الانتخابات الموريتانية.. السياق والدلالات

الخليج

الجمعة 7-09-2018| 00:46

د.إدريس لكريني

شهدت موريتانيا، السبت الماضي، انتخابات نيابية وبلدية وجهوية، تميزت بمشاركة عدد كبير من الأحزاب السياسية ناهزت 98 حزباً من ضمن 102 المرخص لهم بالعمل، بصورة عكست تيارات وتوجهات سياسية مختلفة، بما فيها القوى السياسية المعارضة، التي قاطعت عدداً من الاستحقاقات السابقة؛ حيث دخل بعضها في سياق تحالفات، كما هو الشأن بالنسبة لحزب الصواب وحركة « إيرا »، و« التحالف من أجل التناوب الديمقراطي ».. كسبيل لتعزيز صفّ المعارضة وتوسيع حظوظها؛ لكسب نسب مهمة من المقاعد، كما شهدت هذه الانتخابات أيضاً ترشّح عدد من الشباب من رواد شبكات التواصل الاجتماعي إلى جانب النخب السياسية التقليدية، فيما وصل عدد الناخبين المسجلين إلى حوالي المليون وأربعة مئة ألف مواطن موريتاني. وحرصاً على مرور الانتخابات في أجواء سليمة، عيّن الرئيس محمد ولد عبدالعزيز في وقت سابق لجنة مستقلة تضم مجموعة من النخب من أطياف سياسية مختلفة، تباينت المواقف بشأن أهميتها ونجاعتها بين من أكّد استقلاليتها، ومن اعتبر أنها تفتقر إلى تمثيل وازن للمعارضة..
وتنطوي هذه الانتخابات على أهمية كبيرة، بالنظر إلى النقاشات السياسية والعمومية التي أفرزتها، والمواكبة الإعلامية الواسعة لأطوارها، إضافة إلى كونها تعد محكّاً حقيقياً لقياس ملامح المستقبل السياسي للبلاد على مشارف انتهاء الولاية الثانية للرئيس محمد ولد عبدالعزيز، وهي المؤشرات التي دفعت العديد من الباحثين والمهتمين إلى توقّع منافسة شديدة بين المرشحين على اختلاف توجهاتهم.
إنها تمثّل مناسبة سياسية لكشف موازين القوى قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة خلال منتصف عام 2019، فحزب الاتحاد من أجل الجمهورية يأمل الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان التي تضمن له وضعية مريحة، فيما تطمح أحزاب المعارضة من جانبها إلى كسب مقاعد مهمة، تؤهلها للدخول في غمار منافسات الانتخابات الرئاسية بثقة ومعنويات عالية. تجري هذه الانتخابات في فترة نشطت خلالها الدبلوماسية الموريتانية؛ حيث استضافت نواكشوط القمة 31 للاتحاد الإفريقي في شهر يوليو/تموز 2018، وعززت تمثيليتها الدبلوماسية مع المغرب، وفتحت معبراً حدودياً مع الجزائر، مع وجود بعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي حاولت المعارضة استثمارها لمصلحتها خلال الحملة الانتخابية..ورغم التدابير القانونية التي اعتمدتها السلطات الموريتانية في سبيل عقلنة الترشيحات، عبر حظر الطلبات المستقلة في هذا الخصوص، فإن العدد الكبير للأحزاب المشاركة جاء ملفتاً للنظر، يعكس دينامية المشهد السياسي والمراهنة على هذه الاستحقاقات من جهة، كما لا ننسى اعتماد السلطات لتدابير قانونية تحفز الأحزاب على المشاركة؛ خشية سحب التراخيص منها في حال الحصول على أقل من 01 في المئة من النتائج أو عدم المشاركة في مناسبتين انتخابيتين على التوالي.. من جهة أخرى، وهي العوامل التي دفعت بالكثير من المراقبين والمهتمين إلى توقع مشاركة مكثفة للمواطن الموريتاني..رغم أن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الذي ينتمي إليه رئيس الدولة، دخل بقوة لهذه الانتخابات؛ عبر تغطية مختلف الدوائر على امتداد تراب الجمهورية ورفعه لمجموعة من الشعارات بصدد قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة، فإن دخول أحزاب معارضة (تكتل القوى الديمقراطية وحزب التحالف الشعبي التقدمي..) إلى معترك التنافس إلى جانب أحزاب أخرى محسوبة على صفّ الأغلبية (حزب الحراك الشبابي والكرامة والاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم..)، شكّل في اعتقاد الكثيرين عامل توازن؛ فيما يتعلق بالنتائج النهائية.
تأخر إعلان النتائج الرسمية والنهائية لهذه الانتخابات بالنظر إلى كثرة اللوائح المرشحة واتساع مساحة البلاد، وحرص اللجنة المستقلة للانتخابات على توخّي الحذر والدّقة في هذا الخصوص. غير أن النتائج الأولية الواردة في هذا الشأن تحمل مجموعة من الدلالات التي تعطي صورة عامة عن الأجواء التي مرت فيها هذه الاستحقاقات.
فقد أكدت بعض الأوساط السياسية والإعلامية في موريتانيا أن نسبة المشاركة تجاوزت الستين في المئة، وفي الوقت الذي أكدت فيه السلطات الموريتانية أنها اتخذت كل التدابير لمرور الانتخابات في أجواء سليمة، فإن العديد من قوى المعارضة لم تخف انزعاجها من وجود بعض الانتهاكات والصعوبات التنظيمية في هذا الشأن، فقد أعلن حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض حدوث مظاهر من التزوير، وعبّر عن شكوكه بشأن قدرة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات على مواكبة هذه الأخيرة وفرز نتائجها.. أما رئيس بعثة مراقبي الاتحاد الإفريقي الذين وصل عددهم إلى 30 مراقباً، فقد أعلن من جانبه أن « الاختلالات التنظيمية المسجلة والتي وقفت عليها بعثة الاتحاد الإفريقي لا ترقى إلى المساس بمصداقية الاقتراع ».
عموماً يظهر أن الانتخابات الموريتانية خرجت عن قاعدة اكتساح الأحزاب الإسلامية للمشهد السياسي والانتخابي لعدد من دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة التي أعقبت الحراك العربي، وهو ما يمكن تفسيره بتنوع المشهد الحزبي في موريتانيا وديناميته من ناحية، وبمحك التدبير السياسي الذي أبرز أن هذه التيارات (الإسلامية) لا تقدّم حلولاً سحرية لعدد من المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما هو الشأن بمختلف الأحزاب السياسية الأخرى.


drisslagrini@yahoo.fr

عودة للصفحة الرئيسية