الانتساب للاتحاد من أجل الجمهورية : زبد بالمخلاط!

الخميس 12-04-2018| 10:00

افتتاحية جريدة البعث

طبعا، لا يخرج الاتحاد من أجل الجمهورية ، في جوهره و شكله و أهدافه و ظروف نشأته، عن المشتقات السابقة من أحزاب السلطة في موريتانيا؛ فحتى التشكيلات غير الحزبية ، التي شكلتها الأنظمة العسكرية، منذ ( هياكل تهذيب الجماهير سيئة الصيت) . بل نكاد نقول إن حزب الشعب الموريتاني ، الذي فرضه الرئيس السابق المرحوم المختار ولد داداه ليصهر فيه كل العناوين السياسية، لم يكن ، في جوهره، إلا تجربة ملهمة لشكل التجارب الحزبية التي سيعتمدها العسكريون لاحقا لفرض الوصاية على النخبة و المجتمع بقوة السلطة و سطوة أجهزتها القمعية . فلم تكن تلك " التشكيلات السياسية " عموما أكثر من أوعية قبلية ، بطلاء حزبي خادع، يصب فيها ضباط السلطة القبائل على شكل أحزاب لا تتوفر على أي شرط من الشروط التقليدية المتعارف عليها للحزب السياسي. فمنذ الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي ، مرورا بحزب عادل ، وصولا للاتحاد من أجل الجمهورية الحالي ، فقد ظلت هذه الكشكولات الأخطبوطية تحتفظ بجوهر "هياكل تهذيب الجماهير"، و إن جرى عليها ، مع كل قلب عسكري لنظام الحكم، تغيير في نسب مكونات الخليط على طريقة صناعة الشكولاطة، التي تتغير في النكهة ، وليس في موادها الأولية ؛ إذ لم يكن لأحدها شكل تنظيمي مؤسسي ، و لم تتقيد بخطاب سياسي مميز ، وليس لها مشروع مجتمع ثابت للما بعد النظام الحاكم؛ فحين يسقط رأس النظام يتهاوى معه الحزب شكلا و خطابا؛ فضلا عن طابعه الصراعي و انحطاط مستوى الانتماء لدى أفراده؛ بل إن أبرز سمة مشتركة بين الخطوط الأمامية في جميع هذه التشكيلات القبلية ( المكيفة مع شكل الدولة الحديثة ) هو التناحر داخل هذه البالوعات على منافع الدولة و اتقاء شر الحكام بالبالغة المقرفة في الولاء لهم، حتى إذا أطاحت فئة عسكرية بأخرى من قمة السلطة ، اندفعت تلك الكتل القبلية المعبأة سابقا في أوعية السلطة الماضية ، بتوجيه من قياداتها المرتبطة بأجهزة الدولة العميقة، نحو التجمع ، على طريقة تجميع مياه الصرف الصحي، نحو جفان السلطة المتغلبة الجديدة؛ فتتبنى خطابها و تبني هياكلها على لعن ماضيها و تسفيه قادتها . هذا في عموم أحزاب أنظمة الحكم العسكرية في موريتانيا، أما فيما يتعلق بالتخصيص في تفاصيلها ، فإن الاتحاد من أجل الجمهورية ، الذي يصف نفسه بحزب الحاكم ضمن استثماراته الدعائية، كونه ليس له رصيد دعائي على نحو مقزز ومحرج ل " قيادته "، فقد تميز بأنه أكثر أوعية السلطة ركاكة قي أدائه في إدارة شؤونه ، هو نفسه، كجهاز للسلطة، و أنه أعلاها مستوى في رداءة القيادة ، و في تسيير شؤون الشأن العام في ظل نظامه السياسي ؛ إذ أنبنى هذا الجهاز المتعفن على هيأة " كيس النقود " لدى المتسولين ، الذين يرمون فيه كل ما صادفهم من لقطة في الشارع ! و هكذا، ظل الاتحاد من أجل الجمهورية بائسا، كما المتسول الذي لا يغتني مدى حياته، قي شكله و محتواه على امتداد تسع سنوات ، يتسول السلطة على مستوى الخطاب، و الدعاية ، و انتهاء بالانتساب، لا يستطيع القيام بذاته !

و منذ أن بات من شبه المؤكد استحالة فتح المأموريات الرئاسية، فقد أصبح الاتحاد من أجل الجمهورية في حالة تبعث على الشفقة ؛ و من هنا اضطر رئيس الدولة إلى الانتساب لهذا الخواء السياسي ، و تحركت ماكنة المخابرات في ضخ تسريبات أن الرئيس سيتولى قيادة الاتحاد قي الفترة القادمة ، في مسعى لتثبيت القبائل و ضخ نفس جديد باستخدام المخلاط لإحداث ديناميكية و زبد بين مكونات الاتحاد المتنافر ؛ حيث آلاف المنتسبون إليه لا يكنون لحزبهم سوى أعمق مشاعر الازدراء ، و لا يتحدثون ، مع أصفيائهم عنه، إلا بأحط عبارات الاحتقار !!

إن هذا الأمر لا يحتاج لبرهان بالنسبة للموريتانيين، مهما كان مستوى اطلاعهم و أهليتهم السياسية، و لكن من يراقب هذا التدافع " للانتساب " للاتحاد من أجل الجمهورية من المقيمين الأجانب ، ربما لا يدركون أن شعبنا لم يعد يمتلك ما يسد به رمق الشيخ المسن و يعالج به المريض المحجوز و يسقي به الطفل العطشان إلا أن يبيع، مرة بعد مرة، بطاقات هويته لفئة حزبية باعت قبله بعشرات السنين ضمائرها ، ولم تعد لها هوية ، إلا تعاطي العهر السياسي و المتاجرة في معاناة مواطني بلدها !!

وهنا، يصبح من نافلة القول إن العملية الانتسابية الجارية ليست أكثر من تكتيك جديد في التضليل و التشويش و الإرباك ، حتى يتسن إخراج السيناريو المناسب في انتقال السلطة من عسكري إلى عسكري أو إلى إمعة مدني آخر ، يؤمن فيه مسبقا خروجا آمنا للرئيس الحالي ضمن تواصل الحلقات العسكريتارية . ولعل أخطر ما في هذه السلسلة المتواصلة من العبثية السياسية هو تردي صورة الدولة في أذهان المواطنين ، و تنامي الاصطفاف القبلية و الفئوية ، التي قد تفجر ما تبقى من هياكل مؤسسة الدولة مع أول استحقاق انتخابي رئاسي قادم ......

عودة للصفحة الرئيسية