الأزمة المالية التركية

الأحد 26-08-2018| 14:00

الدكتور الحسين الشيخ العلوي

منذ ما يزيد علي العقدين من الزمن، وجراء ثورة الاتصال الكبيرة بات من الصعب الفصل بين السياسي والاقتصادي، فدرجة التداخل والتأثير أضحت عضوية بينهما إلي حد يصعب فيه الفصل بينهما، هذا مع عدم إغفال تأثير العامل الخارجي بالنسبة للأسواق الناشئة، وأهمية السياسات المالية والاقتصادية المحلية كبوصلة توجيه تعطي مؤشرات دلالية غاية في الأهمية. وتباين الخبراء والمحللين في تقدير أهمية العاملين( السياسي والاقتصادي)، رغم إجماعهم علي التداخل والتأثير المتبادل بينهما، فريق من الخبراء يري أن السياسة هي التي توجه الاقتصاد( رأي مدرسة نيويورك) ويضربون المثل بالولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول، في حين ذهب آخرون إلي اعتبار أن الاقتصاد هو قاطرة التوجيه للسياسات الداخلية والخارجية(رأي مدرسة فرانكفورت) ومثلهم علي ذلك الصين وألمانيا.
الحالة التركية تقدم نموذجا مختزلا، غاية في الدلالة عن مدي تداخل العاملين، وأهميتهما معا، ويقدمان الصورة الكاملة للأزمة المالية التي عصفت بالليرة التركية مؤخرا وبلغت الذروة في أغسطس الجاري،فمن جهة لا شك أن للأزمة المالية الراهنة بعد اقتصادي يتمثل في السياسيات المالية والاقتصادية المتعبة خلال السنوات الأخيرة في تركيا، ومن جهة أخري البعد السياسي الذي يعكس الأنساق والبني السياسية التي ترتكز عليها الحكومة التركية في إدارة الشأن العام في تركيا، تداخل وتأثير هذين العاملين معاً يقدم خلاصة معرفية تفسر الانهيار الذي يراه الكثيرون مفاجئا لليرة التركية.

البعد الاقتصادي للأزمة المالية في تركيا
دخلت تركيا الألفية الجديدة وهي تتخبط في مشاكل اقتصادية بنيوية، حيث تميزت فترة ما بعد تحرير الاقتصاد التركي في العام 1981 إلى عام 2003 – وخصوصًا عقد التسعينات – بمرور الاقتصاد بفترات ركود حادة، بالإضافة إلى حدوث العديد من الأزمات المالية التي كان أبرزها الأزمة المالية والاقتصادية عام 2001. بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي خلال هذا العقد حوالي 4% سنويًا. كما تميَّزت هذه الفترة بعدم وجود إصلاحات حقيقية، مع إنتشار الفساد بدرجة كبيرة، وارتفاع في معدَّلات التضخُّم، حتى وصل لرقمين، وضعف في القطاع المصرفي، مع زيادة في تقلبات الاقتصاد الكلي. ويرى العديد من الخبراء أن السبب الرئيس في عدم الاستقرار الاقتصادي في تركيا، خلال عقد التسعينات، هو عدم تطبيق إصلاحات قانونية ومؤسسية كانت لازمة بعد تحرير الاقتصاد في أوائل عام 1980. أما عن معدَّلات التضخم فقد بلغت حدًا مزمنًا خلال عقد التسعينات؛ إذ تراوحت ما بين 70 – 90%، وشهد الاقتصاد في مطلع الألفية أزمة سيولة، والتي تفاقمت فيما بعد؛ بسبب الانخفاض الحاد في قيمة الليرة التركية في فبراير 2001؛ كنتيجة لذلك بدأت أسعار الفائدة في التقلب بمعدلات كبيرة؛ إذ تراوحت بين 18.6% ، 45.9% في شهر أبريل عام 2000، وبين 13.6% ، 38.8% في شهر يوليو من العام 2000، وبين 23.7% و 79.6% في شهر سبتمبر وبلغت ذروتها بنسبة 316% في نوفمبر.
أدى الارتفاع في أسعار الفائدة إلى صعوبة كبيرة من قبل البنوك في بيع السندات الحكومية التركية، والمحافظة على حجم السيولة. وانخفض الناتج المحلِّي الإجمالي للفرد الواحد بنسبة 6.5% في 2001، وارتفع الدين العام من 38% في عام 2000 إلى 74% من حجم الناتج المحلي في عام 2001، وارتفع معدل البطالة من 6.5% عام 1999 إلى 10.4% في عام 2002.
بدأت تتكون إرادة حقيقية للتغيير بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت تركيا في 2001؛ حيث عمدت المؤسسات الاقتصادية في الدولة إلى إجراء إصلاحات وإعادة هيكلة للاقتصاد، فبدأت هذه الإصلاحات تؤتي ثمارها مدفوعة بآمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبدأت الانتخابات البرلمانية التركية في 2002 التي أتت بأردوغان علي رأس الحكومة في 2003، و من هنا بدأت حقبة أردوغان.
وكانت ركائز اهتمامات رجب طيب أردوغان التي حقق فيها نجاحات باهرة هي القطاعات والوسائل التالية:
1. تعزيز القدرة التنافسية والتوظيف: وصلت تركيا إلى وضعٍ متميز كدولة ذات دخل متوسط أعلى في تصنيفات القدرة التنافسية العالمية، حيث إحتلت المرتبة 45 في مؤشر التنافسية العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي 2014/2015، وأتت في المرتبة 55 في التصنيف العالمي لممارسة أنشطة الأعمال للبنك الدولي.
2. وضع أسواق العمل: على الرغم من النجاح الملحوظ في خلق فرص العمل في السنوات الأخيرة، إلا أن ما يقرب من نصف السكان البالغين سن العمل التركي WAP لا يدخل سوق العمل، ويرجع ذلك إلى انخفاض معدل المشاركة في القوة العاملة من النساء، أي حوالي 30% أقل من نصف المعدل لدول منظمة التعاون والتنمية OECD بمتوسط حوالي 65%. وحوالي 35% من الشباب معظمهم من النِّساء لا يعمل ولا يذهب للمدرسة، إلا أنّ الحد الأدنى للأجور مرتفع لدرجة تجعله الأعلى بين دول منظمة التعاون والتنمية، وكذلك فإن تركيا لديها نظام مكافأة نهاية الخدمة سخيّ جدًا. بلغ معدل البطالة في 2005 حوالي 9.7%، وارتفع في 2009 إلى 13.4% ثم هبط لأدنى مستوى منذ العام 2005 إلى 8% في عام 2012 ثم عاود الارتفاع إلى أن وصل في فبراير 2015 إلى 10.1%، وحاليا يصل 10.3%.
3. الفقر والحماية الاجتماعية: بتأثير النمو الاقتصادي السريع بعد أزمة عام 2001، فقد تحسنت النتائج الاجتماعية في تركيا، حيث انخفض الفقر من 44% في عام 2002 إلى 22% في عام 2012، وكذلك انخفض معدل الفقر المدقع بين عامي 2002-2012 من 13% إلى 4.5% وانخفض معدل الفقر المعتدل من 44% إلى 21%. أما عن مؤشر التنمية البشرية HDI فقد زاد من 0.671 في 2005 إلى 0.759 في 2013؛ مما وضع تركيا ضمن دول مجموعة التنمية البشرية المرتفعة.
4. التعليم: حققت تركيا تقدما كبيرا في زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس، فاعتبارا من 2014/2015 حققت معدل التحاق بالمدارس الابتدائية يكاد يكون عالميًا بنسبة 96.3%، مع معدلات التحاق بالمدارس الثانوية بلغت نسبتها 79.4%، وتسعى الحكومة بنشاط إلى زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس الثانوية من خلال الامتثال لقانون «4 + 4 + 4» الخاص بالتعليم، الذي ينص على إلزامية التعليم، حتَّى الصف 12 أو الثالث الثانوي. كذلك فقد اختفت الفجوة في الالتحاق بالمدارس الابتدائية بين الجنسين، وضاقت إلى حد كبير في التعليم الثانوي. وبالتوازي مع ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس فقد تحسن متوسط درجات الأداء في التقييم الدولي للطلاب PISA في تركيا بشكل كبير وانخفض التفاوت في أداء الطلاب.
5. الرعاية الصحية: يعتبر برنامج التحول الصحي التركي Turkey’s Health Transformation Program مثالًا يحتذى به للعديد من الدول في كيفية إجراء تحول سريع ومؤثر في الأداء الصحي للفقراء. في عام 2003 اعتمدت الحكومة برنامج التحول الصحي HTP لإصلاح طريقة الرعاية الصحية، واقتربت تركيا من تحقيق تأمين صحِّي شامل، كما زادت الحماية المالية كذلك، وحصل تحسن كبير في العدالة المتعلقة بالحصول على الرعاية الصحية. ويمثل التحدي الرئيس في القدرة على جعل تكاليف الرعاية الصحية تحت السيطرة، حيث يتزايد الطلب عليها، كما تتزايد أعمار السكان، وكذلك التقنيات الحديثة. كما أن إجمالي الإنفاق الصحي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي قد زادت بشكل مطرد منذ عام 2003 لتصل إلى 6.7% في عام 2011، كما ركزت الحكومة على الاهتمام بتحسين الكفاءة مع الحفاظ على خدمات ذات جودة عالية لجميع السكان.
6. الطاقة: أدت الإصلاحات في قطاع الطاقة إلى جذب استثمارات كبيرة من القطاع الخاص، وتشمل هذه الإصلاحات والتدابير؛ تشريعات متعلقة بالكهرباء والغاز والطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، وإنشاء سلطة تنظيمية لقطاع الطاقة، وإصلاح أسعار الطاقة، وإنشاء سوق للكهرباء، وإدخال الغاز الطبيعي على نطاق واسع، وإعادة هيكلة شركات الطاقة المملوكة للدولة، والشراكة مع القطاع الخاص على نطاق واسع من خلال الخصخصة وإدخال استثمارات جديدة، كما تم تطبيق مجموعة شاملة من أنظمة الطاقة.
7. تركيا والاتحاد الأوروبي: أصبحت تركيا مرشحة للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي في قمة هلسنكي في عام 1999 وبدأت المفاوضات الفعلية للانضمام في أكتوبر 2005. كان لهذه المحاولة عظيم الأثر في إجراء إصلاحات في تركيا. كما يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر شريك اقتصادي لتركيا، وهو يمثل نحو 40% من التجارة التركية، وقد استفادت تركيا بشكل كبير من تعميق التكامل مع الاتحاد الأوروبي من خلال تطوير كل من الصادرات والواردات والحصول على التمويل.

مشاكل اقتصادية بنيوية
يعاني الاقتصادي التركي منذ ما يزيد علي العقد من الزمن من إختلالات بنيوية تهدد بتقويض مسار التقدم الاقتصادي التركي، مثل القرارات التعسفية، التي تجعل من الصعب على الشركات الصغيرة أن تنمو وتكبر وتصبح أكثر كفاءة، فالمنتدى الاقتصادي العالمي يضع تركيا في المرتبة 131 من بين 144 دولة في كفاءة سوق العمل. ويتفق معظم الخبراء الاقتصاديين على أنه بدون إجراء إصلاح هيكلي كبير فسوف يظل هناك ضعف في النمو الاقتصادي؛إذ يقول الخبراء أن الوضع الحالي للاقتصاد التركي سوف يؤدي إلى معدل للنمو الاقتصادي بين 3 – 3.5% وهو معدل جيد بالمقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا، ولكن التركيبة السكانية لتركيا الآن تحتاج إلى نمو اقتصادي لا يقل عن 3.5% للحفاظ على معدل البطالة الحالي وعدم زيادته.
تركيا الآن واقعة فيما يسميه الاقتصاديون بـ"فخ الدخل المتوسط" وهي المنطقة التي تقع فيها الاقتصاديات التي خرجت مؤخرًا من الفقر لتحاول أن تنتقل إلى مجموعة الدول الغنية،حيث تعرف هذه الاقتصاديات صناعات تحويلية كتجميع السيارات أو زيادة الإنتاجية الزراعية أو تعبئة رأس المال والعمل، ولكنها تجد صعوبة في إضافة القيمة من خلال البحث والتطوير والتصميم وإنشاء علامات تجارية ذات ثقل عالمي، فوفقا لبيانات البنك الدولي، فإن حصة تركيا من السلع ذات التقنية العالية في الصادرات المصنعة هي 2% فقط منذ العام 2002.
عندما انهار الاقتصاد التركي في عام 2001، قدم صندوق النقد الدولي برنامجاً للعلاج ،وتم تعزيز هذا البرنامج بالآمال في الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، وبسبب الضوابط الصارمة على الإنفاق الحكومي، وزيادة شفافية الموازنة العامة،ومنح المزيد من الاستقلالية للبنك المركزي، والتوجه نحو أسواق أكثر انفتاحا وأفضل تنظيما، تحقق الازدهار التركي في وقت لاحق، ولكن في السنوات الماضية، وبعد أن تراجعت حماسة الاتحاد الأوروبي لضم تركيا، و تضاؤل القوة الدافعة للإصلاح، ربما سيضع هذا الاقتصاد التركي على مفترق طرق.
في منتصف العام 2016، قدم أبرز الاقتصاديين الأتراك" دارون أسيموغلو" البروفسور في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الأمريكي، ورقة بحثية يقول فيها:
"على الرغم من نجاح حكومات حزب العدالة والتنمية في المحافظة على الانضباط المالي بطريقة جديرة بالثناء، إلا أنّ إدارتها الاقتصادية في نواح أخرى كانت أقل إثارة للإعجاب، إن حكومة حزب العدالة والتنمية،التي دعمت الانفتاح الاقتصادي،قد قدمت دليلًا قويًا على قدرتها في إحداث تقدم اقتصادي هائل، إلا إنه تدريجيًا أصبح هناك سيطرة فعلية، وتمت السيطرة الفعلية بحكم القانون علي الكوادر الحاكمة، كما ارتفعت معدلات الفساد والتعسف، كما أن صنع القرار أصبح لا يمكن التنبؤ به".
وتشير التقارير أن سياسة الولاء والمحاباة للشركات المملوكة من قبل وجهاء ورجال مال وأعمال تابعين للسلطة الحاكمة، أصبحت سياسة منهجية، حيث ترسو العطاءات في الغالب علي هؤلاء، مما يعني فقدان الشفافية والنزاهة! وتذهب التقارير إلي أبعد من ذلك إلي حد القول بأن الشركات التي لديها علاقات جيدة مع الحكومة تفوز،ليس فقط بالعقود الحكومية المباشرة، والامتيازات تصل إلى اتفاقات تشمل الأراضي المملوكة للدولة، وكذلك الإنذار المبكر قبل الشركات الأخرى بأي تغييرات تنظيمية سوف تجريها الحكومة. ومن الأمثلة على ذلك هيئة TOKI وهي هيئة تابعة للدولة مهمتها توفير السكن بأسعارٍ معقولة، فقد حولها حزب العدالة والتنمية إلى شريك للمطورين من القطاع الخاص.

شكوك في استقلالية البنك المركزي التركي
يتدخل أردوغان في شئون البنك المركزي التركي TCMB الذي فشل في السنوات الأخيرة في كبح جماح التضخم حتى وصل إلى 9% وكذلك عدم قدرته على منع الانخفاض المطرد في قيمة الليرة التركية التي تراجعت إلى النصف مقابل الدولار منذ 2010، ويلقي العديد من الاقتصاديين ورجال الأعمال باللوم على أردوغان؛ لإلحاحه على الملأ على البنك المركزي بتخفيض أسعار الفائدة، حتى إنه في إحدى المرات قد اتهم محافظ البنك المركزي «إرديم باسجي» بأنه خائن للأمة؛ لدفاعه عن معدلات الفائدة المرتفعة.
ليس من الواضح تحديدا لماذا يقلق أردوغان للغاية من ارتفاع أسعار الفائدة، وإن كانت تكهنات قد أشارت إلى الدوافع المحتملة لذلك، ما بين محاولة جذب الناخبين من خلال جعل الاقتراض أقل تكلفة، إلى مخاوف دينية حول الربا، وكثيرًا ما كان يلمح مستشارو أردوغان الاقتصاديون بوجود لوبي أسعار الفائدة عالمي غامض يسعى لتدمير الاقتصاد التركي. بالطبع كل ذلك يخلق بيئة طاردة للاستثمار. ويرجع العديد من الاقتصاديين زيادة الديون الاستهلاكية إلى السياسة المالية المتساهلة التي يدعمها أردوغان، حيث نمت هذه الديون من متوسط قدره حوالي 5% من دخل الأسرة في عام 2002 إلى 55% في عام 2013. كما أن نهم الأتراك للاقتراض قد جعلهم يشعرون بالغنى، حيث تضاعفت الثروات الاسمية للأسر التركية ثلاث مرات خلال العقد الماضي، وانخفض معدل الادخار بشكل ثابت حتى بلغ 12.6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 وكان حينذاك أدنى مستوى له في أي سوق ناشئ كبير.
كما أن أسعار الفائدة المنخفضة التي يدعمها أردوغان قد اتجهت إلى الاستثمار البعيد عن الصناعة في قطاعات ذات عوائد أسرع مثل واردات السلع الاستهلاكية والمضاربات العقارية. فوفقا لصندوق النقد الدولي فقد ارتفعت نسبة الائتمان المصرفي المخصصة للبناء في الفترة بين منتصف 2012 ومنتصف 2014 من أقل من 50% إلى أكثر من 70% من جميع القروض، لذا نجد انتشار كبير في جميع أنحاء البلاد للمناطق السكنية الجديدة والفاخرة، ومجمعات المكاتب، ومراكز التسوق وهي أكثر بكثير من المصانع الجديدة.
تراكم للديون وتراجع في الاستثمار الأجنبي المباشر
أدى الانخفاض في الادخار المحلي إلى جعل تركيا أكثر اعتمادا على التمويل الأجنبي، فديونها الخارجية تزيد علي 450 مليار دولار أو حوالي 28% من الناتج المحلي الإجمالي، والكثير من هذه الديون قصيرة الأجل، والجزء الأكبر منها على القطاع الخاص. مما جعلها تحصل على درجات ضعيفة من وكالات التصنيف الائتماني، وقد وضعت الديون السيادية التركية في أدنى درجة للاستثمار، بينما وضعتها ستاندرد آند بورز في درجة "غير مرغوب فيها".
أما عن الاستثمار الأجنبي المباشر الذي بلغ ذروته بحوالي 22 مليار دولار في عام 2007؛ بدأ يأخذ اتجاها هبوطيا منذ ذلك الحين، وأنزلق إلى حوالي 12.5 مليار دولار في عام 2014. الشركات الأجنبية لم تجري أي عمليات استحواذ كبيرة في تركيا في السنوات الأخيرة، ولم تطلق أي مشروعات جديدة كبيرة ويرجع ذلك جزئيا إلى قلق عام من الأسواق الناشئة، وإلى التقلبات السياسية في تركيا، وضعف العملة، وارتفاع معدل التضخم نسبيًا، والقرب من منطقة الشرق الأوسط المضطربة، والشكوك المتزايدة حول سيادة القانون. ومن المتوقع أن يتفاقم التراجع في الاستثمار الأجنبي المباشر في الأجل القصير؛ بعد محاولة الانقلاب بسبب ارتفاع درجات عدم اليقين.
في بداية الحقبة الأردوغانية، كانت هناك علامات من الحكومة الجديدة مطمئنة إلى حد بعيد، والتزمت الحكومة بالوعود الانتخابية باهظة التكاليف،مثل: الحد الأدنى للأجور،وزيادة المعاشات، والإنفاق الاجتماعي، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية لتعزيز النمو، كما هدفت إلى خلق المزيد من فرص العمل وزيادة القدرة التنافسية. إلا أن العديد من الكيانات والمؤسسات، مثل: الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية، بالإضافة إلى العديد من الاقتصاديين الأتراك؛ يشيرون إلى تغير الأولويات في السنوات الماضية لدى الحكومة التركية.
لئن عرف اقتصاد تركيا تحسنا كبيرا وملحوظا منذ بداية الألفية الثانية؛ لكن انخفاض معدل الادخار كان يقف كعقبة في طريق النمو. في ظل حكومة رجب طيب أردوغان، ارتفع معدل التضخم في تركيا كما تنامى الحساب الجاري ليصل العجز في البلد إلى 7.1 مليار دولار بحلول يناير 2018، وفي ظرف 12 شهرا فقط ارتفع العجز بشكل كبير للغاية ثم استقر على 51.6 مليار دولار، لتكون بذلك تركيا واحدة من أكبر الدول عجزا في الحساب الجاري في العالم.
يعتمد الاقتصاد التركي بشكل كبير على تدفقات رأس المال كما يعتمد على تمويل القطاع الخاص، وتربح تركيا أموالا طائلة من خلال إقراض باقي البنوك والشركات الكبرى.في الفترة التي سبقت الأزمة، انخفضت بالفعل تدفقات الاستثمار بسبب تصاعد خلافات أردوغان مع باقي البلدان التي كانت بمثابة مصدر رئيسي للتدفقات المالية (مثل ألمانيا، فرنسا، هولندا)، وفي وسط مخاوف بشأن سيادة القانون في تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة والتي دفعت الحكومة إلى الاستيلاء على أصول مجموعة من الأشخاص والشركات بدعوى الارتباط بالانقلاب أو تدبيره. كما كانت هناك مخاوف لدى المسثتمرين الأجانب بخصوص انخفاض قيمة الليرة مما يجعل هامش الربح ضئيلا للغاية بل يكاد ينعدم في بعض الأحيان ثم يتحول في أحيان أخرى كخسارة للمسثتمرين الغربيين.انخفضت أيضا تدفقات الاستثمار بسبب قمع حكومة أردوغان للحريات وممارسة سياسة الاستبداد واستبعاد كل المعارضين مع تقوية المؤيدين.

بحلول نهاية عام 2017، بلغت ديون الشركات التركية بالعملة الأجنبية أكثر من الضعف منذ عام 2009 حيث وصلت إلى حوالي 214 مليار دولار،أما إجمالي الدين الخارجي التركي العام والخاص فقد بلغ 453.2 مليار دولار في نهاية عام 2017. في مارس من عام 2018، كان من المقرر أن يتم سداد 181.8 مليار دولار من الديون الخارجية العامة والخاصة في غضون عام لكن هذا بات مستبعدا للغاية بسبب الأزمة المالية وانخفاض قيمة العملة. هذا وتجدر الإشارة إلى أن الأسهم المحلية التي يمتلكها غير المقيمين في تركيا بلغت 53.3 مليار دولار في أوائل مارس بعدما كانت 39.6 مليار دولار في منتصف مايو، ونفس الأمر حصل بالنسبة للسندات الحكومية المحلية التي بلغت 32.0 مليار دولار في أوائل مارس وانخفضت إلى 24.7 مليار دولار في منتصف مايو من العام الجاري.

البعد السياسي للأزمة
لا شك أن الأبعاد السياسية للأزمة المالية في تركيا حاضرة بقوة، نوجزها في العوامل التالية:
1. الصلاحيات الواسعة الممنوحة دستوريا لرئيس الجمهورية: ظل منصب رئيس الجمهورية في تركيا، منصبا شرفيا، حتى استفتاء 16 إبريل 2017، الذي أحدث نقلة نوعية وركز السلطة في يد رئيس الجمهورية بناءً علي صلاحيات واسعة، أبرزها:
• رئيس الدولة يتولى الصلاحيات التنفيذية وقيادة الجيش، ويحق له تعيين نوابه والوزراء وإقالتهم.
• يعرض الرئيس القوانين المتعلقة بتعديل الدستور على استفتاء شعبي في حال رآها ضرورية.
• يحق للرئيس إصدار مراسيم تتعلق بالسلطة التنفيذية، لكن لا يحق له إصدار مراسيم في المسائل التي ينظمها القانون بشكل واضح.
• يحق للرئيس تعيين نائب له أو أكثر.
• يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ في حال توفر الشروط المحددة في القانون.
• يُلغى مجلس الوزراء، ويتولى الرئيس مهام وصلاحيات السلطة التنفيذية بما يتناسب مع الدستور.
• ولاية رئيس الدولة خمس سنوات، ولا يحق للشخص أن يتولى منصب الرئاسة أكثر من مرتين.
• عدم قطع رئيس الدولة صلته بحزبه.
• رئيس الدولة يعرض الميزانية العامة على البرلمان.
هذه الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية، هي التي مكنت الرئيس رجب طيب أردوغان من التدخل في السياسات النقدية للبنك المركزي التركي. صحيح أن البنوك المركزية في الدول الديمقراطية تتبع للرئاسة، لكن من النادر أن تتدخل مؤسسة الرئاسة في الأمور التقنية والفنية للسياسة النقدية للبنوك المركزية.
2. الفساد والمحسوبية وغياب الشفافية: عرفت تركيا خلال العقد الأخير موجة فساد هرمي بالغة التعقيد، إن لم تكن الرئاسة تباركها علانية، إلا أنها تغض الطرف عنها، وتذهب المعارضة إلي القول أنها سياسة متبعة من قبل حزب العدالة والتنمية، لتمكين رموز الحزب وقادته من مفاصل الدولة، لكن اللافت أن المحاباة والمحسوبية باتت سياسة متبعة لشراء الذمم، عبر نظام رسو العطاءات العامة، والغياب شبه الكلي للشفافية في الصفقات العامة وفي المناولة لدي معظم الجهات العامة، وعزز من هذا المنحي قانون الطوارئ الذي فرض عقب الانقلاب الفاشل في يوليو 2016.
3. لوبي رجال المال والأعمال المضاربين: سياسة المحاباة والمحسوبية في الصفقات العامة، شكلت شبكة من رجال المال والأعمال الغاضبين من حرمانهم من الصفقات العامة بسبب مواقفهم السياسية المعارضة لسياسات حزب العدالة والتنمية، هذه الشبكة تنامت مع الوقت حتي غدت لوبي ذو سطوة وحضور، يضارب في سوق الأوراق المالية، لأضعاف الليرة التركية، وذلك للنيل من شعبية أردوغان.
4. اضطرابات منطقة الشرق الأوسط: إضطرابات منطقة الشرق الاوسط أثرت سلبا علي الاقتصاد التركي:
- قبل العام 2011 وبداية إضطرابات ما بات يعرف بالربيع العربي، كان تمر معظم البضائع التركية المتجهة إلي دول المشرق والخليج العربي من خلال الطرق البرية عبر كل من سوريا والعراق،فخسرت تركيا جراء ذلك عشرات المليارات الدولارات.
- إنحياز تركيا إلي الجانب القطري في أزمة الخليج الأخيرة جعلها تخسر أكبر شريك تجاري لها في العالم العربي (دولة الإمارات)، كما جعلها موقفها هذا تخسر أكبر الإقتصادات العربية،التي خططت تركيا طويلا لولوجها( السعودية)، فضلا عن خسارتها لأكبر سوق عربي (مصر).
5. قانون الطوارئ: حالة الطوارئ التي عاشتها تركيا طيلة سنتين منذ الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، عرفت البلاد خلالها سلسلة من الإجراءات الأمنية، والاعتقالات الواسعة وتعزيز قبضة الرئيس سياسيا وعسكريا في تركيا، سبقت انتهاء فترة الطوارئ.
رفعت تركيا يوم 19 يوليو 2018 حالة الطوارئ السارية في البلاد منذ سنتين بعد محاولة الانقلاب التي ترافقت مع حملات تطهير مكثفة. ولكن ظهور قانون جديد لـ"مكافحة الإرهاب" يبدو كبديل عملي لحال الطوارئ أو استمرار لها بعباءة جديدة، وفق ما تقول المعارضة التركية. خلال حالة الطوارئ قامت السلطات التركية، وخلال تلك الحملة أقالت السلطات أكثر من 110 آلاف من موظفي جهاز الخدمة المدنية، في حين صدرت أحكام بالسجن مدى الحياة بحق أكثر من 1500 شخص، بينهم صحفيون وجنود. كما تم اعتقال أكثر من 77 ألف شخص بسبب علاقاتهم المزعومة بالداعية المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن،الذي تتهمه أنقرة بأنه وراء محاولة الانقلاب. كما عرفت حالة الطوارئ مصادرة ممتلكات وأصول لمعارضين ورجال أعمال، مما أثار حفيظة أوروبا وصعد من حدة التوترات بين أنقرة والعواصم الأوروبية (أكبر ممولي تركيا).
6. خلافات تركيا مع الدول الغربية والسعودية والإمارات: عملت بيوتات المال في الدول الغربية بوسائل مشروعة وغير مشروعة، علي الإضرار بالاقتصاد التركي، من خلال شراء أصول وأسهم وسندات، لشركات تركية في داخل وخارج تركيا من ثم المضاربة بالأسهم عبر الأسواق المالية والأمر ذاته قامت به دولة الإمارات.
يري معظم الخبراء أن التقلبات في سعر الليرة لا تعكس على الإطلاق حالة الاقتصاد التركي. بل هي ضحية للأزمة السياسية بين تركيا من جهة والولايات المتحدة والسعودية والإمارات العربية والدول الأوروبية من جهة أخرى، نتيجة التقارب التركي الروسي الإيراني. وهذا ما أكده الخبير الاقتصادي والاستثماري الأميركي "جيمس ريكارد" في مقال نشره في مجلة "استراتيجيك انتيليجنس" حين وصف أزمة الليرة التركية بأنها "أزمة سياسية" تغذيها الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، أكثر منها "أزمة نقدية أو مالية". ويظهر ذلك جلياً عبر شراء "بنك الإمارات دبي الوطني"، كامل حصة "سيبر بنك" الروسي، في "دينير بنك" التركي، والبالغة 99.85 بالمائة، مقابل 14.6 مليار ليرة (3.2 مليارات دولار). وقد لعبت وكالات التصنيف الائتماني دوراً في هذا التدهور. حيث خفضت وكالة "موديز" في 8 مارس الماضي التصنيف السيادي لتركيا من (Ba1) إلى (Ba2)، وغيرت نظرتها من "سلبي" إلى "مستقر".وفي 2 مايو أعلنت وكالة "موديز"، أنها ستراجع التصنيف الائتماني لتركيا، لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتم خفض التصنيف الائتماني. الأمر الذي نشر صورة سلبية عن السوق النقدي التركي وأحدث ضغوطاً على الليرة التركية. فقد سحب المستثمرون الأجانب 1.15 مليار دولار من السندات الحكومية والأسهم التركية في الأسابيع الثلاثة الأولى من مايو، مع تضرر الأسواق من الشكوك بشأن السياسة النقدية للبلاد، بحسب ما أظهرت بيانات معهد التمويل الدولي. وقال المعهد إن التدفقات إلى الخارج من السندات التركية المقوّمة بالعملة المحلية وصلت إلى مليار دولار في الفترة من أول مايو إلى الخامس والعشرين من الشهر نفسه. وفي الأسبوع الأخير من مايو، باع غير المقيمين أسهماً تركية بما يصل إلى تسعة ملايين دولار، بينما شهدت أسواق الدين تدفقات إلى الخارج بنحو 153 مليون دولار.
7. الخلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية: تركيا حليف إستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية منذ ما يزيد علي ستة عقود، وهي عضو في حلف الناتو الذي تقوده الأخيرة، وتحتضن أراضيها أهم قاعدة للحلف في شرق أوروبا" قاعدة أنجرليك الجوية"، وشاركت مع الولايات المتحدة في معظم حروبها العسكرية الخارجية بدءً من الحرب الكوبية ومرورا بالبلقان وأفغانستان وحرب الخليج الثانية وغيرها، إلا أن كل هذا لم يشفع لها، وتفجرت مؤخرا أزمة حادة بين واشنطن وأنقرة، سببها الظاهري والمباشر قضية القس الأمريكي "أندرو برونسون" المعتقل في عمليات التطهير والاعتقالات التي حدثت بعد محاولة الانقلاب في تركيا 2016، لكنها في واقع الأمر خلافات عميقة ظلت تتراكم علي مدار عقد ونصف العقد من الزمن بين الدولتين ،تشي بتوجس أمريكي من الصعود البارز لتركيا كقوة إقليمية وعمل تركيا في أحيانا كثيرة خلاف الإرادة والتوجهات الأمريكية، الصدام السياسي والاقتصادي الحالي عنوانه قضية القس الأمريكي "أندرو برانسون" المحتجز في تركيا على خلفية اتهامه قضائيًا بالتورط في دعم الانقلاب العسكري الذي قامت به جماعة "جولن" الدينية ذات النشاط السري واسع النطاق في تركيا وخارجها(حسب الاتهامات التركية)، ولكن الحقيقة أن الصدام في جوهره أعمق من قضية القس بكثير،هو صراع يتصل بالدور الجديد الذي تقوم به تركيا في الشرق الأوسط وفي أفريقيا وآسيا والخليج ومناطق نفوذ تقليدية للولايات المتحدة ، سياسيا واقتصاديا ، فتركيا الآن تبني شبكة علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية وعسكرية قوية للغاية في أفريقيا وآسيا والخليج العربي ، يدعمها في ذلك بنية اقتصادية وتقنية متطورة ، سمحت لها بأن تنافس أمريكا حتى في تصدير السلاح إلى أكثر من عاصمة كبيرة ، بما فيها باكستان،التي عقدت صفقات شراء مروحيات قتالية صنعت بالكامل في تركيا، كما أن تركيا تصدر الدبابات والمدرعات تركية الصنع، كما أن الجيش التركي أصبح ينتج أكثر من 70% من ذخيرة سلاحه بمختلف القطاعات،هذا فضلا علي أن الشركات التركية تشارك حاليا في تصنيع أحدث الطائرات الحربية الأمريكية "إف 35"،إضافة إلى تسجيل الاقتصاد التركي معدلات نمو كبيرة وصفت بأنها أفضل من"المعجزة الصينية" خلال السنوات العشر الماضية .
تطور القدرات والنفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري التركي مقلق جدا للولايات المتحدة،فضلاً علي أن إقدام تركيا على قرارات سياسية وعسكرية مهمة مخالفة لتوجهات واشنطن في سوريا وفي غيرها سبب إزعاجا إضافيا.

أبرز الخلافات بين واشنطن وأنقرة يتمثل راهنا في :
القس برونسون: الأزمة الحالية بين البلدين سببها اعتقال القس الأمريكي أندرو برونسون لنحو 18 شهرا، ثم فرض الإقامة الجبرية عليه، وتتهم أنقرة القس الأمريكي بالتجسس ودعم شبكة غولن وحزب العمال الكردستاني.
فتح الله غولن: تتهم أنقرة الداعية التركي فتح الله غولن الموجود في الولايات المتحدة بالتورط في محاولة الانقلاب عام 2016 وقد طلبت تركيا مرارا من الولايات المتحدة تسليمه.
الوحدات الكردية: تصنف تركيا الوحدات الكردية في سوريا والمدعومة من واشنطن منظمات إرهابية وشنت أنقرة عملية عسكرية في عفرين للقضاء عليها. وقد تجاهلت واشنطن طلبات أنقرة بوقف الدعم عن هذه الوحدات التي تشكل أساس قوات "سوريا الديمقراطية".
العلاقات التركية الروسية: أثار تقارب أنقرة مع موسكو وتوجه تركيا للحصول على منظومة صواريخ اس 400 للدفاع الجوي من روسيا أزمة مؤخرا مع الولايات المتحدة.
العلاقات التركية الإيرانية: جاء إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باعتبار إيران شريكا استراتيجيا ليثير حنق الإدارة الأمريكية بحسب مصادر في البيت الابيض.
نقل السفارة للقدس: أدى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها لحدوث توتر بين البلدين.
سحب إحتياطي الذهب من المصارف الأميركية: هو"استجابة لدعوة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للتخلص من ضغط سعر العملات واستخدام الذهب ضد الدولار الذي تجلّى بسحب تركيا سنداتها المالية من الخزينة الأميركية مما يعني أن أنقرة صفّرت حساباتها في أميركا،وفق المحلل الاقتصادي التركي مصطفى سونماز. القرار التركي لاستعادة الذهب كان ثمرة قلق انقرة وخشيتها من "مصادرة السلطات الأميركية احتياطها من الذهب في حال فرضت عليها عقوبات،"
حجم أرصدة الذهب التركية في المصارف الأميركية بلغ 220 طناً تمت استعادتها لتركيا بين 2016-2017، منها سحب نحو 29 طناً من الذهب عام 2017 لصالح البنك المركزي التركي الذي "أعاد توجيه جزء كبير من الذهب المسحوب من المصارف الأميركية إلى بنك إنجلترا وبنك التسويات الدولية،" وفق التقرير السنوي للبنك المركزي التركي على موقعه الرسمي.
قضية بنك خلق: احتجت تركيا على قرار محكمة أمريكية في مايو 2018 بسجن مصرفي تركي كبير لإدانته بالتآمر لانتهاك العقوبات على إيران، وقد تؤدي القضية إلى فرض غرامة كبيرة على البنك.

التداعيات
تراجع سعر صرف الليرة التركية، وارتفاع نسب التضخم في البلاد،هما العاملان المباشران اللذين قادا إلي الأزمة المالية الراهنة التي تشهدها تركيا وسحبت بظلالها علي الأسواق العالمية، وخلف تداعيات سلبية قادت إلي هبوط أسهم البورصات الأوروبية والآسيوية، في إشارة واضحة إلي مدي تأثير الإقتصاد التركي علي الاسواق العالمية. وانخفض اليورو مقابل الدولار وعملات أخرى مثل الفرنك السويسري. وقال الخبير "كيت جوكيس"، المحلل لدى "سوسيتيه جنرال" إن "الأسواق تنتظر ردًا تركيا على أزمة سوق الصرف الأجنبي، وتأمل في مزيد من السياسة النقدية الموثوقة فضلا عن المبادرات الدبلوماسية". وأضاف جوكيس أنه "كلما طال انتظار السوق، زادت إمكانية اتساع نطاق الأزمة، ليس إلى أصول الأسواق الناشئة فحسب بل إلى الأسواق المتقدمة أيضا"، وفق وكالة "رويترز".
ويوم الاثنين 13 لأغسطس، لامس اليورو 1.13655 دولار وهو أقل مستوى أمام العملة الأمريكية منذ يوليو 2017، وبحلول الساعة 05:02 بتوقيت جرينتش سجلت العملة الأوروبية الموحدة انخفاضا نسبته 0.3 بالمائة لتصل الي 1.13765 دولار.
وسجلت أسعار الذهب، يوم الاثنين، أقل مستوى في 17 شهرا مع توجه المستثمرين نحو الدولار وسندات الخزانة الأمريكية كملاذ آمن مع اضطراب الأسواق المالية بسبب الليرة التركية.
وقالت وكالة "فرانس برس"، في تقرير لها، "انخفضت الليرة التركية الاثنين إلى مستويات جديدة أمام اليورو والدولار ما أدى الى انخفاض الأسواق خشية امتداد الأزمة التركية إلى الاقتصاد العالمي".
وتراجع سعر صرف العملات المحلية في البرازيل وروسيا وإيران والهند، جراء الأزمة المالية في تركيا.
وصرحت الخارجية الألمانية في بيان لها، يوم الاثنين 13 أغسطس الجاري، أن للأزمة المالية في تركيا تداعيات خطيرة علي الأسواق العالمية، ستكون أوروبا أكبر المتأثرين بها. وقالت وزارة المالية الألمانية إن أزمة العملة التركية تشكل خطرا إضافيا على الاقتصاد الألماني.

المعالجات
أعلن البنك المركزي التركي عن تدخله لإنقاذ الليرة التركية عبر اتخاذ حزمة إجراءات، من شأنها أن تدعم فعالية الأسواق المالية، وتخلق مرونة أكبر للجهاز المصرفي في إدارة السيولة، وقال البنك في بيان، نشره يوم الإثنين 13 أغسطس الجاري، على موقعه الرسمي، إن الإجراءات المتخذة ستوفر للنظام المالي والمصرفي في البلاد، نحو 10 مليارات ليرة، و6 مليارات دولار، و3 مليار دولار من الذهب. وخفض البنك المركزي، نسب مُتطلبات احتياطي الليرة التركية بمقدار 250 نقطة أساس، لجميع فترات الاستحقاق دون استثناء، ونسب الاحتياطي لمتطلبات الفوركس غير الأساسية، بمقدار 400 نقطة أساس لاستحقاقات عام وحتى ثلاثة أعوام. وأشار البنك المركزي في بيانه إلى إمكانية استخدام اليورو كعملة معتمدة لمقابلة احتياطات الليرة إلى جانب الدولار، "بموجب آلية خيارات الاحتياطي".
وأعلن وزير الخزانة والمالية التركي براءت ألبيرق يوم الإثنين 13 أغسطس الجاري، أن الوزارة بدأت تطبيق خطة عملها لمواجهة تقلبات سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار، اعتبارا من هذه الليلة، وأن الوزارة ستتخذ التدابير الضرورية بسرعة، بالتعاون مع المصارف وهيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية. وقال ألبيرق عبر حسابه في تويتر، فجر يوم الإثنين13 أغسطس الجاري، أن الوزارة أعدت خطة عمل بشأن الشركات الأكثر تأثرا بتقلبات سعر الصرف، بما فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ونفى الوزير الشائعات حول وضع اليد على المودعات في المصارف، وتحويل العملات الأجنبية في حسابات المواطنين إلى الليرة، وحذر أنه ستتم اتخاذ الإجراءات القانونية "بحق من يطلقون ويروجون لمثل هذه الأكاذيب".وشدد على أن الحكومة ستركز على3 أسئلة عند تقييم الاستثمارات والنفقات، وهي "هل يتم تحقيق إنتاج تكنولوجي أو ذو قيمة مضافة عالية؟ هل تزيد الصادرات؟ وهل تُخفض العجز في الحساب الجاري؟".
ومن جهته قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن بلاده "منفتحة على الدبلوماسية والتفاهم ولكن لا تقبل الإملاءات عليها"، مطالباً واشنطن الالتزام بعلاقات الصداقة التقليدية مع تركيا وتحالف البلدين في إطار حلف الناتو.
وقررت تركيا علي لسان رئيسها مقاطعة السلع الإلكترونية الأمريكية ردا على العقوبات.
في توقيت حرج قام أمير قطر تميم يوم الخميس 16 أغسطس الجاري بزيارة خاطفة لتركيا وسط سحب الأزمة وإلتقي رجب طيب أردوغان، ووعد بتقديم دعم مالي قطري مباشر لتركيا بمبلغ 15 مليار دولار.
وصدر يوم الجمعة 17 أغسطس 2018، بيان رسمي صيني عن الموضوع في بيان لوزارة الخارجية قدمت فيه بكين دعما معنويا لتركيا.
يوم السبت18 أغسطس 2018، أجري وزير خارجية الصين وعضو مجلس الدولة الصيني وانغ يي،إتصال هاتفي بنظيره التركي مولود تشاووش أوغلو،أعرب فيه عن دعم بكين لجهود الحكومة التركية لحماية أمنها واستقرار اقتصادها وأنها تؤمن بقدرة أنقرة على تجاوز ”الصعوبات العابرة“ التي تواجهها. وأوضح البيان أن وزير الخارجية التركي تحدث عن الوضع الحالي في بلاده خلال الاتصال الهاتفي وأكد عزم حكومته تعزيز التواصل الاستراتيجي مع الصين.

البعد الاستشرافي للأزمة المالية في تركيا.
الاقتصاد التركي من الاقتصادات الناشئة القوية، بناتج محلي إجمالي تجاوز عتبة التريليون دولار منذ منتصف العام 2011، ليصل إلي 1,614 تريليون دولار مطلع يوليو 2018. ويري طيف لا بس به من الخبراء والمراقبين أن الإقتصاد التركي سيتجاوز الأزمة الراهنة شريطة القيام بتسريع الإصلاحات الهيكلية وتحسين الثقة في مؤسساتها والاستفادة من إمكانيات النمو الكامنة فيها، واستغلال نقاط قوتها المتمثلة في الشباب، والسوق المحلية الكبيرة، والموقع الاستراتيجي. كما ينبغي مواصلة بناء البنية التحتية القوية، وإجراء المزيد من التحسينات في الخدمات العامة، وإيجاد حلول سريعة لمشاكل الاستثمار المحلي والأجنبي، التي تتمثل في عدم القدرة على التنبؤ، وانعدام الشفافية في مناخ الأعمال، وانعدام الثقة في المؤسسات الرئيسة، كما أن هناك فجوة واسعة بين التصريحات السياسية وتنفيذها، وقد زادت في السنوات الأخيرة، وتحتاج إلى تقليصها؛ لإستعادة ثقة المستثمرين، والعمل سريعًا على ترميم التشوهات التي حدثت بسبب محاولة الانقلاب الأخيرة.
يجب علي تركيا التوقف عن التسويق لنظرية المؤامرة والإقرار بأن الأزمة ذات منشأ إقتصادي بالمقام الأول، نتيجة السياسات الإقتصادية الخاطئة، والتوقف عن الخلط بين ما هو سياسي تعبوي لحشد الأنصار وتوسيع قاعدة الشعبية لغايات إنتخابية، وبين الشق الإقتصادي الذي ينبغي أن يترك للفنيين والخبراء والتكنوقراط لإدارته بطريقة إحترافية.
تركيا تحتاج بشكل عاجل لمبلغ يتراوح من 100 إلي 150 مليار دولار لململة تداعيات الأزمة المالية وتجاوزها دون خسائر كبيرة، والمساعدة القطرية( 15 مليار دولار)، ليست كافية لإنقاذ السوق المالية التركية، لكنها حتما ستنعش الإقتصاد مؤقتا، وستوقف لأيام أو اسابيع قليلة من نزيف تدهور وإنخفاض الليرة التركية، لكن تركيا محتاجة لمبلغ 100 إلي 150 مليار دولا، ولا يمكن لتركيا الحصول علي مبلغ ضخم كهذا إلا عن طريق صندوق النقد الدولي، وحتى كتابة هذا التقرير لا تبدو أن لدى تركيا نية اللجوء لصندوق النقد الدولي للخروج من أزمتها.
ليس أمام تركيا الكثير من الخيارات، وعلي تركيا التي تقوم بتصدير منتجاتها إلي أكثر من 145 سوق في العالم،أن تلتزم الحياد في معظم صراعات العالم، وتتجنب خلق العداوات،فالتاجر الذكي (الدولة المصدرة) لا ينبغي أن يكون له أعداء ليقوم بتصريف بضاعته.
كما تحتاج تركيا إلي الاستثمار في المنتجات ذات التقنية الرفيعة والتي تضيف قيمة مضافة عالية، وأن تتحول تدريجيا إلي إقتصاد المعرفة، كما تفعل الصين والهند وبصمت ودون ضجيج.

إعداد:
الدكتور الحسين الشيخ العلوي.
23 أغسطس 2018 / تونس

عودة للصفحة الرئيسية