تجربة مركز المؤتمرات الجديد والعدد " 8 "

الثلاثاء 19-06-2018| 12:00

محمدو ولد البخاري عابدين

معلمة جديدة تتزين بها العاصمة نواكشوط، وتُوسع لها آفاق حضورها الإقليمي والدولي الذي باشرته خلال العقد الأخير مؤمنة بأن لا مكان في هذا العالم للمتقوقع المستسلم للعجز، الخانع شعورا بالنقص والدونية والمسكنة! حيث كان الاعتزاز والثقة بالنفس عنوانا لأول قمة عربية في نواكشوط تحت خيمة، إذ لا حدث أغلى ولا أهم من إعلان استقلال البلاد الذي جرى هو الآخر تحت خيمة على كثيب.. وحيث تاقت الإرادة إلى احتضان محفل ثان قاري أكبر، فكانت الثقة بالنفس والقدرة على الإنجاز والتحدي والاستعداد أيضا عنوانا لاستضافة البلاد لأول قمة للاتحاد الإفريقي.. وطبعا فإنه إذا كان سيكون لهذا الحدث ما بعده، فإنه أيضا كان له ما قبله مما هيأ له الأرضية والأجواء من جهود وعمل دؤوب، ليس فقط على مسوى البنى التحتية والتعمير، وإنما أيضا على مستوى الدبلوماسية والأمن والانفتاح، وكما يقولون طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ثم خطوات..

إنه المركز الدولي للمؤتمرات الجديد الواقع على طريق " مطار نواكشوط ـ أم التونسي الدولي " الذي كان هو الآخر معلمة أفتقدت العاصمة مثلها لعقود، إضافة إلى معالم أخرى موازية في الأهمية تترآى لك وأنت تسلك هذا الطريق، وتأخذك إلى معالم دولة بدأت تضع أركان نهضتها بعد عقود من الانتظار، دون إهمال لركن من تلك الأركان حسب ما يتيحه لها الوقت والإمكانات، كجامعة نواكشوط العصرية، ومعهد اللغة الإنجليزية، ومركز أمراض القلب، والمطار العسكري ومبنى قيادة سلاح الجو، والكلية الحربية، والمحطة الحرارية الكبيرة 700 ميغاوات، ومحطة الشيخ زايد للطاقة الشمسية، ومركز التحكم في شبكات الكهرباء، وورشات مشروع الربط الكهربائي عالي الجهد نواكشوط ـ نواذيبو، وكذا فندق المطار والاستثمارات والمشروعات السياحية المحاذية له..

وقد أصبح هذا المركز جاهزا للاستغلال بحلول يوم 8 ـ 6 ـ 2018، وأخذت الأشغال فيه 8 أشهر، وللعدد العربي " 8 " مميزات وحقائق عجيبة لدرجة أنه يُعرف بالرقم المعجزة.. فإذا أوقفت سيارتك عند محطة الوقود مثلا ونظرت إلى لوحة العداد قبل أن يبدأ العمل فلن ترى غير الرقم العربي " 8 " مكررا في جميع الخانات.

وإذا ألقيت نظرة على الميزان الالكتروني قبل أن تضع عليه قدميك، فلن ترى غير الرقم العربي " 8 " مكررا في جميع الخانات، وإذا أمعنت النظر في ساعتك الالكترونية فلن ترى غير الرقم العربي " 8 " مكررا.. وإذا نظرت في لوحات جميع الأجهزة الرقمية، فلن تجد غير هذا الرقم مكررا ومُشكلا خلفية لهذه اللوحات! وهكذا.. فإن ذاكرة العديد من الأجهزة الالكترونية قائمة على الرقم " 8 ".

إن الرقم العربي " 8 " هو مفتاح الثورة الرقمية، وهو أهم ما قدمه الفكر العربي للبشرية في علم الأعداد، وإن الثورة الرقمية التي يشهدها العالم اليوم لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه لولا الرقم العربي " 8 " المعجزة والذي هو ببساطة أهم الأرقام؛ بل هو أمها، حيث يحتوي على جميع الزوايا، ويتكون من أجزاء متعددة، وعند إزالة إي جزء من تلك الأجزاء ينتج من الأجزاء المتبقية رقما مختلفا، وبذلك تتولد وتتشكل منه جميع الأرقام والأعداد التي عرفها البشر ( 0، 1، 2، 3 .... 9 ).

وكذلك جاءت آية التحدي في القرآن العظيم 88 من سورة الإسراء التي تحدى الله عز وجل فيها الإنس والجن بأن ياتو بمثل القرآن ( قلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَاتونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيرَا ).

ندرك أن تاريخ جاهزية هذه المعلمة، والمدة التي أخذتها الأشغال فيها، وتكرار أو حضور الرقم " 8 " في ذلك لم يكن سوى صدفة محضة، ولكنها صدفة كانت على ميعاد مع ارتباط الرقم " 8 " بالثورة الرقمية التي تتميز بالسرعة والإتقان، ومع التحدي الوارد في الآية 88 من سورة الإسراء.

سرعة الإنجاز:

حيث تم إنجاز هذا المركز بسرعة فائقة بالنظر إلى حجمه ومتطلبات المعايير اللازم توفرها فيه وأخذت الأشغال فيه 8 أشهر فقط.

التحدي:

كما كان إعلان البلاد عن استعدادها استضافة القمة الإفريقية بعد عام فقط ومكان المقر الذي ستنعقد فيه لا يزال حينها أرضا غفارا في حد ذاته تحديا..

ليبقى تحدي سلاسة وسلامة وحسن التنظيم تحديا آخر، ورجاؤنا أن تكون التدابير قد اتخذت له مثلما اتخذت لتشييد المركز نفسه.. وأن لا تضيع دقيقة من الأيام المتبقية من أجل وضع كل اللمسات، واختبار والتأكد من كل الإجراءات، وتخيل كل المفاجآت المحتملة ووضع البدائل لها، خاصة في مجال الاستقبال، والضيافة، والنقل، والتغطية والنقل الإعلامي، والصوت والصورة، وتقنيات الترجمة، وتحديد المهام بدقة، وتحاشي تداخل المسؤوليات.

ونستلهم من الظرفية القياسية التي أخذها إنشاء هذا المركز حاجة بلدنا كبلد " نام " أهله طويلا، وضيعوا من الوقت والموارد كثيرا مما لو كان تم استثماره لما كنا نتحدث اليوم عن طرق ولا مطارات ولا موانئ ولا جامعات ولا مستشفيات ولا محطات كهرباء ولا شبكات مياه .. ولكانت كل هذه البنى والمنشآت قد قامت منذ عقود، ولكنا اليوم منشغلين بتطويرها وتوسيعها وتوجيه واستثمار الموارد الموجهة لإنجازها في غيرها من أوجه تنمية وتشغيل وتصنيع.. حاجته إذن للسرعة في تعويض ما ضاع من وقت وموارد وفرص، والانتهاء من هذه البنى والأسس لتقصير المسافات نحو أوجه تنمية أخرى مادية وبشرية لا يمكن العبور إليها دون وضع أسسها وبُناها.

فبعد أن أدركنا، من خلال تجربة تشييد هذا المركز، أنه بالإمكان الجمع بين الإنجاز في وقت وجيز وبمعايير عالية، يحق لنا التطلع إلى اتباع هذه الوتيرة في بقية البنى والأسس والمنشآت التي لا زال بلدنا بحاجة إليها، ولنعترف أن سوق المقاولات المحلية في بلادنا لا زال ضعيفا جدا من حيث الخبرات في تنفيذ المنشآت الكبيرة، وليته ضعف الخبرات فقط، إذ هناك أيضا عدم مسؤولية المقاولين وامتهان الغش في تنفيذ أعمال المنشآت على حساب الجودة والإتقان، والتهاون على حساب سرعة التنفيذ، وبالطبع لا يمكن أن يحدث ذلك إلا بتمالؤ بين المقاول وجهات رقابة وإسناد تنفيذ المنشآت!

فمن المفارقات هنا أنه في الوقت الذي أخذ فيه تشييد مركز دولي للمؤتمرات بهذا الحجم والمواصفات، بطوابقه وتجهيزاته وقاعاته الفسيحة وملحقاته المختلفة من مئات مكاتب وإقامات رئاسية عديدة، ومن طرق وممرات وإنارة وحدائق وتشجير، أخذ 8 أشهر فقط، نجد مدرسة ابتدائية من ستة فصول أو مستوصف من غرف بسيطة أو دار شباب أو ملعب جهوي تأخد الأشغال فيهم سنتين وثلاث وأربع سنوات! وما ذلك إلا لتهاون وغياب مسؤولية ومراوغة المقاولين المحليين المنفذين، حيث تأخر تنفيذ منشآت عديدة وفُسخت عقود كثيرة مع هؤلاء المقاولين! وإن كانت صفقة بناء المركز الجديد توالها مقاول محلي،إلا أنه ما كان ليحقق هذه المعايير والسرعة في التنفيذ لولا اعتماده على الخبرات الأجنبية في الجوانب التي تتطلب تلك الخبرات.

وعليه فأملنا مستقبلا هو الاستمرار في إسناد تنفيذ كل المنشآت الكبيرة، التي نحن متأكدون من أن لا وجود لخبرات محلية لتنفيذها، لجهات تمتلك الخبرة وتتحلى بالمسؤولية، إلى أن يمن الله علينا بمؤسسات مقاولات وإنشاءات حقيقية. ولا عبرة عندنا هنا بالصفقات إن كانت بالتراضي أم كانت ب " التقاضي " إذا ما كان التنفيذ بالسرعة وبالمعايير العالية كما حدث في تشييد هذا المركز، فالمنشآت العملاقة بالعالم قديمة قدم التاريخ حين كان لا صفقات ولا هم يحزنون.. ولا زالت تلك المنشآت قائمة إلى اليوم وبنفس القيمة والمواصفات، بينما نظام الصفاقات نظام حديث وليس بالضرورة ضامنا لا للسرعة ولا للجودة ولا للاتقان إذا غابت المسؤولية و ضعُفت الرقابة وتدنَّت الخبرات!

محمدو ولد البخاري عابدين
36224642

عودة للصفحة الرئيسية