الجراد المهاجر يهدد شمال موريتانيا مصر لم تودع كأس العالم بعد أسعار الذهب تنخفض إلى أدنى مستوى في نحو ستة أشهر تعرض مغترب موريتاني للتعذيب على يد ضابط شرطة أجنبي السفير الإماراتي: "جسر إغاثي إماراتي لليمن يشمل تسيير 10 بواخر و3 طائرات" الرئيس الفرنسي يوبخ مراهقا لهذا السبب نداء إلى حكومات دول المغرب العربي امتحان البكلوريا فى موريتانيا .. وامتحان الحج فى إندونيسيا تجربة مركز المؤتمرات الجديد والعدد " 8 " تفاصيل "تحدي محمد بن راشد لاستيطان الفضاء"

النقد... الحلقة المفقودة /الولي سيدي هيبه

الأحد 1-04-2018| 16:30

إن بلدا لا تَنشط فيه حركة النقد الحرة المسؤولة و تأخذ بالضرورة الملحة و الرضا المطلق مكانتها اللائقة لا يمكن أن ينصلح له حال أو يستتب له أمر، و لا أن يساير بالنتيجة من ذلك ديناميكية التطور. هذا لسان حال منطق الأشياء في كل عصر و قد خبرته في ضعفه و قوته كل الحضارات الكبيرة، اليونانية و الفارسية و الرومانية و الصينية و الهندية و الغربية و العربية الإسلامية.

و ليس النقد بطبيعته و في عمق و نبل رسالته سوى عملية إصلاح متجددة من أجل تكوين رؤية صحيحة و شاملة عن المواضيع مدار البحث و التقييم و التوجيه تؤدي بالنتيجة إلى وضوح الرؤية و صقل فحوى الرسائل و المقاصد من الشوائب و المثالب و تفتح الباب على مصراعيه للخلق و الإبداع.

و إذا كان النقد بهذا هو فقط أداة تصحيح، فإن غيابه أو على الأقل ضعف تجلياته يعتبر في هذه البلاد المجبولة على النقيضين "صلف الجبابرة" و "مجاملة المقهورين" بروح و فلسفة و مقتضى العمل بالأمثلة الشائعة "ليد أل ما صبت تكطع حبها" و "أل ريك ماه كد ريكك لا تسَّاف أمعاه ادكيك" و "يوم ما هلك زُوزُ" التي هي قانونها الساري المفعول في كل الظروف الزمكانية و الكاشف عن مدى القدرة على الحربائية في أطوار الضعف قبل الاستئساد خلال أطوار القوة؛ فإذا كان إذن هذا النقد عقبة كأداء أمام أي تحول يراد له أن يكون إيجابيا و حمال تغيير- من صميم سنن الكون الثابتة في حراكه الدائم ـ فهل أدرك هذه الحقيقة أهل البلد الذي نال استقلاله منذ سبعة و ستين عاما تنضاف إلى رصيد من السنين يناهز العقدين و نيف ظهرت أول إرهاصات الدولة القادمة من رحم "السيبة" و تجليات "اللادولة" فيها؛ بلد عرف ثلاثة أجيال من المتعلمين و حملة الشهادات العالية في شتى المعارف و بلغات العالم الحية، المتخرجين في الجامعات و المعاهد و المراكز العالية المرموقة ذات السمعة الكبيرة لأعظم الدول في كل قارات العالم ؟

لا شك في أن معرفة ذلك هو تحصيل حاصل و لكن تطبيق هذه المعارف و سحبها على الواقع أمر يتطلب إعادة نظر و شجاعة التصدي لتيارات الدفاع عن إرث منه هزيل وتضخيم المقزم منه بفعل الارتكاس الفكري و الالتحام العضوي بمفاهيم الماضي و اعتباراته السلبية و أولها الاستعلاء المعرفي الطوباوي و الترفع عن العمل الميداني.

و النقد انشطاري لا يسلم منه وجه من أوجه و أفعال ديناميكية الحياة و هو بوجهيها المادي الصرف و المعنوي الخفي لا يستغني عنه أي فن أو علم أو فكر أو إبداع ينشد له التدفق و التحسن و الاستمرار. فـ :

· نجاح المسارات السياسية رهين باتباع مفرزات النقد الذي يطالها في صيرورتها، يحاذيها فلا يفارقها حتى من بعد أن تؤتي أكلها المرحلي،

· و الحكامة يجنبها منزلقات التيه و الضياع و يقوم اعوجاجها و يخضعها لنير توجيهاته و تصويباته و صرامته،

· و الإبداع الأدبي شعرا و نثرا و الفني رسما و نحتا و مسرحا و سينما لا يستغني ، لبلوغ الشأو و مرحلة العطاء إلى روته، عن النقد المصاحب الذي لا يتبنى المجاملة و المحاباة و تجاوز الهنات و السقطات،

· و العلوم الإنسانية كلها لا تستغني عن عينه الفاحصة و تحسيناته المصاحبة لموضوعية التناول و جرأة الصراحة التي تصحح المغالطات و المسلكيات و الاستنتاجات بلا عقد أو تزييف،

· و لا حقول العطاء العلمي و الصناعي و تسويق البلد ماديا و معنويا و تاريخيا و سياحيا تستغني عن عين النقد الثاقبة الموجهة إلى تجاوز الأخطاء و نقاط الضعف و الإسفاف حتى بلوغ مراحل أحسن المراتب تقدما. 

و بالطبع يوازي النقد البناء الذي ينشده المنطق السليم و تطمح إليه الإرادات المخلصة و الهمم العالية، نقد سلبي هدام، لا تسلم منه ساحات الحرب الدائمة بين الخير و الشر و التنوير و الظلامية و التقدم و الارتكاس و الديمقراطية و أساليب الحكم التعسفية، أساسه النفاق و الازدواجية اللذان يشكلان أكبر العوائق أمام أية نهضة.

و إن المتابع لواقع و حال بلاد الألقاب الكبيرة، أرض الملثمين من الحياء و المنارة و الرباط، و بلد المليون شاعر و حاضنة النوابغ و الأفذاذ و الألمعيين، و اللائحة طويلة، لا بد أن يلمس ركودا ثقافيا و فكريا مريعا و جمودا محبطا في كل ساحات الأداء، و كسلا و تثاقلا و هروبا من ميادين العطاء و العمل الميداني، وصدا عن مكامن الإبداع بقوة كل أفعال التقييد و القلوب و الظنون و التحايل. و إن الساحة العلمية و الأدبية و الميدانية لخالية على عروشها المهترئة من العمل و الإبداع و النشر، حيث لا وجود البتة لورش فكرية تقام و تنشد الرفع من مستوى البلد، و لا ندوات مفتوحة على مواضيع الساعة الملحة، تُقَيم المسار المتعثر منذ النشأة، و لا حركة علمية تأخذ بزمام المبادرة و التنفيذ من أيدي و الأجانب القادمين بفائض قدرات بلدانهم في الجوار، و الغربيين بملكاتهم التكنولوجية، و الصينيين بإعجازهم المذهل على مستوى الإشغال القاعدية التنموية، و لا نهضة فنية و رياضية تبوأ البلد مكانا يذكر على المنابر في شبه إقليمه و فضائه المغاربي و داخل قارته، و في عالميه العربي و الإسلامي، و تبشر بقيام منصات حيوية لـ :

· نقد سياسي مسؤول ينتشل من عبودية الضمير و يغربل "الكمية" الكبيرة من الأحزاب التي يحمل معظمها كل هواجس و مطامع و خيبة القبلية و العشائرية و الشرائحية و الانتهازية و الانتفاعية و التملق و النفاق، إذ الساحة مجسم لذات الصراعات التقليدية التي لا تشتعل نارا فتحرق الأرض لتخصبها بعد حين، و لا تكفر في جنباتها بذور الاكتفاء الذاتي من الممارسة الشريفة لفن يحمل إن صلح كل آمال الاستواء على أرضية صلبة و إن فسد كل مزالق الخيبة.

· و نقد أدبي جاد يتجنب فرسانه شراك التكرار، يتقصى الجديد، ينبذ المجاملة و ينافس بحداثته و قيمته الأدبية المجردة من التقعر المتجاوز و الأغراض القديمة الراكدة في مستنقعات الماضوية و أدبيات "السيبة".

· و نقد للممارسات الشاذة و المارقة على جوهر الدين السمح و تخالف رسالته العادلة المتحضرة و العادلة، و كشف مرتكبيها من المشعوذين، و المتألهين، الراكبين موجات الإدعاء بصناعة الخوارق و بالارتقاء إلى مراتب لا يدركها رفات البشر، المجتهدين لضرورات جمع المال و السيطرة و الجاه في تحليل و تحريم لمقتضيات كل ذلك.

· و نقد اجتماعي موجه يستحدث قوالب و أطر راقية ملتحمة بالمدنية في كل جوانبها الإيجابية التي تهذب الطباع و تزرع حب النظام و الانضباط و الجمال، و تعلي شأن الوطن.

عودة للصفحة الرئيسية