أزمة UFP: رؤية احد الأطراف لأسباب الخلاف

عنوان المقال: العلمانية ،، ليست السبب

الأحد 24-06-2018| 11:30

عبد الرحمن عبدي

الصراعات الفكرية مُنتجٌ إنساني طبيعي ؛ فالتأريخ جله بل كله صراع لتبيين مكامن الخطأ والصواب ، ووضع النقاط على الُتناقضات التي يُنتجها الواقع المادي للحياة. هذه نتائج حتمية لا مناص من حدوثها في العاجل أو في الٱجل.
ولذا فحين يصل مستوى أي صراع ، أفق إطار المبادئ ؛ لا يكون هناك سوى فتح الجروح وضغطها بقوة وشدة حتى ترسوا على الخط الصَّريح والصَّحيح ، والذي هو الفيصل النِّهائي والخيط الجامع لكل تنظيم تأسس على نظرية واضحة ودقيقة ، وغير قابلة للالتباس.
في هذا الإطار يندرج المشكل الحاصل ٱنيا في حزبنا : اتحاد قوى التقدم ، والذي نعتبره الوريث الشرعي للإرث الكادح ؛ الذي ناضل بصدق وشجاعة ضد كل ممارسات الاستغلال ، والاستعباد ، والإقطاع. ولذلك فإننا نعتقد أن هذه المبادئ ؛ هي خطوط حمراء لن نسمح أبدا بتحييدها ، أو تمييعها قيد أنملة صغيرة.
وعليه فإنه من المهم جدا التذكير الصَّارم ، والجذري بأن المبادئ هي كل ما نملك ، وهي الحامل المادي والمعنوي لضمائرنا ، وهي الشيء الوحيد الباقي في حقائبنا التي أفرغتها أنظمة الاستبداد المتعاقبة على قيادة هذه الدولة منذ نصف قرن ونيِّف. ولذا فإن أي مستوى من النقاش يصل سُلَّم تلك المبادئ ؛ سينتج عنه التوقف الفوري ، لأن المبادئ غير قابلة للتَّقسيط. وعليه يجب أن نوضح أن النِّقاط الجوهرية التي سببت أزمة الحزب هي كالتالي :
1 - مسألة العبودية والتي أصبح الحزب بقيادته المولودية ؛ يتعامى عن التعليق عليها في جل خرجاته الإعلامية ، ويُوازي في ذلك الطَّرح الرجعي الشائع وهو ما يمثل ارتكاسة فكرية تخرج عن الخط العام للحزب.
2 - مسألة الإرث الإنساني ؛ والتي بدورها باتت حبيسة الوثائق ، ومؤرشفة في أدبيات الحزب ، وخالفت سياقها النضالي الذي انبنت عليه. وٱخر مثال على ذلك؛ الندوة التَّضامنية والتَّأبينية التي أقامها الحزب في 28 نوفمبر من السنة المنصرمة ، والتي خلقت تباينا قويا داخل الحزب نتج عنه امتناع الرئيس محمد وجماعته عن توقيع بيان يشجب تلك المجازر مما جعله يخرج باللغة الفرنسية فقط.
3 - حادثة العبودية التي رفعت للمحكمة الجنائية بمدينة نواذيب يوم 28 مارس 2018 ، والتي كانت دليلا قاطعا على استمرار هذه الظاهرة المشينة ، والتي من المفترض أن تشجبها ( وهو ما حدث فعلا) كل القوى التقدمية عموما ، وقوى اتحاد قوى التقدم خصوصا ، الأمر الذي لم يحدث البتة وبتقديم تفسيرات غاية في الرجعية.
4 - حادثة أخرى قديمة/جديدة ؛ وقعت في قرية "تادريسه" التابعة لمقاطعة مگطع لحجار ، والتي كانت حيثياتها تتمحور حول منع سكان هذه القرية (جميعهم حراطين) من ممارسة صلاة الجمعة في مسجدهم الذي بنوه من مجهوداتهم الخاصة. هذا المنع الذي استُعملت فيه وسائل القوة العمومية في خروج صريح على كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية. انتظرنا شجبا مرة أخرى ، لكن شيئا لم يحدث ، والتفسيرات كسابقاتها.
5 - حادثة كوبني الواقعة قبل يومين ؛ والتي مورست فيها العبودية بالضرب على أناس أبرياء عبروا عن امتعاضهم من ممارسة العبودية عليهم في ظل القرن الواحد والعشرين. كالعادة أيضا لم يتم الشجب ولا التنديد.
6 - مسألة اليسار ؛ والتي هي نقطة الجوهر عندنا ؛ أصبحت أيضا معتبرة من القضايا التي يُخجل منها ، ويُستحى من الحديث عنها بشكل صريح وشفاف ، في الوقت الذي تعتبر فيه عمقنا الفكري ، وتحليلنا المادي لتناقضات الحياة ، وواقع الطبقات المهمشة في كل المجالات وخصوصا ذات الطابع الاقتصادي.
7 - مسألة الاشتراكية ، والتي تعبر عن تفسيرنا للاقتصاد المجتمعي الذي ينبغي أن يكون موضوعا تحت يد الدولة ، منعا للاستثراء غير الشرعي لموارد الدولة وثرواتها ، التي هي ملك لجميع الموريتانيين وللأجيال القادمة عموما. وحين يقول الرئيس محمد مولود بضرورة تحرير السوق ، وتشجيع المبادرات الفردية ذات البعد الاقتصادي ؛ فهذا هو عينه الدعوة لترسيخ مزيد من الرأسمالية ، وهو تناقض صريح مع خطاب الحزب في جانب رؤيته الاقتصادية. إذن من جديد نضرب بعرض الحائط المبادئ.
8 - قضية المرأة ؛ وهي جزء لا يتجزأ ولا ينفصل عن باقي الممارسات الاستغلالية التي يعانيها مجتمعنا ، والتي تفاقمت في الٱونة الأخيرة لدرجة تخليفها أفعال عنفية ضد المرأة وصلت مرحلة القتل ، وما حادثة بريميير إلا تجل من تجليات ذلك العنف. كان المفترض خروج بيان مندد بهذه الممارسات ؛ لكن مرة أخرى جناح محمد مولود منع ذلك ، بل أكثر من ذلك اعتبر قضايا مثل هذه مثيرة للاختلاف.
9 - قضية الشركات المتعددة الجنسية ، والتي هي لون جديد للاستعمار الكومبرادوري الذي تعاني منه ثروتنا الوطنية ، التي تنهب بشكل رهيب وخارج على القواعد القانونية المنظمة لهذا القطاع. مثال ذلك نهب الثروة الذهبية من طرف شركة كينروس ، والمعدنية من طرف شركة MSM وكوسموس القادمة غدا أو بعد غد.
10 - أخيرا ؛ مسألة العلمنة والتي هي في حقيقتها جزء بسيط جدا وليست أبدا السبب المباشر ، أو المتوسط ، ولا البعيد لهذا الصراع الدائر ٱنيا ، ولذا فلا داعي لاعتبارها شماعة تعلق عليها التناقضات الواقعة في المبادئ. إنها فقط قُدر لها أن تكون عود الثقاب الذي أشعل الفتيل بعد أن امتلأ المخزون من بنزين التناقضات الفكرية والمبدئية منذ أمد بعيد.
في نهاية المطاف فإن مبدأ الاختلاف ؛ هو سمة جوهرية للأحزاب ذات المبدأ الديمقراطي ، ولكن لا يمكن أبدا أن يصل ذلك الاختلاف إطار المبادئ العامة والحمراء التي تجمعنا جميعا ، وحين تصل فإن كل الاحتمالات تكون مفتوحة ، إلا واحدٌ وهو النقاش حول وجاهتها.


عبد الرحمن عبدي.

عودة للصفحة الرئيسية