أكاديمي جزائري يكتب: ليْتنا نقتدي بموريتانيا!

الخميس 23-08-2018| 11:49

أبو بكر خالد سعد الله أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة

تربط الجزائر بالشقيقة موريتانيا علاقات طيبة، ودليل ذلك ما تم ميدانيا قبل بضعة أيام حيث فُتح معبر حدودي لنقل المسافرين وتبادل البضائع برا. كما أن وزير التعليم العالي الموريتاني قد زار الجزائر قبل 3 أشهر، وأبرم اتفاقية تعاون في مجال التعليم والبحث العلمي. ومن بين ما اتفق عليه تبادل المنح الدراسية لفائدة طلبة البلدين حيث ستوفر موريتانيا 50 منحة للجزائريين في علم البحار وغيره، كما ستوفر الجزائر نحو 200 منحة للموريتانيين في اختصاصات مختلفة منها الطب والإلكترونيات وفي المجال المهني.

سعي موريتانيا الجاد
كل هذا جميل ونتمنى أن يتدعّم، لكن هناك مجالا لم نسمع أن الجزائر أخذت فيه العبرة من موريتانيا، وهو مجال تكوين النخب الذي قطعت فيه موريتانيا شوطا معتبرا خلال بضع سنوات. ففي الوقت الذي لا نعير فيه أهمية خاصة لنجبائنا قبل وبعد البكالوريا، وبينما يصرّح مسؤولونا بملء أفواههم أن المتفوقين ليسوا بحاجة إلى المرافقة والدعم… بدعوى أنهم قادرون على النجاح في دراستهم من تلقاء أنفسهم، نجد في بلدان المغرب العربي الكبير اهتماما متزايدا بنخبها وبالمتميّزين من التلاميذ والطلبة.
لقد ذهبت المغرب وتونس بعيدا في هذا الموضوع وأسّستَا الهياكل اللازمة لمرافقة المواهب في المجال العلمي. وهاهي موريتانيا الآن تلتحق بالركب بعد أن تفطنت إلى أهمية هذا التوجّه فراحت تستعين بالمغرب ثم بتونس لتكوين هذه النخبة. والاستعانة بالأشقاء لا يعني أن موريتانيا خالية من الأساتذة الأكفاء في التعليم العالي بل هي تريد أن يتولى أمر المواهب أساتذة مبرّزون متدربون على تكوين النجباء. وقد نجحت في هذا الاختيار.
وفي هذا السياق، أنشأت موريتانيا المدرسة العليا المتعددة التقنيات بنواقشط عام 2011 دمجت فيها 3 مدارس مختصة في تكوين المهندسين في مجال المناجم والأشغال العمومية وغيرها. وقد وُضعت المدرسة تحت وصاية وزارتي التعليم العالي والدفاع. ويدير المؤسسة عقيد مهندس علما أن وزارة الدفاع هي المسؤولة عن ميزانية وتسيير المدرسة. والهدف من المؤسسة منح أرقى الشهادات للمتميزين وتكوين إطارات الدولة والأكاديميين في المجالات العلمية والتقنية المختلفة. كما كُلفت المؤسسة بالتكوين المستمر في نفس المجالات.
سيقول قائل بعد سرد هذه المعلومات : وما الجديد في ذلك، ونحن لدينا ما يشبه هذه المدرسة؟ الجديد الذي نودّ الإشارة إليه في هذا المقام أن هذه المدرسة بالذات أَنشَأت بداخلها عام 2015 معهدا تحضيريا يُعِدّ المتميزين خلال سنتين بعد البكالوريا كي يتمكنوا من المشاركة في مسابقات الدخول إلى المدارس العليا في تونس والمغرب وفرنسا وموريتانيا.
والمقبولون في هذا المعهد هم التلاميذ الحاصلون على البكالوريا بامتياز في ثانويات امتياز. ثم إن طلبة المعهد يخضعون للنظام الداخلي في الإقامة ويستفيدون من منح دراسية معتبرة مقارنة بمستوى المعيشة في نواقشط (تتراوح ما بين 45 و60 أورو شهريا حسب المستوى الدراسي). وقد عملت المؤسسة على توفير محيط علمي متميّز (مخابر، ومكتبة ثرية…).

المبادرات لم تتوقف
ومن بين ما يلتزم به هؤلاء الطلبة هو الانضباط الصارم الأشبه بالانضباط العسكري في السلوك والنظافة، فضلا عن الجدية والتركيز في الدراسة. وبالتالي فلا تفكير لدى الطلبة في الإضرابات ولا التغيب عن الدراسة. وقد بلغ عدد طلبة وطالبات المعهد هذه السنة 210 طلبة. والهدف المعلن من هذا التكوين هو الحصول على نوعية عالية وفق المعايير الدولية في تكوين فئة الطلبة ذات المؤهلات الخاصة بحيث تسمح لهم مواهبهم ومستواهم العلمي بمواصلة الدراسة في أرقى المؤسسات الفرنسية والتونسية والمغربية والموريتانية.
وعلى سبيل المثال، فما يؤكد نجاح هذه المبادرة الحديثة العهد أن 7 من خريجي السنة الماضية (الدفعة الأولى) قد تأهلوا للاختبار الشفوي في المدرسة المتعددة التقنيات الباريسية العريقة. وهي مسابقة تُعتبر من أصعب المسابقات في فرنسا، وشهرة هذه المدرسة تجعل من خريجيها تختطفهم المؤسسات العالمية في كل مكان. لكن موريتانيا لا تهدف من خلال هذا التكوين تهجير أدمغتها بل بالعكس، فهي قررت تزويدهم بتكوين رفيع ثم استغلال طاقاتهم بعد التخرج في خدمة البلاد.
علينا أن نلاحظ بأن تأشيرة الدخول إلى فرنسا لم تصل في وقتها لخمسة من هؤلاء السبعة ولم يشارك في الشفوي إلا اثنان فاز منهما واحد. أما الآخرون فنجح منهم 11 (من بين 14 مترشحا) في مدرسة فرنسية شبيهة بالسابقة، و9 (من 20 مترشحا) في مسابقة مشتركة في فرنسا للدخول إلى نحو 30 مدرسة هندسة، و25 (من 25 مترشحا) للدخول إلى مدرسة المتميزين في تونس، و10 (من 11 مترشحا) في المغرب.
أما البرنامج الدراسي الذي يدوم سنتين بعد البكالوريا فلاحظنا أنه يتضمن 12 ساعة أسبوعية مخصصة للرياضيات و8 ساعات للفيزياء والكيمياء، و3 ساعات لعلوم الهندسة، وساعتان لكل من اللغة العربية والإنكليزية والفرنسية والمعلوماتية، وهذا خلال 30 أسبوعا سنويا. وليس هذا فحسب بل يصر المعهد على المراقبة المستمرة لمهارات الطلاب وتحفيزهم على العمل والمثابرة؛ ولذلك يُجرى لكل منهم أسبوعيا اختباران شفويان فضلا عن فرض أسبوعي في القسم !
وبعد كل هذا، أنشأت موريتانيا عام 2016 معهدا مماثلا يحمل اسم “المعهد العالي للغة الإنكليزية” وضع هو الآخر تحت وصاية وزارة التعليم العالي ووزارة الدفاع يشرف عليه ضابط في البحرية، وتنظم شؤونه وزارة الدفاع. وهذا المعهد ليس كالمعاهد العادية المختصة في اللغات، إذ أرادت السلطات الموريتانية أن يكون معهد امتياز يستهدف تكوين نخبة من الطلبة وفق مناهج دراسية محكمة للتميّز في اللغة الإنكليزية وثقافتها، وهذا تلبية لحاجيات البلاد والمجموعات المحلية والهيئات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية.
كما تريده أن يساهم في “انفتاح موريتانيا على الاقتصاد العالمي والثقافة العالمية”. وهنا أيضا لجأت السلطات -إضافة إلى استغلال خبرائها المحليين- إلى توظيف أساتذة بريطانيين يتمتعون بخبرة عالية وتجربة واسعة في مجال التكوين اللغوي.
تلك هي بعض مبادرات موريتانيا في تكوين المتفوقين من طلبتها بعد أن أدركت دور النخبة في تعزيز مكانة البلاد بين الدول. أما في بلادنا فلازلنا نتجادل ونتبادل التهم في هذا الموضوع، فبعضنا يرى أننا سنكوّن للخارج لو فعلنا ذلك وسندعم هجرة الأدمغة، والبعض الآخر يرى أن المتفوّق لا يحتاج إلى مساعدة !! كل ذلك لتبرير عجز سلطاتنا منذ الاستقلال في وضع خطة لتكوين نخبة نوفر لها مختلف المحفزات لجعل جلّها أو كلها يفضل العمل داخل البلاد بدل الهجرة.

عودة للصفحة الرئيسية