موريتانيا و الرئيس القادم بين حقيقة الواقع و متطلبات المستقبل

موريتانيا و الرئيس القادم بين حقيقة الواقع و متطلبات المستقبل_ رسالة إلى الحاكم و المحكوم

الثلاثاء 11-12-2018| 11:00

د. محمد محمود ولد أعلي

تمر بلادنا بمرحلة وطنية وسياسية حاسمة تتميز بسؤال مهم لدينا جميعا وهو أين تتجه موريتانيا؟ أو من سيحكم البلاد؟ أو من عليه أن يحكمنا في الفترة القادمة؟ وبحكم أن الموضوع قد خاض فيه بعض مثقفينا مثل الأستاذ محمد يحظيه ولد بريد الليل و فقهاؤنا مثل الفقيه اسلم ولد سيدي المصطف، بحيث تم تصنيف بعضهم بالنظرة التشاؤمية للمعارضة والآخرون بالمتفائلين الموالون للسلطة فإنني بالرغم من أني من الموالين سأحاول أن أكون موضوعيا في الطرح ومبينا للواقع الايجابي منه و السلبي ومستنبطا للحلول.

بما أننا دولة تعتمد في الحكم على النظام الرئاسي الذي يعطي للرئيس جل الصلاحيات إن لم نقل المطلقة في السلطة, فان منصب رئيس الجمهورية يعتبر مهما جدا في نظامنا السياسي، و من خلال التاريخ السياسي للحكم في موريتانيا نجد أن هناك نمطين من الأحكام هي : المدنية و العسكرية و بالنسبة لنا فانه لكل منها ايجابياته و سلبياته إلا أنه بعد مجيء الديمقراطية التعددية مع دستور 1991م و التي اعتمدت الحكم الديمقراطي بدأ الصراع على السلطة محليا على مستوى البلديات و وطنيا على مستوى النيابيات, هذا الصراع الذي رسخ القبلية و الجهوية و جماعات اللوبيات على المستوى الأيديولوجي و الليبرالي الرأسمالي, و قد حصل كل ذلك بسبب استخدام النظام آنذاك لسياسة شراء الذمم و المنفعة والتخويف و التجويع كاستيراتيجية لثبات حكمه و السيطرة على الأمور, حيث استغل من أجل ذلك موارد البلد مما أدى إلى استسلام الجل إن لم نقل الكل لواقع التنافس السلبي على السلطة المعنوية و المادية التي يمنحها النظام القائم ، هذا الواقع خلق انقلابا للأسف الشديد في قيم و أخلاق المجتمع و خاصة لدى الطبقة السياسية و النخبة ، حيث غابت قيم الصدق و القناعة و الأمانة و الوفاء و الوطنية و حلت محلها قيم النفاق و المادية و الانتهازية و الخيانة و الأنانية مما أدى إلى فساد هذه النخب التي رضخت لهذا الواقع مفضلة الانتفاع و المصالح الشخصية على المبادئ و المصلحة العامة, مما سبب فسادا كبيرا في الدولة بل و في الحياة العامة, و بالتالي التأخر عن ركب التنمية و التطور المنشود.
و انطلاقا من واجبنا الديني و المسئولية الوطنية اتجاه الحاكم و المحكوم في تبيين الحق و النصيحة بخصوص شأن البلد ها نحن نقدم لكم رأينا حول الوضع الحالي بايجابياته و سلبياته و ما يتطلبه المستقبل،
فبالنسبة للايجابيات فان هذا الوضع يتسم بتغير الأوضاع محليا و دوليا منذ وصول فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز للحكم, حيث انتهج سياسة تصحيحية اعتمدت على إعادة رد الاعتبار لهيبة الدولة و محاربة الفساد على جميع المستويات مما مكن من ترشيد موارد الدولة, هذه الموارد التي ساهمت في تصحيح أوضاع جل مؤسسات الدولة التي كانت آنذاك في حالة إفلاس تام بسبب الديون المتراكمة عليها, إضافة إلى تحقيق مكتسبات مهمة على جميع الأصعدة الدبلوماسية ( كترؤس بلادنا للاتحاد الإفريقي و جامعة الدول العربية و استضافتها لقممهما و فكرة إنشاء مجموعة دول الساحل و تحقيق سمعة و مكانة دولية و الريادة في حل أزمات دول الجوار...الخ) و العسكرية الأمنية التي تجسدت في التطور الملحوظ لجيشنا و قواتنا المسلحة و الأمنية تكوينا وتجهيزا و لله الحمد مما مكن من حماية بلدنا و حدوده و الاعتماد علينا في المنطقة في مجال محاربة الإرهاب و تحقيق الأمن.
و أما الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية فقد تجلت في النهضة التي شهدتها جميع قطاعات الدولة و خاصة على مستوى البنى التحتية ( كالسكن،الطرق، الموانئ، المطارات...الخ) و الصحية ( كتشييد المستشفيات الجهوية و المراكز و المعاهد و المدارس الصحية المتعددة التخصصات، توفير تصفية الكلى في جميع الولايات، التجهيزات الطبية...الخ) و التعليمية ( مثل تشييد الجامعات و إنشاء الكليات كالطب و المعاهد و المدارس العليا الفنية و المتخصصة) و الخدمية (كالمياه آفطوط الشرقي و أظهر و الكهرباء كزيادة إنتاج الطاقة و تعدد مصادرها خاصة النظيفة منها الشمسية و الهوائية...الخ). إضافة إلى الأمن الغذائي عن طريق دعم الزراعة مما أدى إلى تحسن المنتوج المحلي و زيادته حتى اقتربنا و لله الحمد من تحقيق الاكتفاء الذاتي و خاصة في مادة الأرز و كذلك برنامج أمل و الشركة الوطنية لتوزيع الأسماك اللذين يساعدان الفئات الهشة بتوفير المواد الغذائية الأساسية لها بأسعار مخفضة في متناولهم.
و أما بالنسبة للسلبيات التي نعاني منها حاليا فمن أهما غياب العدل و المساواة في الكثير من الأمور من بينها هضم حقوق البعض من أصحاب الحق من الضعفاء و عدم تطبيق القانون على الأقوياء و عدم متابعة المفسدين من أصحاب النفوذ و انتشار الزبونية و الوساطة و الرشوة و التزوير و اختلاس المال العام، إضافة إلى تهميش أصحاب الكفاءات المعروفين بحسن الأخلاق و النزاهة و الاعتدال و إعلاء شأن أصحاب الكذب و النفاق و التملق النمامون المخادعون المحتالون ممن لا قاعدة شعبية لهم سوى التشدق بالكذب و خدع الحاكم بالتطبيل و التزمير، بل و تحكمهم عن طريق تعيينهم في هرم السلطة، بحيث نشاهد إعادة تعيين بعض ممن حكم عليهم في ملفات الفساد و تعيين البعض الآخر من الشارع في مسؤوليات ليس لهم أي مستوى ولا خبرة في تسييرها في حين يكون هناك من هو أحق بها وفي القطاع نفسه و كذلك انتشار البطالة و خاصة في أوساط الشباب حاملي الشهادات هذه البطالة التي تفاقمت مع تسريب عمال المؤسسات التي تمت تصفيتها كسونمكس و أنير و النفاذ الشامل...الخ
و قد انتشرت هذه السلبيات مؤخرا شيئا ما بعد القضاء عليها في بداية حكم فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز, و ذلك بعد إعطاء هذا الأخير في الفترة الأخيرة الصلاحيات التامة للمسئولين في الحكومة في تسيير قطاعاتهم و اختيار معاونيهم, حيث استغل هؤلاء المسئولين تلك الثقة لتوجيهها في مصالحهم و رغباتهم الشخصية بتعيين زبانيتهم من المفسدين المتخصصين في الاحتيال على المال العام الذي يتقاسمونه بينهم بلا خوف ولا حياء ومن دون حساب

و أما بخصوص متطلبات المستقبل فإنها تتركز في أن نحاول جميعا حكاما و محكومين كل من موقع مسؤوليته حماية الوطن في هذا الظرف الحساس عن طريق الحفاظ على المكتسبات الآنفة الذكر و التغلب على السلبيات المذكورة سابقا و خاصة المتعلقة منها بالعدالة الاجتماعية و المساواة في الحقوق و الواجبات و مواصلة محاربة الفساد و المفسدين بحزم و الاعتماد في اختيار المسئولين على الأطر من أصحاب الكفاءات و النزاهة و السمعة الطيبة.
و بعد كل ما تقدم و نظرا للوضعية الأمنية الحساسة التي يمر بها محيطنا الإقليمي و الدولي و الذي يعاني في هذا الظرف من التأزم و التشتت بسبب الفتن و الحروب نسأل الله السلامة و العافية, و بما أن الله عز و جل حبانا بمؤسسة عسكرية و أمنية قوية و متماسكة يتميز ضباطها الحاليين بالخبرة و الحكمة و الوطنية و نظرا لايجابيات الشخصية العسكرية و أهمية دورها خاصة في هذا الزمان, فإنني أرى أن الحاكم أو الرئيس القادم من المفضل أن يكون في الخيارين التاليين الأول أن يكون من أصحاب المؤسسة العسكرية و خاصة من القيادات الحالية لكونهم أكثر إحساس بالوطنية و المسؤولية، و ذلك راجع لتكوينهم العسكري المعتمد على حب الوطن و التضحية من أجله عكس السياسيين الذين يفضلون مصالحهم الشخصية و الضيقة على مصلحة الوطن وهي الثقافة السياسية السائدة للأسف الشديد في بلادنا, و لهذا فإننا نلاحظ أن كل العسكريين الذين حكموا البلاد تكون بداياتهم طيبة و حسنة و مليئة بالانجازات و تتراجع بعد ذلك عندما يعتمدون على السياسيين الذين لا يهمهم غالبا سوى الانتفاع و الغنى الفاحش و السريع و الأنانية و إقصاء الآخر.
و أما الخيار الآخر أن يكون من المدنيين التكنوقراط الوطنيين لهم خلفية أو إلمام بالمجال العسكري و الأمني لما يتطلبه هذا المجال من أهمية في الوقت الحاضر و الذي حققنا فيه ريادة إقليمية و دولية يجب المحافظة عليها و على المكتسبات المحققة و المذكورة سابقا و مواصلتها مع القضاء على السلبيات التي تقدم ذكرها.

حفظ الله بلادنا موريتانيا و جميع بلاد المسلمين

عودة للصفحة الرئيسية