رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



وضعية السوق العالمي لخامات الحديد ومستقبل "سنيم" (الحلقة2)



موريتانيا: التقرير السنوي لحصيلة عمل الحكومة وبرنامجها المستقبلي



وضعية السوق العالمي لخامات الحديد ومستقبل "اسنيم" (الحلقة1)



السياحة الثقافية والصحراوية في آدرار



هل تعجز الدولة عن إجراء مسابقة للممرضين بكيفه؟!



حق رد على سؤال تنموي يهم كل واحد منكم



نظرية المؤامرة 12_12_1984



محطات بارزة في حياة الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع



إصدار جديد للشنقيطي

الأربعاء 6-06-2018| 14:28

صدر مؤخرا كتابي الجديد : (الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية : من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي) عن منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة. وهو دراسة واسعة جاءت حصاد سنين من البحث والتأمل، والتنقيب في تراث المسلمين وتاريخهم، وفي كتب كبار فلاسفة السياسة عبر العصور، من أيام أفلاطون إلى مطالع القرن الواحد والعشرين. وقد شرَّفني الشيخ راشد الغنوشي بكتابة تقديمٍ للكتاب. وستكون هذه الورقة من أوراق الربيع تعريفا للقراء الكرام بالكتاب، بقدر ما يسمح به اختزال ستمائة صفحة في مقال.

فالكتاب دراسة عن أزمة الشرعية السياسية في الحضارة الإسلامية، تعتمد النصَّ الإسلاميَّ معياراً، والتجربةَ التاريخية الإسلامية موضوعاً، وخروجَ المسلمين من أزمتهم السياسية غايةً. والمقصود بالأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية تلك المفارقة بين المبدأ السياسي الإسلامي والواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون سياسيا، ولا يزالون يعانون تبعاته حتى اليوم، ثم ما نتج عن تلك المفارقة من صراعات سياسية مريرة في تاريخ الحضارة الإسلامية منذ منتصف القرن الأول الهجري إلى اليوم.

وقد قدَّمنا هذه المفارقة في شكل توتُّر دائم بين مقتضيات المبدأ النصي وأعباء الواقع المتخلِّف عنه أو المقاوِم له. فقد خلَّفت هذه المفارقة بين المبدأ النصي والواقع السياسي ألماً ظاهرا على الجسد الإسلامي، وتشاؤما مُضمَراً في حنايا الضمير المسلم عبر القرون. وليس من المبالغة القول إن جميع مظاهر الحضارة الإسلامية -بما في ذلك وعْيُها بذاتها وعلاقتُها بالغير- اصطبغت بصبغة أزمتها الدستورية، منذ صدْر الإسلام إلى زماننا الحاضر. لذلك اعتبرناها أزمة حضارة، لا مجرد أزمة نظام سياسي.

وقد بدأ الكتاب بمقدمة تتحدث عن "سيف الإمامة المسلول" على رقاب أمة الإسلام عبر القرون، وانتهى بخاتمة اشتملت على ومضة أمل في "إغماد سيف الإمامة"، إذا أحسن المسلمون اقتناص اللحظة التاريخية الحالية، وتشخيص الداء، وتوصيف الدواء. وتعبير "سيف الإمامة" مستمَدٌّ من قول الشهرتاني : "وأعظمُ خلافٍ بين الأمة خلافُ الإمامة، إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان."

يتألف الكتاب -بعد المقدمة- من مدخل تمهيدي، وثلاثة أقسام يشتمل كل منها على فصلين، ثم خاتمة. وإذا أردنا وضع أقسام الكتاب الثلاثة في تقابُل، فيمكن القول -بتبسيط مُخِلٍّ- إن موضوع القسم الأول من الكتاب هو النص السياسي الإسلامي، وموضوع القسم الثاني هو التاريخ السياسي الإسلامي، وموضوع القسم الثالث هو تلمُّس سبيل للخروج من الأزمة السياسية الإسلامية.

وقد جعلْنا القسم الأول بعنوان : "التأمُّر في الأمير" والقسم الثاني بعنوان : "التأمُّر عن غير إِمْرةٍ،" والقسم الثالث بعنوان : "الخروج من فقه الضرورات." والتعبيران الأول والثاني مُستمَدَّان من نصوص السنة النبوية. فالأول مأخوذ من خبر جرير بن عبد الله : "إنكم معشرَ العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر" (صحيح البخاري)، والثاني مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن غزوة مؤتة : "ثم أخذها [=الراية] خالد بن الوليد عن غير إمْرة ففُتح عليه" (صحيح البخاري). أما عنوان القسم الثالث : "الخروج من فقه الضرورات" فهو مستمَد من المعاناة الفقهية مع تاريخ المسلمين السياسي المضطرب. ولعل أدقَّ توصيف لتاريخ المسلمين وحاضرهم السياسي أنهما محكومان بالتزاحم الدائم بين مبدأ "التأمُّر في الأمير" الذي هو الأصل الشرعي، ورخصة "التأمُّر عن غير إمْرة" التي هي حكم الضرورة والاستثناء. وهذا التزاحم بين المبدأ السياسي والرخصة السياسية هو النموذج التفسيري المتحكم في الكتاب من البداية إلى النهاية.

قدَّم مدخل الكتاب المعنون : "إمكانٌ يأبى النسيان" التعاريف الضرورية للمفاهيم الأساسية المشار إليها في عنوان الدراسة، وشرَحَ طبيعة هذه الدراسة ومداها وغايتها، والمنهج المتَّبَع فيها، وإسهامَها المرجوّ في فهم المسألة السياسية الإسلامية، وبياناً للنموذج التفسيري السائد فيها. وقد أسهب المدخل في شرح جملة مفاهيم استعارها الكتاب من فلاسفة وباحثين سابقين، واتخذها أدواتٍ تفسيرية مُساندة لنموذجه التفسيري الأساسي، أملاً في تحقيق ما يصبو إليه من شرح المفارقة القائمة بين النص السياسي الإسلامي والواقع السياسي الإسلامي.

وأكد المدخل أن المبدأ السياسي الإسلامي -مبدأ "التأمُّر في الأمير" أو تحكُّم الأمة في حكامها- ظل إمكاناً يأبى النسيان في مسار الحضارة الإسلامية. فالضمير المسلم -في شِقِّه الفقهي والحديثيِّ على الأقل- لم يستسلم للاستبداد استسلاما أخلاقيا، وإنما قَبِله على مضض قبولاً عمَليا اضطرارياًّ، فرَضَه تزاحُم القيم في ظروف تاريخية غيرِ مواتية. ولذلك ظلت نوازع العودة إلى القيم السياسية الإسلامية التي نص عليها القرآن والسنة، وجسَّدتها دولة النبوة والخلافة الراشدة، حيَّةً في حنايا ذلك الضمير المسلم إلى اليوم.

ويُجمِل القسمُ الأول من الكتاب معالم القيم السياسية الإسلامية في صيغتها النصية المعيارية، ويسعى للكشف عن دلالاتها الأخلاقية والقانونية المباشرة، ومعانيها المجرَّدة من غواشي التاريخ، وذلك بتحرير معناها الأصلي في القرآن والسنة، ثم في إجماع الصحابة خلال الحقبة الراشدة، قبل التلبُّس بالمواريث الإمبراطورية السابقة على الإسلام. وقد صنَّفْنا القيم السياسية الإسلامية صنفين : "قيم البناء السياسي" وهي موضوع الفصل الأول، و"قيم الأداء السياسي" وهي موضوع الفصل الثاني.


ولعل ما ورد في هذين الفصلين يجعل هذا الكتاب من أوسع الدراسات استقراءً وتأصيلاً للقيم السياسية الإسلامية، خصوصا من السنة النبوية التي لم يمنح فقهاء السياسة المسلمون لمضامينها السياسية ما يكفي من التنقيب والاستيعاب حتى الآن. وفي استعراضنا للقيم السياسية الإسلامية في صيغتها النصية المعيارية لم نمنح التراث الموروث عن فقهاء السياسة الشرعية والآداب السلطانية سلطةً فائضةً، بل انطلقنا من أن الثقة المفرطة في الشرح تحجُب عن المتن، وأن سلطة التراث السياسي إذا بولغ فيها تصبح حاجزاً بين الناس وبين معاني القيم السياسية الإسلامية كما وردت غضَّةً في الوحي.

للمواصلة

عودة للصفحة الرئيسية