء التنمية الذين يتدخلون في تمويل مثل هذه الأنشطة ويقومون بتقديم المساعدة الفنية لها (كبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي PNUD ومشروع دولة القانون التابع للتعاون الأوروبي مثلا) وبالتنسيق بين هؤلاء يتم إطلاق برنامج وطني تحت تسمية "نثق في موريتانيا" واختيار منسق ولجنة توجيه على أسس موضوعية لإدارته وبدء العمل فيه بإعداد المادة التربوية والمحاضرات التي يتعين أن لا تتجاوز مدة الواحدة منها ساعتين وعددها الذي يحبذ أن لا يتجاوز اثنتين. قبل تصور طريقة تنظيم مسابقة شفافة لاختيار طاقم تكوين يمكن أن ينحصر عدده، في المرحلة الأولى، في ثلاثين أستاذا، بمعدل أستاذين لكل ولاية يتم انتقاؤهم من المحامين العاملين على أن يخضعوا لتكوين يتعلق بالموضوع وطريقة إلقاء المحاضرات.
وسبب اقتراح المحامين دون غيرهم أنه علاوة على معارفهم القانونية النظرية يفترض أن الممارسة المهنية مكنتهم من اكتساب معارف عملية في حقل القضاء الذي يحسنون استخدام مدوناته ويهتدون في أروقته ودهاليزه المتشابهة ومثلما يفضل غلمان مكة بعض الراسخين في فقه المناسك ويمدون إليهم يد المساعدة في الحج يفضل العاملون في القضاء غيرهم من الأساتذة ولو كانوا حاملين لشهادات عليا.. ومثلما يحكى أن أحد الفقهاء وقف لصلاة ركعتين تحية للمسجد الحرام قبل أن يبتدره أحد غلمان الحرم قائلا : تحية مسجد مكة الطواف، حدثني كاتب ضبط بانواذيبو، منذ سنوات، بأن أحد المحامين من أساتذة الجامعة، الذين لم يتلقوا التدريب، بعد تقديمه استئنافا ضد قرار صادر عن محكمة ابتدائية في انواذيبو، طلب من كتابة الضبط إحالة ملف القضية لمحكمة استئناف انواكشوط : لأن الأستاذ لم يكن يعلم، فيما يبدو، بأن الحكم الصادر عن محكمة ابتدائية ما يبت في استئنافه، من حيث المبدأ، من طرف محكمة الاستئناف المختصة ترابيا والتي تقع في دائرتها المحكمة الابتدائية.
أما فيما يتعلق بالوسائل اللوجستية فأقترح تأهيل قاعات الجلسات بالمحاكم التي يمكن أن تحتضن محاضرتين يوميا من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثانية عشر زوالا (الوقت الذي تبدأ فيه جلسات المحاكم عادة) على أن يتم تقديم الدورة الأولى لصالح الطاقم الحكومي وحبذا لو حضر رئيس الجمهورية، رئيس المجلس الأعلى للقضاء وأعلن انطلاقة البرنامج وتابع محاضرتين لا تعدو مدة واحدة منهما ساعتين، تمكنانه من فهم النظام القضائي الوطني واستلم، أمام الجميع، الشهادة رقم 1 من برنامج "نثق في موريتانيا" في خطوة رمزية تهدف لتحفــيز الجميع للانخراط في الخطة قبل أن تفـد أفواج البرلمانيين والأمناء العامين للوزارات والمديرين المركزيين بالقطاع العام والصحفيين والأساتذة.
وعندما يتكلل البرنامج بالنجاح وتنجلي عن الكثيرين الغشاوة التي تمنعهم من رؤية القضاء بوضوح، ستسعى بعض الجامعات والمعاهد وغيرها من الهيئات التعليمية العامة والخاصة لتنظيم دورات لنثق في موريتانيا.. وبعد اختفاء الأمية القضائية في صفوف الأطر والمسؤولين وقادة الرأي يمكن التفكير في دمج برنامج "نثق في موريتانيا" في المناهج التعليمية وسيكون من أسباب سعادة تلاميذ الثانوية الجلوس في قاعة المحكمة لمتابعة درس تطبيقي يقدمه محام يرتدي لبوسا خاصا يعطي فكرة عن الوسط القضائي.

عودة للصفحة الرئيسية