معطيات بخصوص تزوير الانتخابات

السبت 8-09-2018| 13:00

الدكتور السعد بن بيه

انطلاقا من مُستوى المشاركة العالي من قبل كافة مكونات الطيف السياسي الموريتاني في الاستحقاق الانتخابي، وبناءً على تعيين شخصيات سياسية مرموقة في اللجنة المستقلة، شخصياتٍ عرفت بآرائها المتحمّسة للإصلاح السياسي، تكوّنت لديّ شخصيا الثقة في إمكانية حصول مستوى من النزاهة والشفافية، يمكن التعويل عليها في هذه الانتخابات.
ولكن أريد بعد المشاركة في هذا المسار وبناء على مواكبتي له عن كثبٍ وانطلاقا من زياراتي المتكررة للجنة الانتخابية – وقبل أن أدخل في التفاصيل - أن أقرر ثلاث حقائق لا يتطرق لها الشك يقينا :
الأولى : أن هذه الهيئة لا تحوز الحد الأدنى من الإرادة ولا من الوسائل لتحقيق اللازم من الإشراف الشفاف والنزيه على الانتخابات. وقد تجلّى هذا في جملة من الخروقات والأخلال التي طبعت مسار العملية، بدءا بوضع اللوائح الانتخابية وقوائم المترشحين مرورا بعملية التصويت وانتهاءَ بفرز النتائج وإعلانها.
ثانيا : يمكن أن أقول باطمئنان لا يشوبه شك أن الطابق العلوي للّجنة مُمثلا في الرئيس والحكماء ليس لهم من الأمر شيء، تعمُّهم حالة من العجز والاستسلام بل والاستقالة، بدت لي غامضة تماما.
الأمر الثالث : هو أن الطابق "التحتاني " الذي هو طابق المعلوماتية والعملياتية ليس سوى علبة معقدة ومتخلفة من حيث الكادر والمعدات والأساليب لتزوير نتائج الانتخابات، فقد بالغ الأمر مبلغا لا يوصف من التلاعب بالمحاضر وعدم المسؤولية والتحكم في مفاصل العملية برمتها، في ظل غياب مَعيب ومُريب وكامل للحكماء وللأحزاب وللمجتمع المدني.
والنتجية التي أرى من واجبي إطلاع الرأي العام عليها هي أنّ :
هناك لجنة حكماء تجلس في مكاتبها بانتظار التوقيع على نتائج انتخابات بلدية وجهوية وبرلمانية لا تعرف من أين ولا كيف جاءت وستوقع عليها بكل سرعة تحت حجج واهيةٍ، ضاربةً بالقانون والديمقراطية وقيم النزاهة والشفافية عرض الحائط.
أما تفصيلا وفيما يتعلق بتجربتي الشخصية مع هذه اللجنة والتي جعلتني أقرر ما تقدم، فلعلني أقول :
إن عملية اختيار حزبٍ للترشح منه -في ظل قرار غير ديموقراطي بمنع الترشحات المستقلة- لم تكن أمرا ميسورا، فما يسمى بالأحزاب الكبيرة تحامتها قيم السلطوية والقبلية والأيديولوجية. فلم يكن بد - تلبيةً لنداء الواجب الوطن- من اختيار حزب يمثل إطارا شرعيا وقانونيا للترشح منه ،حتى وإن كان لا يحوز القوة التنظيمية والموارد التي تمكنه من تعيين مشرفين ومراقبين في ما يزيد على 4000 مكتب تصويت على عموم التراب الوطني. وقد شرحت خلال اللقاء بمعالي رئيس اللجنة هذه الحقيقة والعقبة الموضوعية التي جعلت نتائجنا طعما سائغا لماكينة التزوير، كما ذكرت بين يديه أسلوب تعامل اللجنة مع إدارة حملتي عندما لاحظت التلاعب بالنتائج وهو أسلوب لم يكن مقبولا ولا محترما للأسف الشديد. ثم شرحت له أننا قمنا بشكل مواز لعمل اللجنة بتقييد وجدولة نتائجنا في كل بلدية مع تحديد أرقام المكاتب والنتائج المتحصل عليها؛ وقد فوجئنا، بمستوى التلاعب بالمحاضر، فهنالك مكاتب تمّ التصويت لنا فيها وتأتي النتيجة صفرا، وهناك مكاتب تعدل فيها النتيجة بنسبة 80 و90% وفي مناطق أخرى لم تصلنا نتائجها بالمرة، وكل هذا لدينا الأدلة الموثقة عليه.....الخ
ورغم الاستقبال الودي واللطيف من معالي الرئيس إلا أنه تحدث عن الصعوبات اللوجستية والفنية والظرفية التي تحول دون ضبط العملية وقال إنّه متأكد وعلى يقين من صحة معلوماتي، وأمر أحد المدراء المركزيين بمتابعة الموضوع، وقد شرح السيد المدير أيضا الصعوبات التي تكتنف مسار التحقيق والتصحيح غير أنني أصررت على الاطلاع على نتيجة المكاتب في بلديتي لقليق، كمثال دالٍّ على التلاعب بالنتائج في المكاتب الأخرى بالضرورة، وقد استجاب وذهب بنا إلى الطابق "التحتاني" وقدمنا إلى سيدة تجلس على وحدة معلوماتية وطلب منها بكل ذوق واحترام تزويدنا بنتيجة البلدية المزورة التي نمتلك محاضرها، غير أن أحد الشباب الفنيّين في المكتب عاد بعد أن غادرنا لبضع ثوانٍ، وأغلق بطريقة فجة الجهاز الذي بين أيدينا، وحين أبديت استغرابي ورفضي لهذا السلوك المستغرب، كونَنا مرافقين من مدير باللجنة وبأمر من الرئيس، تلفّظ الشاب الفني بالكلمة السحرية "تعليمات".
وبعد أخذ وردٍّ أجلسونا في مكتب المدير وازددت إصرارا على الاطلاع على ما خفي، وقد استدعوني لمكتب الرئيس الذي وجدت فيه مدير المعلوماتية فاتحا جهازه لإطلاع البعض وأنا منهم على بعض ما يسألون عنه، وقد وجدنا وأمام الرئيس أن المعلومات المعتمدة مزورة ومخالفة لما أدّعي وجوده؛ فطلب منه الرئيس إطلاعي على المحاضر، وخرجت أنتظره لأنّه بدأ يشرح للرئيس بشكل خافت ما لا يعنيني.
وحين نزلنا للطابق "التحتاني" نادى المدير على سيدة فادعت أن المحاضر غير موجودة لبعد الشقة ووعورة الطرق...الخ، وغير ذلك من الححج الواهية التي تثير الاستغراب والسخرية في القرن الحادي والعشرين. وعند سؤالي لها كيف إذاً أثبتُّم النتائج ادّعت أولا أنها وصلتم بالإيميل فقلت لها هذا يعني بالضرورة أن المحضر مصور-إسكان، فتراجعت وقالت أظننا أخذنا النتيجة بالهاتف.
وبالنسبة لهم -كما أخبرني رئيس اللجنة - لا بد أن تعلن النتائج وأنهم تحت ضغطِ قُرب الشّوط الثاني ،وأنهم لا يمكنهم الاستمرار في القيام بعمل القضاء وهو التحقق من كل دعوى ونتيجة، مع وعدهم لي بالتجاوب مع من أعتمده من الشباب للتعاون معهم حول الموضوع.
هذا ما حدث أعرضه هنا بهذه الطريقة العفوية دون زيادة ولا نقصان ولا ترتيب ولا تحسين.
وخلاصة الأمر أن النتائج ستعلن وأن الغائب الأكبر هو الاستقلالية والنزاهة والشفافية والمهنية، وأن عكس كل ذلك هو السائد.
كنت دوما أعيد أزمة الديموقراطية للثقافة لكنني اليوم أعيدها لأزمة الأخلاق والضمير والكفاءة.
أمنيتي أن يجد الإنسان الموريتاني فيما بقي من التاريخ ما يستحقه من العيش الكريم سياسيا وتنمويا.

عودة للصفحة الرئيسية