تأبين المفوّض عبد الله بن محمد محمود

الأربعاء 18-04-2018| 23:20

حماه الله ولد السالم

رحل إلى بارئه الكريم، رجل الدولة الصبور ذو الخلق العالي المفوض الإقليمي عبد الله بن محمد محمود.

عمل في سبيل وطنه بأمانة ورصانة، والتزم بحدود القانون، وتصرّف وفق ضوابط الأخلاق، وسلك مع الناس سبيل المؤمنين.

لم ينزل إلى درك الأحقاد ولا تصفية الحساب لا في عمله ولا بين مجموعته أو مجتمعه، وهي صفات قلّ نظيرها في رجال الدولة الموريتانية المعاصرة !

يمثل المفوض عبد الله نموذجا نادر المثال من القلة التي حملت بصمت على عاتقها ثقل أمانة الدولة الوطنية، فتحملها بصمت وانضباط نادرين.

لم يستخدم يوما سلطته إلا في حدود القانون، ولم يجعلها مطية لجمع المال أو شراء الذمم والنيل من أعراض المواطنين.

ولذلك يمكن أن يكون المفوض الإقليمي عبد الله بن محمد محمود صنفا نادر المثال بين رجال الشرطة، لا في موريتانيا فحسب بل وفي بلدان المغرب العربي وإفريقيا.

جمع بين مكارم الأخلاق من غير تزيّد ولا من، كما قال الشاعر المتقدم :

ألا إنَّ أخلاقَ الرجالِ وَإنْ نمتْ * فأربعة ٌ منها تفوقُ على الــــــــــكلَّ

وَقَارٌ بِلاَ كِبْرٍ، وَصَفْحٌ بِلاَ أَذىً* وَجُودٌ بِلاَ مَنٍّ، وَحِلْمٌ بِلاَ ذُلِّ.

حاز تواضع العظماء وخلق الفضلاء ، وجمع بين صرامة رجل الدولة وتواضع أهل النبل والفضل، ورحل إلى بارئه طاهر اليد عف اللسان بعيدا عن مواطن الشُبَه، وهي صفات يصعب الجمع بينها في ميدان من الدسائس والمؤامرات.

والمرءُ بالأخلاقِ يسمو ذكْرهُ * وبها يُفضلُ في الورى ويوقرُ
إِني لتطربُني الخِلالُ كريمةً * طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ

ويَهُزُّني ذكْرُ المروءةِ والندى * بين الشمائلِ هزةَ المشتاقِ

فإِذا رُزقتَ خَليقةً محمودةً * فقد اصطفاكَ مقسِّمُ الأرزاقِ

والناسُ هذا حظُّه مالٌ وذا * علمٌ وذاكَ مكارمُ الأخلاقِ

طريقه إلى المسجد محجة بيضاء من غير رياء ولا سمعة، و خلقه العالي في مكتبه وبين أهله لم يتبدل يوما ولم يتغير.

لم يميز يوما بين ذويه الأقربين أو الأبعدين، الكل عنده سواء، يعطي من غير منّ و يساعد في غير أذى.

يعرف له زملاؤه الكفاءة والمسؤولية، ويشهدون له بالفضل والخلق، والبذل والتواضع :

أخٌ طَاهِرُ الأَخْلاقِ عَذْبٌ كَأَنَّهُ ** جَنَى النَّحْلِ مَمْزوجا بماءِ غَمَامِ

يزيد على الأيام فضل موده ** وَشِدَّةَ إِخْلاَصٍ وَرَعْيَ ذِمَامِ.

من النادر أن تلقاه عبوسا أو متجهما، بل غالب الأحوال، أن تلقاه طلق الوجه ظاهر البشر، يمشي وئيدا ويحدثك بأدب و ينصت لك بوقار.

كان يؤثر الحكمة ويفضل التضامن، يكره التصنع وينفر من الصراعات والخلافات.

داره مفتّحة الأبواب أمام القريب والبعيد والرائح والغادي، من غير تكلف ولا تصنع ولا من ولا أذى.

من ينسى مكارمه على الكل؛ قريب ضاعت أوراقه أو ضيّعه أهله، و غريب نفد زاده أو أوْقعه حظه العاثر بين من لا يرعون ذماما ولا جوارا، فيكون المفوض عبد الله جذيلها المحكّك، فيخف عجلا ويأتي مسرعا، لينقذ و يواسي ويعين ويعطي، كم من معضلات لولاه كانت هما وغما وكم من مشكلات لولا حكمته صارت دُهْما وسُحْما .

ترك فراغا لن يسد، و عطاء لن ينفد وعملا من الخير مسبلا، عاش كريما ومضى حميدا.

شنشنة ورثها من آبائه ذوي المروءات والمكارم والتواضع في غير ذل لا مهانة، من كانوا يقرون الضيف ويكفون عن أعراض الناس.

لن تموت ذكرى المفوض عبد الله بن محمد محمود، لأنه نال من الخلق أوفر نصيب ومن الأمانة أعظم جانب، وترك ذكراه عطرة بين أهله ومواطنيه، لكن وعد الله حق.

كما قال يزيد بن خذاق الشني :

هل للفتى من بنات الدهر من واق *** أم هل له من حمام الموت من راق

ومنها قوله وقد سار مثلا :

هون عليك ولا تولع بإشفاق *** فإنما مالنا للوارث الباقي

فلتبْكه مواطن العز لأهل سـﮔال خصوصا وأولاد ابراهيم عموما في روابي تامشكط، ولتأسف على فقده ديار أهله في العيون حيث درس وترقىّ ، ولتذكره مواطن عمله حيث حاز السبق في الكفاءة والأمانة.

بل الله ضريح المفوض عبد الله بن محمد محمود وتقبل أعماله وألهم ذويه الصبر والسلوان وإنا لله وإليه راجعون

عودة للصفحة الرئيسية