بيانات وزارة الخارجية.. أخطاء لغوية ودبلوماسية شنيعة!

الأربعاء 17-10-2018| 12:00

محمد الأمين ولد الفاضل

في يوم 15 أكتوبر 2018 أصدرت وزارتنا للشؤون الخارجية والتعاون البيان التالي :

"إن الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي تربطها بالمملكة العربية السعودية قيادة وشعبا علاقات أخوة راسخة تتابع باهتمام بالغ ما يثار حول قضية اختفاء المواطن السعودي جمال خاشقجي . وفِي هذا الإطار تدعو موريتانيا إلى توفير ما يلزم لمهنية وشفافية التحقيق المشترك الجاري ومنحه الوقت الكافي لكشف الحقيقة.
كما تستنكر موريتانيا حملة الادعاءات المغرضة التي لا تخدم لا شفافية التحقيق الجاري ولا مصداقيته. وتدعوا إلى ضرورة التروي والتريث بدل التسرع في الحكم واعتماد الشائعات".
تزامن إصدار هذا البيان مع تسريبات وأحاديث تقول بأن النظام السعودي قد بدأ يفكر بجد في الاعتراف بقتل جمال خاشقجي داخل قنصلية السعودية في تركيا عن طريق الخطأ، فالمقصود كان الاختطاف وليس القتل، وأن كل ذلك لم يكن نتيجة لأوامر عليا، وفي هذا الإطار تتنزل استنتاجات الرئيس الأمريكي التي تقول بوجود قتلة مارقين قد يكونون هم من نفذ هذه الجريمة البشعة، والتي يكفيها بشاعة أن تقطيع جسد جمال خاشقجي قد تم على أنغام موسيقية.. يا للفظاعة ..يا للهول ..يا للبشاعة.
إنها بحق لجريمة بشعة، ولكن لا يعني ذلك بأنه على موريتانيا أن تتخذ موقفا متسرعا، بل على العكس من ذلك، فيمكن القول بأن الوزارة قد أحسنت بدعوتها إلى " إلى ضرورة التروي والتريث بدل التسرع في الحكم واعتماد الشائعات"، مع أنها ـ أي الوزارة ـ كانت أصلا في غنى عن إصدار بيان كهذا، في مثل هذا الوقت الذي بدأ فيه النظام السعودي يفكر بالاعتراف بمقتل الخاشقجي عن طريق الخطأ.
اللافت في الأمر أن الدعوة إلى التروي والتريث في بيان الوزارة الصادر يوم 15 أكتوبر 2018 قد غابت تماما عن بيان الوزارة الصادر يوم 6 يونيو 2017، والذي أعلنت بموجبه بلادنا عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الشقيقة قطر، وهذا نص بيان قطع العلاقات مع قطر : " أكدت الجمهورية الإسلامية الموريتانية في كل المناسبات التزامها القوي بالدفاع عن المصالح العربية العليا، وتمسكها الثابت بمبدأ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وسعيها الدؤوب لتوطيد الأمن والاستقرار في وطننا العربي والعالم. وقد عكست مواقفها دوما قناعتها الراسخة بضرورة تعزيز التعاون والتضامن بين الأشقاء، والتصدي لكل ما من شأنه تهديد الأمن والاستقرار في وطننا العربي.
لكن، وللأسف الشديد، دأبت دولة قطر على العمل على تقويض هذه المبادئ التي تأسس عليها العمل العربي المشترك.فقد ارتبطت سياستها في المنطقة بدعم التنظيمات الإرهابية، وترويج الأفكار المتطرفة. وعملت على نشر الفوضى والقلاقل في العديد من البلدان العربية، مما نتج عنه مآسي إنسانية كبيرة في تلك البلدان وفي أوروبا وعبر العالم؛ كما أدى إلى تفكيك مؤسسات دول شقيقة وتدمير بناها التحتية.
وفي ظل إصرار دولة قطر على التمادي في هذه السياسات التي تنتهجها، قررت حكومة الجمهورية الإسلامية الموريتانية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة قطر". 
لم تتريث الحكومة الموريتانية كما طالبت في بيانها الأخير، بل سارعت إلى قطع العلاقات مع دولة قطر، وكان ذلك بعد يوم واحد فقط من إعلان السعودية والإمارات ومصر والبحرين عن قطع العلاقات مع قطر، فأين التروي والتريث في قرار قطع العلاقات مع قطر؟ ولماذا لم تتخذ الحكومة الموريتانية من الأزمة الخليجية موقفا عاقلا وراشدا مشابها للمواقف التي تم اتخاذها في المغرب والجزائر وتونس، وهي مواقف محايدة مع إبداء الاستعداد لدعم أي وساطة تسعى لحل هذه الأزمة المتفجرة بين الأشقاء؟
أشير إلى أن بيان "التروي والتريث " قد ختم بخطأ لغوي شنيع، وذلك عندما أضاف ألفا إلى "تدعوا"، ولكنه مع ذلك سيبقى أقل أخطاء من بيان سابق أصدرته وزارة الخارجية الموريتانية في يوم 6 أغسطس 2018 تعليقا على الأزمة الدبلوماسية التي تفجرت بين السعودية وكندا، والتي جاءت بسبب تغريدة لوزارة الخارجية الكندية، عبرت من خلالها عن قلقها بشأن حالة حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية.
إليكم نص البيان المذكور، والذي يصعب أن تجدوا فيه سطرا واحدا بصياغة سليمة أو بدون خطأ إملائي :
" إن الجمهورية الإسلامية الموريتانية تعتبر أن التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان (على أساس ذريعة زائفة بالدفاع عن حقوق الانسان)غير مقبول ويتنافى مع العرف الدبلوماسي والعلاقات الدولية
وان هذا التدخل لا يخدم السلم والأمن الدوليين بل بالعكس ممكن ان يهدد الأمن والاستقرار. فلذا لقد تفاجأنا بما قامت به وزيرة الشؤون الخارجية الكندية والسفارة الكندية في المملكة العربية السعودية الشقيقة من تدخل سافر في قضايا ما زالت امام القضاء وخاصة بإعطائها أوامر بالإفراج الفوري عن موقفين أمام القانون في بلد ذا سيادة.
وإننا نعرب عن تضامننا وتعاطفنا الكامل مع المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا ونطلب من كندا سحب هذا التصريح الغير مسبوق".
بدأت الأزمة الكندية السعودية في الانفراج، وربما تؤدي تداعيات مقتل الخاشقجي إلى انفراج في الأزمة بين السعودية وقطر، وفي كلتا الحالتين فستجد موريتانيا نفسها في حرج شديد، وذلك بعد أن اتخذت مواقف خاطئة ومتسرعة، وغاب عنها التريث والتروي كما دعا إلى ذلك بيان الوزارة الأخير.
وتبقى كلمة أخيرة
على وزارة الخارجية الموريتانية أن تكتتب مدققا لغويا فمثل هذه الأخطاء اللغوية الشنيعة لم يعد بالإمكان تحملها، أما الأخطاء الدبلوماسية فهي أشنع وأخطر.
حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين ولد الفاضل

elvadel@gmail.com

عودة للصفحة الرئيسية