الجهاد بين بيع الكلام وتقتير المداد/الولي سيدي هيبه

الأحد 1-07-2018| 20:00

الولي سيدي هيبه

على الرغم من أن شهداء الجهاد في مقارعتهم للإستعمار لم يوقعوا يوما لحفيد أو ناطق باسمهم على قبض ثمن تضحياتهم في سبيل الله و وجه الوطن، يستمر البحث هزيلا، واهيا و مشوها ـ في مدعى كتابة ـ لا تخفي "غرضيتها" و "النفعية" منها ـ تاريخ هذا الجهاد ضد الاستعمار بعيدا عن حتميات وضرورات هذه الكتابة العلمية بكل أوجه الأمانة و الوسائل المناسبة؛ جهاد خانته الذاكرةُ الجمعوية بفعل هؤلاء الكتبة المردة، و شوهته عقليةُ "السيبة" القبلية الشرائحية الإقطاعية التي ما زالت حية بظلاميتها و قد جعلته عرضة لكل "هنْتات" أثيم سولت له نفسه الخوض فيه حتى انصرف المواطنون عن الاهتمام به و تكيفوا مع غيابه مادة تعليمية في منهاج يعرضه ناصعا بحلته القشيبة، متوخا له كامل المصداقية بتحري الصدق ة الأمانة و التجرد في نقل وقائعه عرض أدبه و نفض الغبار عن أثره المسطور. و هي المحاولات التي تمنى يوما بعد يوم بفشل لا يخفى، و بانحسار شغف المواطنين، أكثر فأكثر، بمعرفة تاريخ هذه الحقبة الذهبية و أهلها الأشاوس الذين لم يوقعوا يوما على وصية بقبض ثمن تضحياتهم، كما أنهم لم يتركوا صك إنكارا على سواهم ممن جاهدوا بطرق أخرى لجلب الخير و العدل و الاستقامة و البناء لحوزتهم الترابية التي كانت تنتشر في بعض ربوعها سطوة الحيف و الظلم و قانون الغاب. فهل يترك هؤلاء للمخولين كتابة التاريخ هذه المهمة؟ و هل ينبري هؤلاء "المخولون" و ينبذوا خيانة الأمانة و يعزفوا عن المردود الهابط منها؟

الغش حتى على التراث

تابعت على قناة الساحل وثائقيا جميلا عن العمارة الموريتانية القديمة. و لما كان الموضوع في صلبه مكررا إلا أنه بما تخلل فقراته من مداخلات المؤرخين قد حمل ما كسر الروتين الممل عن مدن باتت سلعة رخيصة أكثر منها معالم و شواهد و مفاخر وطنية و علامة بارزة للهوية. و مما لفت انتباهي في معرض المداخلات عن هذه المدن القيمة و قيمتها الحضارية و التاريخية و الاشعاعية و المعمارية هو ما ذكره أحد المؤرخين عن تهديد اليونيسكو بسحب اعترافها بمددنا القديمة و شطبها من سجل التراث العالمي، بعد ما كانت أدرجت عليه بجهود جبارة، لما طرأ عليها من غش بإدخال مواد حديثة في عملية ترميمها ضربا عرض الحائط بالتعهدات و المواثيق. و لكن هذا العمل المشين الذي يخجل غيرنا من القيام به حفاظا على تاريخه و هميته يعكس مدى ترسب فعل الغش في عقليتنا الجمعوية سعيا وراء جني المال بكل السبل.

بلد العجائب في جمود التناقض

من عجائب هذه البلاد و متناقضاتها المحيرة للأذهان أنك ترى الظلام الدامس يلف بيوتا عجز أصحابها عن دفع رسوم التوصيلة بالعمود و يعمدون إلى سرقته من تحت الأرض بأسلاك لا تكاد تقدم منه ما يضيئ، إلى جانب إنارة باذخة ترهق العيون و تجلب الصداع في بيوت كالقصور لا يدفع ملاكها مستهلكهم من الكهرباء عمدا و لا يخافون عقباها. سرقة بسرقة و تساهل بتساهل و كأن الموازين طبيعية بذلك من أجل أن تبقى الأحوال على ما هي عليه كما كانت منذ أيام "السيبة المفتوحة" إلى غاية "السيبة المقنعة"..و ترى المنمين يشتكون من ضعف تزويد الدولة إياهم بالأعلاف لماشيتهم التي تضيع بسبب الجفاف و أهليهم أشد وطأة بالفساد على الوطن من الجفاف و لا مقارنة البتة بين ذاك و ذاك و كأن الأمر مسرحية هزلية من فصل واحد ستنتهي حتما بإسدال الستار.. كما ترى مشاهد المجاعة على عتبات بيوت المتخمين من أموال الدولة.. فلا الجائعون يعتبون لأنهم إن شبعوا سطوا بأشد و أقل خجلا، و لا أهل الشبع يكترثون أو يهبون لإدراكهم و نجدتهم و كأن الأمر في العقول طبيعي في بلاد المتناقضات.. و ترى السياسي ينافق ضاحكا و يحلف حانثا و يدعي آثما كل فضل و كريم محتد و علو همة و الكل بقربه شعراء و غاوون و كأن الأمر طبيعي في بلاد العجائب.. و ترى الصحافة تهيم في فضاء الخواء المهني و المادي و المعنوي و الإنتاجي و أصحابها يشدُون مزهوون بخواء جيوبهم و قلة احترامهم و لا يعبؤون و يتدثرون بولاءات عفا عليه الدهر و أخرى لا تؤتي أكلا من فرط قلة نخوة أصحابها.. و كل شيئ يبقى دائما طبيعي إلا في قليل لحظات الاستفاقة اللحظية أمام واقع الآخرين من حولنا.

نقيصة الصدق و تزكية السيبة

إنهم قليلون في هذا بلد ـ و قد غلبت عليه "الحربائية" منذ أمد بعيد و تكيف أجلاف أهله مع تصدع الضمير و موت النخوة و غياب الإباء، و حب متاع الدنيا لذات النفس من دون إثراء أو تقاسم، و تعاطي الكبر و الادعاء الجريء بجام المعارف و رفيع الآداب على سائر العالمين؛ قليلون إذن هم الذين يتحرون الصدق و يهابون الكذب فيخشون عواقبه، و يتقيدون بوجوبه دينيا، و بسلامته نهجا منيرا، و حافظا أمينا للكرامة، و موجها مهتديا لبنية الشخصية و اتزان الضمير.. و أما من يفعلون بصفاء النفس و شموخها، فمنبوذون و مستهدفون بالإقصاء و التهميش و الإبعاد، و مُفتعل الازدراء الوهمي، و الاحتماء الجبان به من سوء الحال الذي يطبعه النفاق و التزلف و الظلم و خسيسة النهب و الفساد، و اضطراب النفس الأمارة بالسوء، و تخلخل الضمير، و تذبذب الذات.. ذاك ما تتكشف عنه يوما بعد يوم الخارطة الاجتماعية المتهالكة و التركيبة العارية من كل أخلاق و سلوك حسن، و تهافت التهافت على نهب البلد بكل عذر سياسي يلبس كل مساوئ القبلية و سوءات العشائرية و ظلال الشرائحية و مدعى الإيديولوجية، و لا أحد يكترث و كأن الأمر تزكية لـ"لسيبة" و مباركة لمنهجها.

عودة للصفحة الرئيسية