فكرة مُعادة للمرة الثالثة

الجمعة 12-10-2018| 12:05

محمدو ولد البخاري عابدين 36224642

أشرف وزير الاقتصاد والمالية السيد المختار ولد اجاي قبل أيام بمباني الوزارة في نواكشوط على تدشين مركز لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والاستثمار وريادة الأعمال في موريتانيا.

ويهدف هذا المركز الى نشر وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال وخلق قيمة مضافة وتمكين الشباب والمرأة من خلال تقديم مجموعة متكاملة من الخدمات تساهم في تحويل افكار وآمال الشباب الى مشاريع قائمة.

وحسب الوكالة الموريتانية للأنباء فقد " أكد الوزير في كلمة له بالمناسبة أن إنشاء مركز لتنمية المؤسسات وريادة الاعمال في موريتانيا يندرج في اطار الجهود الرسمية لدعم وتنويع الاقتصاد الوطني، فضلا عن كونه جاء نتيجة التعاون القائم بين الوزارة ومكتب ترويج الاستثمار والتكنولوجيا التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في مملكة البحرين والمركز العربي الدولي لريادة الاعمال والاستثمار.

وقال إن افتتاح هذا المركز يعتبر تتويجا لسلسلة من اللقاءات والدورات التدريبية التي نظمها المركز الدولي العربي لريادة الاعمال لصالح مجموعة من موظفي الوزارات والمؤسسات ذات الصلة بالأنشطة والفعاليات الرامية الى تفعيل دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في توفير وتنويع فرص العمل سبيلا الى تمكين الشباب والمرأة من خلال تحفيز المبادرات الاستثمارية في هذا المجال.

وبدوره قال المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية لبروفسور ابراهيم الدخيري إن موريتانيا تزخر بطاقات شبابية واعدة وفرص استثمارية تشمل السياحة والصناعة والزراعة والتجارة ومجالات أخرى خدمية وحرفية.
وأشار الى أن إنشاء هذا المركز سيساعد على ترسيخ مفهوم وآليات ريادة الاعمال في موريتانيا انطلاقا من أسس صلبة وتجارب دولية أثبتت نجاحها في 52 دولة حول العالم، فضلا عن تقديم أفضل الخدمات التي تمكن من انشاء مشروعات مستدامة وتحقيق نمو المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة ". 

كلما سمعت هذه المصطلحات ( تنويع الاقتصاد الوطني، القيمة المضافة، ريادة الأعمال، التمكين للشباب والمرأة، المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.. ) فإن أول ما يقفز إلى ذهني هي تلك الأنشطة الاقتصادية التي لا تتطلب ما تتطلبه الصناعات المركبة والثقيلة عادة من خبرات ويد عاملة مدربة ورأس مال كبير وبنى تحتية وأسواق لا زمة لذلك النوع من الصناعات.. خصوصا منها تلك التي لدينا لها مصادر بشرية ومواد أولية وقدر من الخبرات يمارس أصحابها هذه الأنشطة منذ عقود، ولا يحتاجون سوى إلى تعميق خبراتهم وعصرنة وسائلهم وتوفير رأس المال لترقية أنشطتهم وصناعاتهم لتكون قادرة على تلبية الطلب والذوق المحليين، وعلى المنافسة محليا وإقليميا، خاصة بعد افتتاح المنفذ الحدودي بين بلادنا والجزائر وما سيفتحه من فرص تبادل وتسويق، وكذلك شراكتنا المرتقبة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، تلك الشراكة التي لن تكون كفتنا فيها راجحة و ميزاننا التبادلي فيها موجبا إلا إذا كان لدينا ما نقدمه مقابل ما نأخذه من هذه السوق.

ومن هذه الانشطة التي دائما ما تقفز إلى ذهني، عند الحديث عن تنويع الاقتصاد وخلق القيمة المضافة، الانشطة المتعلقة بالنسيج وصناعات الجلود، وقد كتبت عنها سابقا مع بداية إعداد الدولة للاستراتيجية الوطنية للنمو المتسارع والرفاه المشترك، إذ لا نمو ولا رفاه مشترك بدون تثمين المصادر البشرية والمادية المحلية، والتركيز في ذلك على أرياف بلدنا ومناطقه الداخلية حيث الحاجة الماسة لهذا النمو والرفاه.. كما كتبت عن نفس الموضوع ثانية تزامنا مع التظاهرة التي أطلقها المجلس الأعلى للشباب السنة الماضية تحت شعار ( صنع في موريتانيا )، وأعيد اليوم نشر هذه الأفكار على ضوء تدشين هذا المركز ( مركز تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والاستثمار وريادة الأعمال في موريتانيا ). وسنجد أن هذه الأنشطة، أي النسيج وصناعات الجلود، هي من صميم الأنشطة الممارسة من طرف شريحتي النساء والشباب.. 

فمنذ ستينات أو سبعينات القرن الماضي، والشركة الموريتانية للزرابي في مكانها بمقاطعة لكصر بنفس البناية والوسائل ونفس الإنتاج، حيث ظل إنتاج هذه الشركة مقتصرا على إنتاج قطع من السجاد وبكميات محدودة نظرا لندرة المواد الأولية المتمثلة في وبر الإبل، بالإضافة إلى نقص الموارد والوسائل اللازمة لتكوين العدد الكافي من اليد العاملة وتطوير وزيادة الإنتاج، مما جعل هذا النوع من السجاد يأخذ طابع إنتاج حرفي غالي الثمن لا يمكن تسويقه إلا من خلال عرضه في المعارض التراثية الدولية، أو باقتنائه من طرف بعض المؤسسات الرسمية كالرئاسة والوزارات بهدف التشجيع.. فلا أثمانه متاحة للكثير من المستهلكين، ولا هو ملب لأذواقهم من ناحية ألوانه وتصاميمه أمام أنواع السجاد المستورد.

لقد ظلت هذه الشركة في مكانها ووسائل إنتاجها، لكنها مع ذلك كونت مجموعات من النسوة اللائي أصبحن يتقن هذه الحرفة، ولا تزال قادرة على تكوين المزيد منهن لو توفرت لها الموارد، وهي بالتالي بنية تحتية قائمة سيكون من المفيد جدا استغلالها في قيام صناعة نسيجية بشكل أوسع، فقد تركزت اقتصاديات مهمة وقامت حضارات كبيرة على النسيج عبر التاريخ، كالحضارات الفارسية والعثمانية والصينية.. ولذلك استمدت السجادة ( التركية ) عندنا اسمها من تركيا.. إلا أن السجاد الإيراني هو اليوم من أفخر أنواع السجاد العالمي بزخارفه وملمسه الناعم وألوانه ، وتبلغ مداخيل البلاد منه 440 مليون دولار سنويا و 80% منه موجه للتصدير.

ولا يوجد بيت موريتاني، في الحضر خصوصا، إلا و به قطعة سجاد على الأقل، ومن لا يستطيعون اقتناء السجاد الفاخر من المواطنين يلجأون لاقتناء الأنواع العادية منه، ذلك أنه من أساسيات أمتعة وديكور البيت الموريتاني.. مما يجعل صناعته بهدف تغطية السوق المحلي، كهدف أولى، صناعة مجدية بشرط أن تكون منافسة ومتنوعة وملبية لأذواق الجميع، وذات أسعار تأخذ في الاعتبار مستويات المستهلكين، ليكون منها الفاخر بالنسبة للقادرين، ومنها المتوسط ومنها ما دون ذلك.

وقد تدخلت خيرية " اسنيم " مؤخرا في هذا القطاع وذلك بتمويل مراكز لتجميع الوبر داخل البلاد، لكن ذلك يظل في إطار محدود يكرس النظرة لصناعة النسيج كنشاط تراثي، وليس كمورد اقتصادي هام لو أحيط بالعناية لعادلت مردوديته مردودية قطاعات إنتاجية أخرى، ولتفوق على تلك القطاعات بسهولة ممارسته في كل مناطق البلاد، وبقدرته على استيعاب أعداد كبيرة من نساء الريف العاطلات بل وحتى رجاله، فالنظرة السائدة عندنا بكون النسيج نشاط نسوي بحت هي نظرة تخصنا فقط لكنها ليست مسلمة، فالكثير من معامل النسيج بالعالم يشغلها ويشرف عليها رجال.

فالمطلوب إذن هو استيراد خيوط النسيج المتوفرة عالميا بنوعيات وألوان مختلفة، بالإضافة إلى أدوات وآلات النسيج الحديثة وتكوين النساء عليها، وأنا متأكد من أن النساء الموريتانيات قادرات بعد تكوينهن على إنتاج أنواع فاخرة من السجاد بنمنمات ورسومات هندسية وألوان لا تقل جودة وإبداعا عن تلك المستوردة والموجودة اليوم في الأسواق المحلية، ولا تعارض كذلك بين إقامة معامل نسيج عصرية بهدف تجاري، وإبقاء شركة الزرابي على الجانب الحرفي التراثي من إنتاجها إذا كانت ترى ضرورة للإبقاء عليه.

والنسيج يتميز دون غيره من الأنشطة الأخرى بكونه أحد الأنشطة غير المعقدة، والتي لا تتطلب مستوى من التعليم ولا الكثير من الوسائل، حتى أنه يمكن تركيب آلات للنسيج اليدوي في غرفة من طين أو كوخ من قش في قرية نائية.. ومن المعلوم أن أريافنا وقرانا تتميز بهجرة الرجال إلى المدن بحثا عن عمل وبقاء النساء بدون عمل ما عدا الأعمال المنزلية، ولنتصور المداخيل المهمة التي ستدرها صناعة النسيج لو تم تكوين مجموعات من النساء بكل قرية وكل مدينة وتزويدهن بخيوط وآلات النسيج، على أن تكون تلك الوحدات الإنتاجية تحت إدارة وإشراف وتأطير تنسيقية واحدة، وخير من يتولى تلك التنسيقية هي شركة الزرابي الحالية بحكم خبرتها وتجربتها الطويلة في هذا المجال، لتكون المناطق الداخلية مناطق إنتاج، وتكون العاصمة مركز تجميع وتسويق. فملايين الأوقية التي يتم توزيعها سنويا على التعاونيات النسوية، والتي تصل لكل تجمع نسوي بمبالغ ضئيلة بسبب كثرة تلك التعاونيات فتضيع دون أن تكون لها مردودية، لا على الدورة الاقتصادية ولا على التعاونيات نفسها، لو تم توجيه تلك المبالغ المهدورة سنويا لإنشاء مجمعات نسيج في الداخل لكانت فائدتها أكبر وأعم.

نحن أيضا وكما هو معروف بلد به ثروة حيوانية معتبرة، وبالتالي بلد منتج للجلود بكم كبير، وفيما عدا الجزء اليسير الذي تستوعبه الصناعات التقليدية الجلدية مما تنتجه المسالخ من الجلود يوميا، فإن وجهة الباقي منها هو التلف، أو ما يشتريه أجانب بأثمان بخسة يقال إنهم يصدرونه لنيجيريا التي تعتبر الجلود مادة غذائية في بعض مناطقها ! وكثيرا ما حسدنا الأجانب على هذا المورد الاقتصادي الهام، واستغربوا إهماله وتركه دون استغلال..! في الوقت الذي لدينا صناع تقليديون مهرة منذ عقود وهم يُشغلون معامل بسيطة لصناعة أنوع جيدة من النعل الجلدي مثل ( أدراما وابناؤه ) و ( زار ) وغيرهم، لكن هؤلاء أيضا، وعلى غرار شركة الزرابي، يعانون من نقص الوسائل ويعتمدون في صناعتهم على وسائل بدائية، مما يجعل ما ينتجونه من النعل محدود الكمية وغالي الثمن. وهناك أيضا شباب دخلوا هذا الميدان مؤخرا من خلال إقامة ورشات لصناعة النعل اعتماد على مواد أولية ابلاستيكية مستوردة، وتلقى صناعتهم إقبالا من لدن المستهلك المحلي، لكن إنتاجهم هو الآخر لا يزال بسيطا ومعتمدا على وسائل يدوية بدائية.

هذا النشاط لو أحيط هو الآخر بالعناية، وتم النظر إليه كنشاط له مردودية كبيرة، فسيكون له أثر كبير في مجال التشغيل وتثمين الموارد المحلية، لكن ذلك لن يتحقق إلا بإدخال وسائل الإنتاج العصرية في صناعته، كالتقنيات الحديثة لدباغة الجلود وصباغتها وتلميعها وتقويتها وأدوات نقشها وماكينات الخياطة الخاصة بها، وكلها متوفرة في الأسواق العالمية، ولا ينقص سوى اقتناءها ومن ثم تكوين صناع النعل الحاليين، وكل من لديه الاستعداد للعمل في هذا المجال من الشباب على هذه الآلات، وإقامة وحدات إنتاج عصرية يتم التركيز في إقامتها على المناطق الداخلية أساسا لتشغيل العديد من العاطلين عن العمل هناك، وخلق أنشطة موازية بعضها لجمع وإعداد الجلود، وبعضها لدباغتها وتلميعها، وبعضها الآخر للإعداد النهائي والتصنيع وذلك لتوسيع شبكة المستفيدين. ومهما تكن نوعية هذا النعل فإنها ستظل ذات جودة أعلى من الكثير من المنتجات القادمة من الصين مثلا والتي أغلبها ابلاستيكي، وستتميز عنها بكونها صناعة وطنية تطال فوائدها وعائداتها أكثر من جهة.

عودة للصفحة الرئيسية