قوة "إسرائيل" الحقيقية هي الاستبداد العربي!

الثلاثاء 18-09-2018| 20:00

م. محفوظ ولد احمد

بقدر هائل من الأسى والشعور بالغضب والحنق والعجز... تابعت وثائقي "الجزيرة" عن قصة اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد) في إبريل 1988 بتونس العاصمة. عملية الاغتيال كانت بمفرزة "كوماندوز" كبيرة نزلت من سفن ثم زوارق حربية صهيونية على الشاطئ التونسي.
المفزع غرابةً أن ذلك كان بعد حوالي ثلاثين شهرا فقط من الغارة المدمرة التي شنتها "إسرائيل" ضحى، على مقر اجتماع قمةٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية في ضاحية "حمام الشط" بتونس نفسها، بهدف تصفية عناصر القيادة الفلسطينية دفعة واحدة؛ بعدما طُردت هذه القيادة بحذافيرها شر طردٍ من لبنان سنة 1982 تحت التهديد "الإسرائيلي"، وبحضور وتآمر النظام السوري المتواجد جيشه في بيروت منذ 1976(وقد خير حافظ الأسد الفلسطينيين يومها بين المقام في دمشق تحت سيطرته، وبين الخروج إلى البحر ! فانقسموا، وأقام يسارهم ـ مثل حبش ورفاقه ـ في دمشق فيما يشبه الإقامة الجبرية : لم يطلقوا من هناك رصاصة واحدة، ولم يفعلوا غير إصدار البيانات والتصريحات المطعمة بامتداح مواقف سوريا !).
كان هذا هو الإبعاد الثاني لقيادات الثورة الفلسطينية عن حدود أرضها المغتصبة، بعد أن أخرجهم سبتمبر الأسود 1970 من الأردن !
*
لما ذا تستطيع "إسرائيل" بهذه السهولة والانسيابية أن تبعد الفلسطينيين المقاومين عن حدود وطنهم المسلوب، ثم تصفيتهم بنفس السهولة والانسيابية في منافيهم البعيدة؟ ولماذا تستطيع "الموساد" : بذات السهولة والنجاح أن تجند عملاء ومخبرين ومتعاونين من ضحاياها الفلسطينيين وأعدائها العرب وتعتمد عليهم لاغتيال إخوتهم وتخريب أوطانهم؟؟ !!
إنه الاستبداد ! هو سيادة الأنظمة الديكتاتورية العربية التي لا يهمها إلا توطيد سلطتها وإحكام قبضتها على شعوبها، التي تجد في النهاية أن أوطانها مسلوبة وحريتها مكبوتة وكرامتها مداسة ومعيشتها ضنك... بسبب حكامها؛ تماما مثل الفلسطينيين بسبب الاحتلال أو أسوأ قليلا...!
وفي ظل بعض الأنظمة المتخلفة الفاشلة الظالمة يكون الشيطان نفسه أحق بالتعاون والولاء !
تقوم "إسرائيل" منذ نشأتها الآثمة بتكوين وتعزيز أجهزتها الأمنية والاستخباراتية وتدريبها كمؤسسات تخدم الكيان الغاصب، ولا تتأثر بتغير وتقلب رؤسائه وقادته السياسيين... وتعمل على أربعة محاور ثابتة راسخة :
= التعاون الخارجي مع الحُماة الأمريكيين والحلفاء الأوروبيين وكسب ثقتهم وإعجابهم؛
= العمل على اختراق الأنظمة العربية وتشجيع انقلاباتها واستبدادها، وابتزاز رؤسائها، وتجنيد أعوانها؛ بما في ذلك المنظمات والقيادات والسفارات الفلسطينية !
= تطوير أساليب وشبكات تصفية الأعداء، والانتقام الاستعراضي، بالاغتيال المحترف لمن قَتلوا أو حاولوا قتل أي "إسرائيلي"، وتصفية العقول والكفاءات العربية التي يمكن أن تسهم في تقدم أو نماء الدول والمجتمعات العربية وتطوير قدراتها الصناعية والاقتصادية والعسكرية في المستقبل...
= تدمير المجتمعات العربية بزرع الفساد والتناحر الطائفي والعرقي والقلاقل والانحلال والمخدرات، بشتى الوسائل الظاهرة والخفية...
أما المخابرات العربية فهي أجهزة وحشية بدائية، تُفكَّك ويُعاد تشكيلها حسب مقاس وهواجس كل حاكم... فلا تقوم لها قائمة، وليس لها هم خارجي سوى الكيد والحرب على أشقائها. وبالتالي فلا توجد أسس ولا ثقة للتعاون القومي العربي في هذا المجال، حتى يمكن التفكير في مواجهة "إسرائيل"... ذلك حين كانت تلك الأنظمة تتظاهر بعدائها...
أما اليوم فقد قررت إخلاص التوبة من ذلك "النفاق"، وأمست تتزاحم على كراسي الولاء والتلمذة على أجهزة أمن "إسرائيل" "الفائقة" !!
*
لكن من الواضح أن جريمة اغتيال أبي جهاد، الذي كان لا يرى للكفاح المسلح بديلا مجديا، كان لها غرض سياسي فلسطيني/ عربي/ دولي؛ هو تحقيق الهدف "الإسرائيلي" الأكبر بتصفية المقاومة الفلسطينية عسكريا وسياسيا. وذلك ما تحقق فعلا بالضغط على الفلسطينيين المطرودين المطاردين، عربيا ودوليا... لخلع لامة الحرب ونبذ الكفاح المسلح والانقطاع لمفاوضات "السلام"، التي كانت مصرع القضية الفلسطينية كلها ومستقر الخيبة، ومغتسَل الزعماء العرب منها...
وتلك "كتبة" أخرى، وكذبة كبرى !

عودة للصفحة الرئيسية