قطاع الصناعات الاستخراجية... دروس وعبر من وحي فشل إدارة الطفرة

السبت 7-04-2018| 20:00

المهندس: الهيبة سيد الخير

يعتمد اقتصادنا الوطني بشكل كبير على ريع قطاع الصناعات الاستخراجية، مما يزيد من التحديات امام مسيرة التنمية، ويعود ذلك لضعف اداء القطاعات الانتاجية المستدامة، لذلك يفترض ان تتركز جهود صناع القرار علي حُسن تسيير ريع هذا القطاع، ليكون قاطرة للتنمية، املا في احلال القطاعات الانتاجية محله في يوم ما.
يتميز هذا القطاع بمميزات فريدة، قد تشكل نعمة عند حسن تدبير ريعه، وقد تشكل نقمة يُعرفها الاقتصاديون بلعنة الموارد، وقد تكون مجرد وعكة مثل الداء الهولندي.
تتميز موارد هذا القطاع بانها متذبذبة، وشديدة الاعتماد على الوسائل التكنلوجية، وغير مستدامة أي انها نابضة، كما انها قد تتركز في مناطق محددة، مما قد يطرح مشاكل متعلقة ببعض المطالبات الاجتماعية للساكنة المحلية في اماكن استخراج تلك الموارد، وشعور بعض الجهات الأخرى بالغبن، كما ان وفرة ريع تلك الموارد قد يؤجج الصراعات الداخلية او الاطماع الخارجية، كما انها غالبا ما تؤدي الي انتشار الفساد وتراجع الديموقراطية.
شكلت الطفرة الاخيرة ما بين عامي 2009 و2015 ريوعا كبيرة، لم يتم استغلالها بالشكل الامثل للأسف الشديد، ووقع صناع القرار في اخطاء معروفة، وهي كالحفر المعلمّة التي يفترض ان يتحاشاها كل سالك لطريق ادارة موارد الصناعات الاستخراجية، ونذكر منها على سبيل المثال:
❖ الإسراف في الانفاق على المشاريع غير الانتاجية
اول الاخطاء الكلاسيكية، حيث تقوم الحكومات مغترة بالريوع الكبيرة بزيادة العلوات والرواتب والانفاق العام، كما تقوم بتشييد البني التحتية كالمطارات والملاعب والطرق والتي غالبا ما تعجز عن اكمالها او حتى ادارتها ،وعند تراجع الطفرة تتحول تلك البني التحتية الي اعباء ،فالملاعب الغير مكتملة في عواصم الولايات ومطار ام التونسي والذي لم يستغل ربع طاقته الاستيعابية والطرق الغير مبررة اقتصاديا ومحطات الطاقة كلها امثلة حية ،فلو ان الاستثمارات في الطاقة مثلا انعكست على سعر الكهرباء لساهم ذلك في دوران العجلة الاقتصادية وكان الاستثمار عندها انتاجي؛
❖ الاستدانة:
تسبب الطفرة في ريع الموارد تحسن الوضعية الائتمانية للبلد، فتلجأ الحكومات الي الاستدانة مدفوعة بوهم الطفرة من جهة، وحب تحقيق مكاسب سياسية، مما يوقع في فخ تراكم الديون، وهو ما حدث بالضبط في بلادنا فبعد انقشاع غبار الطفرة، وجدنا أنفسنا مكبلين بالديون؛
❖ الداء الهولندي
أحد الامراض الشائعة، وقد أصابنا للأسف ،فازدهار الحوض المنجمي الاخير شكل مصدر جذب لليد العاملة المدربة وتأثرت تلك الغير مدربة، مما سبّب تفريغ القطاعات الانتاجية واصابها بالركود، نتيجة عزوف الكثير من العمالة عن تلك القطاعات، نظرا لضعف المزايا التي تقدمها مقارنة بالحوض المنجمي ،والذي يعجز بدوره عن امتصاص تلك العمالة باعتبار انه صناعة كثيفة رأس المال ،لكنها غير كثيفة العمالة ،فقطاعات الزراعة والتنمية الحيوانية والاشغال العامة مثلا تضررت بشكل كبير ،كما ان عدم استثمار ريوع الحوض في تلك القطاعات سبب ارتفاعا في التضخم وزيادة في اسعار الخدمات، مما زاد من اعباء تلك القطاعات، ويعد قطاع التنمية الحيوانية اكبر المتضررين، فالعمالة هجرته متأثرة بسراب الفرص في قطاع التعدين، كما ان تصدير الحيوانات الي الدول المجاورة تضرر كثيرا بسبب ارتفاع اسعار الخدمات والتضخم.
❖ التحديات البيئية
من اكثر المشاكل شيوعا ويعتبر احد اكبر التحديات نظرا للمشاكل الكبيرة التي قد تنجم عن غياب ادراج البعد البيئي كمكون اساسي في استغلال الموارد، خصوصا ان الساكنة المحلية في مناطق الاستخراج هي المعني الاكبر باعتبار انها من سيتحمل وزر تلك الاخطاء ،وغياب الوعي لديها لا يساهم في تحقيق التنمية المستدامة ،فالحكومات تحتاج دائما لمن يذكرها بان البيئة تحتاج لمن يهتم بها ،وقد طالبتُ اكثر من مرة شركة كينروس تازيازت ان توقع برتوكول تسيير السيانيد، في حين لم تكن الساكنة المحلية او وزارة البيئة تعير الامر اهتماما، ان الشركات المعدنية تسرح وتمرح بدون رقيب وحسيب وعند مغادرتها ستبقي الاثار البيئية لتذكرنا بأخطائنا.
❖ غياب الشفافية
تتميز الصناعات الاستخراجية بكونها أحد القطاعات القليلة الشفافية، حيث ينتشر فيها الفساد بشكل كبير، فالشركات غالبا ما تكون قادرة على شراء الذمم، كما انها تملك من المعارف والخبرات ما يجعلها قادرة على التهرب من الضرائب والالتزامات البيئية وغيرها، لذلك تم انشاء مبادرات عديدة وقد وقعت بلادنا علي اهمها وهي مبادرة الشفافية في قطاع الصناعات الاستخراجية، الا اننا وقعنا للأسف فيما يعرف بالشفافية الشكلية، فالمعلومات المنشورة غير مجدية وغير مُحينة، كما ان المساءلة غائبة ودور المجتمع المدني شكلي.
الدروس والعبر
لقد وقعت بلادنا في اخطاء على غرار معظم دول العالم الثالث، وعزاؤنا على الاقل باننا لم نصب بلعنة الموارد، فلم نشهد نزاعات او صراعات او تدخلات خارجية، كما ان تلك الطفرة ترافقت مع الربيع العربي، مما زاد من المطالبات الاجتماعية، لكن علينا ان نستفيد من تلك الاخطاء مستقبلا ومن اهم الدروس والعبر نذكر:
❖ استثمار ريوع الموارد المعدنية مستقبلا في القطاعات الانتاجية، كالزراعة والتنمية الحيوانية والصناعة والبني التحتية الضرورية لتصحيح الاختلالات والتركيز على الاستثمار في الصحة والتعليم؛
❖ اعتبار تلك الريوع موارد مؤقتة ولا يجوز ان تدفع للاستدانة او الاسراف في الانفاق، ويجدر هنا الاهتمام بتنوير الراي العام حول طبيعتها الخاصة، مما سيقلل من حجم المطالبات الاجتماعية ويساعد صناع القرار في حسن تدبيرها، فكثرا ما ترغم تلك المطالبات الحكومة علي زيادة العلاوات والرواتب مما يزيد الاعباء عند تراجع تلك الموارد؛
❖ زيادة الشفافية والتشاركية في تدبير تلك الموارد، وذلك بتفعيل المجلس الاقتصادي، فلا يجوز ترك يد الحكومة حرة في تسيرها بشكل مطلق لأنها ملك ايضا للأجيال القادمة؛
❖ مراجعة القوانين ذات الصلة، كمدونة الاستثمار ومدونة المعادن، لتتواءم مع المؤشرات المعدنية الحالية، والاستثمار في الاستكشاف الاولي لتحسين جودة المعلومات الجيولوجية، مما سيفتح الباب امام عقود منصفة عن طريق المزايدات، ويُعد عقد استغلال كينروس تازيازت الحالي أكثر الامثلة وضوحا للحاجة الي العقود المنصفة.
❖ لقد راهن صناع القرار على قدرة القطاع على امتصاص البطالة، وتم تشجيع التكوين المهني لذلك الغرض، وهذا من الاخطاء الفادحة فمن المعروف انه قطاع ضعيف التشغيل، عكس الصناعات التحويلية والاشغال والزراعة والتنمية الحيوانية والصيد والخدمات فكلها قطاعات كثيفة العمالة، فهو يصنف كأقل القطاعات تشغيلا، فاستثمار 300 مليون دولار في الزراعة قد يوفر 7000 فرصة عمل، لكن نفس المبلغ قد لا ييشغل سوي المئات عند استثماره في استخراج المعادن، وهذا ما يفسر ارتفاع نسبة البطالة الحالي.
على صناع القرار في بلادنا تعلم الدروس من اخطاء الماضي، واستغلال المزايا الفريدة لهذا القطاع، وتحويل ريوعه الي القطاعات الانتاجية لتحقيق التنمية المستدامة، دون نسيان حصة الاجيال القادمة وعندها فقط سيسهم القطاع في خلق التوازنات الاقتصادية الكبرى.

المهندس: الهيبة سيد الخير
شكر خاص لمركز كولومبيا للاستثمار المستدام ومعهد حوكمة الموارد الطبيعية

عودة للصفحة الرئيسية