رد على تلبيسات محمد بن المختار الشنقيطي

الأربعاء 4-11-2009| 10:01

لا ينكر المنصفون عبر التاريخ أن الكثير ممن حادوا منهج السنة كانوا أناسا متميزين بحدة الذكاء والنباهة والقدرة البالغة على الحجاج والجدال، ولكنهم اغتروا بذكائهم وثناء الناس عليهم واختاروا أن يجادلوا منهج السنة والجماعة وأن يستدركوا على الصحابة. وأحسب أن ما يكتبه محمد بن المختار الشنقيطي منذ فترة في نقد منهج أهل السنة والجماعة يدخل ضمن هذا المسار، فمن ذلك مقاله "مخاض الفكر السلفي" الذي طوره إلى كتاب هاجم فيه مناهج المحدثين وطعن في الصحابة الكرام ـ باسم عدم تقديسهم ـ مسميا منهج أهل السنة والجماعة في التعامل معهم باسم التشيع السني!

ومع أن المفروض، وهو يخرج على الساحة بأطروحاته تلك، أن يقدم لكتابه أحد أهل الصنعة أو الفن كما يقولون أي أحد علماء الحديث أو المحدثين، حتى يطمئن القارئ غير المتخصص أنه بصدد القراءة لرجل متخصص وليس لحاطب ليل. إلا أنه لم يجد إلا راشد الغنوشي ليقدم لكتابه ذاك! مع أن الجميع يعلم أن الغنوشي لا علاقة له بالعلم الشرعي وخاصة علم الحديث بالذات، وهو ليس حتى من طلاب العلم فضلا عن أن يكون من العلماء.

والحقيقة، أن محمد بن المختار لم يجد أحدا من أهل العلم والتخصص يزكي كتابه ذاك فاضطر إلى الغنوشي، متبعا منهج شيخه الترابي. وهو يقول في مقدمته التي قدم بها لكتاب محمد بن المختار بأن ما أعجبه في كتابه، هو تجريده للخصم ـ ويعني هنا أهل السنة المتبعين لمنهج السلف الصالح ـ من مقولاته.

والغريب هو أن محمد بن المختار الذي تعرض إلى هجمة كبيرة من بعض علماء اليمن عندما كان ينشر أفكاره تلك في إحدى الصحف اليمنية أثناء إقامته هناك، يرفض المناظرة مع أهل التخصص في أفكاره العجيبة التي يطرحها.

ولا بد لي من بيان أن محمد بن المختار إنما يدافع هنا عن نفسه وعن تاريخه، ونقد الترابي وإسقاطه هو إسقاط له في الواقع وخاصة في بلاده موريتانيا، ذلك أنه كان أهم من روج لمنهج وفكر الترابي هناك، حتى صار يعرف به، فإذا قيل محمد المختار قيل الترابي والغنوشي.

وأنتقل، بعد أن وضعت الموضوع في إطاره، إلى مقال محمد المختار، فقد وجدته يحاول استبلاه القارئ بمزاعم عديدة لا تثبت أمام القارئ الحصيف، فمن ذلك:

1ـ تهربه من المسائل الكبيرة التي كفر العلماء الترابي بسببها ليرد على المسائل التي، وإن أنكرها العلماء على الترابي كما أنكروا على غيره ممن سبقوه إليها، إلا أنهم لم يكفروه بسببها، وهي لا تعدو أن تكون شذوذات على أقصى تقدير أو اجتهادات مرجوحة لا تخرج صاحبها من الملة، فلم يأت محمد المختار بجديد عندما يقول لنا بأن الثوري والنخعي أنكرا حد الردة وقالا بالاستتابة أبدا.... لأنه في النقاط المتتالية التي لم يرد الشنقيطي ملئها فيها يكمن بيت القصيد، فالثوري والنخعي لم يقولا بإباحة الردة كما يقول الترابي، ولم يقولا بأن "مثل سلمان رشدي لو كان عندنا في السودان لما حكمنا عليه بالردة"، أي أن سلمان رشدي ليس مرتدا، بل ربما يكون مجتهدا مأجورا! وإنما قالا بأن المرت، لا يقتل وإنما يحبس ويظل يستتاب حتى يعود إلى الإسلام أو يموت. أما صلاة المرأة بالرجال، فنعم، هناك بعض أهل العلم أجازوا أن تصلي المرأة بالرجال في النافلة دون الفريضة، على ألا تتقدم الرجال بل تصلي خلفهم، وهذا ما أهمل الشنقيطي ذكره. والحاصل هو أن كل المسائل التي أوردها الشنقيطي لم تكلن إلا أمثلة مُلبسة لمسائل ليست هي بيت القصيد، وهي ليست المسائل التي كفر العلماء الترابي بسببها، ولكنني أريد من الشنقيطي ومن لف لفه أن يبينوا لنا مخرجا للآراء التالية التي طرحها الترابي مثل:

ـ أن اليهود والنصارى مؤمنون ليسوا كفارا، وأنهم مؤمنون ببعض الكتاب وكافرون ببعض، فلا يقال عنهم كفارا، لقوله تعالى: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض".

2ـ دعوته إلى توحيد الأديان وأن كلها من الله، رغم أن كل مسلم يعلم أن كل دين غير دين الإسلام باطل ومنسوخ ولا يجوز التدين أو التعبد به، وأنه "من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".

3ـ قوله بالفناء والاتحاد في الله، مما أورد تفصيله الأستاذ محمد المهدي، ولا حاجة إلى التكرار..

4 ـ دعوته إلى جمع الكتب التي أنزلها الله (يعني كتاب النصارى المقدس المحرف بما فيه توراة اليهود المحرفة).

5ـ إنكاره للحدود مثل حد السارق، إنكارا تاما، ولا يقال هنا بأن عمر بن الخطاب أوقف العمل بحد السرقة في عام الرمادة لأن عمر أوقف العمل به لعدم توفر شروط تطبقه ووجود شبهة اضطرار ولم ينكره.

6ـ قوله بأن شهادة المرأة ليست نصف شهادة الرجل، وأن من يقول ذلك جاهل، وذلك رد على كتاب الله وعلى الإجماع ووصف للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجهل.

7ـ إباحته زواج المسلمة من اليهودي والنصراني، وهو في ذلك يرد على صريح كتاب الله وعلى الإجماع. وليست المسألة هنا كما يريد محمد بن المختار أن يلبس تتعلق ببقاء المسلمة الجديدة في عصمة الكافر، إذا أسلمت وهي في عصمته ولم يسلم هو، وهي مسألة اختلف فيها أهل العلم... ولكن المسالة تتعلق بإباحة زواج المسلمة من النصراني واليهودي ابتداء من حيث الأصل وليس لعارض ...

هذه مجرد أمثلة كنا نود من محمد بن المختار الشنقيطي أن يرد عليها، ولا يلبس على القراء بطرح أمثلة أخرى لم يقل أحد من العلماء بأن الترابي قد كفر بسببها، ولكنهم أوردوها على سبيل بيان منهجه البدعي والإنكار عليه. أما الزعم بأن الترابي علامة محيط بالعلوم الشرعية وكل ما يقوله مستخلص من أمهات كتب الأصول والتفسير وغيرها من كتب العلم، فهو مجرد ادعاء.. وعليك إثبات دليل كل مسألة لوحدها.

وهنا يأت قولك بأن ما تعيبه على الترابي هو أنه لا يطرح أدلته ولا يتكلم باللغة التقليدية التي تعود عليها طلاب العلم، تريد بذلك الازدراء بطلاب العلم وأهله، وأن لغتهم متخلفة والإعلاء من شأن لغة الترابي المعاصرة والمتقدمة والمتألقة، فهذا أيضا من التلبيس على القارئ لا غير، والترابي على أقصى تقدير هو مجرد صحفي بلغة أهل العلم، اطلع على بعض العلوم الشرعية من الكتب، ولا يعد من العلماء ولم يقل أحد من العلماء بأنه عالم. وهات كتابا واحدا للترابي يعتبره أهل العلم مرجعا معتبرا في أي علم من العلوم الشرعية، بل حتى في أي علم كان، سواء القانون أو العلوم السياسية أو حتى الموسيقى والفن، فالهالة التي تحيطونها بالترابي هي مجرد هالة دعائية سياسية لا غير، كما كتب غير واحد من المحققين.

وقد قال أهل العلم: "لا تأخذ القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي"، وهذا هو سبب زلة الكثيرين وانحرافهم، لأن العالم لا بد منه لأخذ العلم، فهو الذي يدرب الطالب على صنعته ويصقل مواهبه ويوجهه ويبين له المطبات، وكما لا يمكن لرجل أن يدرس الهندسة أو الجراحة من الكتب دون معلم، فالعلم من دون معلم لا يكفي للتصدي للفتيا فضلا عن زعم تجديد الدين!

أليس من الأفضل لك أن تتواضع، يا محمد المختار، وتصبر على طلب العلم من أهله أو تدع الأمر لأهله، ويسعك ما وسعهم؟ ثم لماذا تلبس على القراء بزعمك أننا وأهل العلم قاطبة لا نفهم لغة الترابي ونحاسبه على لغة لا نفهمها؟ فهل نحتاج إلى مترجم لنفهم أن الترابي يرى بأن اليهود والنصارى مؤمنين وليسوا كفارا، فيرد على صريح القرآن بذلك، وهل نحتاج إلى مترجم لنعلم أن الترابي يرد على كتاب الله وعلى الإجماع بإباحته زواج المسلمة من اليهودي والنصراني؟! وهل نحتاج إلى ترجمان لنفهم أن الترابي يرد حكم الله في أن شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل ويتهم من يقول بأن شهادتها هي نصف شهادة الرجل، كما هو حكم الله، بأنه جاهل؟!

أو ليس حالك هذا، هو حال متعصبة الصوفية الذين يصرون على أن العلماء الذين كفروا ابن عربي، صاحب وحدة الوجود، لم يفهموا لغة ابن عربي؟! ابن عربي الذي كان يكتب بلسان عربي مبين، بأن فرعون مؤمن وهو في الجنة، وأن إبليس هو أكبر موحد لأنه رفض أن يسجد لغير الله، وأن الله هو كل ما في الكون و غير ذلك مما هو معلوم من عقيدته. ورغم أن كتب ابن عربي مثل "فصوص الحكم" و"الفتوحات المكية" طافحة بهذه الكفريات بلسان عربي مبين، فلا يزال متعصبة الصوفية يصرون على أن العلماء الذين قالوا بكفره لم يفهموا لغته!

حقيقة لقد تركت تصريحات الترابي مريديه في مأزق وحيرة وضيق.

عبد المنعم بن حمادي الدخلاوي

عودة للصفحة الرئيسية