تحدي التناوب على السلطة

الثلاثاء 27-03-2018| 23:37

محمد هيبتنا سيدي هيبه

إن إشكالية التناوب على السلطة هي أكثر من أي وقت مضى في قلب تطور الدمقرطة الجارية منذ التسعينات في غالبية الدول الإفريقية، بما فيها موريتانيا. بل إنها أصبحت شديدة الإلحاح في الفترة الأخيرة داخل هذا الفضاء الجيو-استراتيجي الذي تجري فيه التحولات العميقة في كل المجالات.
نظرة سريعة على خارطة القارة تظهر بجلاء حضورا لا سابق له لهذه الظاهرة، التي تحدد إيقاع الحياة السياسية على مستويات مختلفة بشكل شبه كامل لكل هذه البلدان. بعض هذه الدول نجحت نسبيا في أقلمة هذه الموجة السياسية والمؤسسية العارمة، في حين أن البعض الآخر لا يزال يعيش آلام هذا المخاض العسير.
بالفعل، إن التاريخ السوسيو-سياسي الحديث لإفريقيا يتسم بانهيار العديد من الأنظمة الأحادية وبإقامة ديمقراطية دستورية تعددية. وإن كانت شكلية أكثر منها حقيقية، فإنه يعود لها الفضل عل الأقل في مناهضة وإنهاء أنظمة الحزب الواحد أو تلك المنبثقة من انقلابات عسكرية في ظل النظام العالمي الخاضع لسياسة القبول والتعامل مع الأمر الواقع. وقد مكنت من اقامة تعددية سياسية ونقابية واقتصادية، واضعة قطيعة مع عهد أحادية وسلطوية الأحكام اللا ديمقراطية. كما فتحت المجال للصعود التدريجي لمجتمعات مدنية نشيطة نسبيا تطالب بالمزيد من الحرية والشفافية في تسيير الشأن العام.
وفي إطار الدساتير التي تم تبنيها ووضعها قيد التنفيذ في معظم الدول السائرة في طريق الدمقرطة – إن صح التعبير – فإن قواعد للعبة الديمقراطية قد تم تحديدها بعناية كبيرة لضمان السير المنتظم للمؤسسات وللمساهمة في ترسيخ الديمقراطية. وقد أعطيت عناية خاصة للقواعد الخاصة بالتناوب على السلطة بما أن تطبيقها أو الإعراض عنه يمثل حجر الزاوية والعلامة الأساسية لنجاح أو إخفاق مجموع المسار الديمقراطي. معظم العراقيل والاختلالات والاضطرابات التي تطبع الحياة السياسية لبعض البلدان تجد مصدرها في غياب التناوب على السلطة أو في الظروف السيئة لوضعها حيز التنفيذ إن حصلت. حصول التناوب الفعلي على السلطة يصطدم عادة بنظام يتأسس على الاستحواذ على السلطة وعلى خيرات البلد من طرف "نوماكلاتورا" صغيرة من المفسدين المفترسين مدنيين وعسكريين يلجؤون الى الرشوة والتزوير الانتخابي، وسياسة "البطن" وإلى العنف للحفاظ على الوضع السائد لمصلحتهم.
على نقيض هذه الممارسات المافوية، فإن شروط الديمقراطية الحقيقية تلزم بثقافة التناوب على أساس – من بين أمور أخرى – استقلالية العدالة وحياد الإرادة والجيش والحرية والمساواة بين المواطنين أمام القانون، والتنظيم الدوري لانتخابات يحدد فيها المواطنون اختياراتهم. وكلما كانت هذه الثقافة متجذرة في التقاليد السياسية لبلد ما وفي مجتمع ما، كلما كانوا أكثر قابلية للعيش في كنف السلام والاستقرار والتقدم في مختلف المجالات. إن التناوب يوفر الحوار الضروري ونقاش الأفكار الذي يشكل علامة أكيدة لصحة مجتمع منتج للفكر والقيم والخيرات، ومتوجه بحزم وثبات صوب المستقبل .. وتشكل الحملات الانتخابية التي هي مناسبة لهذا النشاط ظرفا مميزا للحياة السياسية حيث يقع حوار بالحجم الطبيعي يتنافس فيه المرشحون من خلال برامجهم ومشاريعهم المجتمعية من اقتراحها وعرضها على الاختيار الحر للمواطنين. هذه المواجهات السلمية بالأفكار في الفضاء العمومي تهيكل الحياة السياسية، وتقوي الإحساس بالانتماء الوطني، وتصنع المواطنة وتعطي حقيقة للديمقراطية، التي تكون قد تم امتلاك واستنباط روحها قبل حرفها أي ما تنص عليه قوانينها. ولذا تمنعها من أن تكون مجرد ديمقراطية شكلية توضع كواجهة للمغالطة. إن احترام الدستور، وقواعد اللعبة الديمقراطية، وبالخصوص قاعدة التناوب تشكل شرطا لا غنى عنه للممارسة الفعلية للديمقراطية وضمانة لاستقرار المؤسسات. فقوة واستدامة هذه الأخيرة تشكل وقاية من النزعة إلى الاستحواذ على السلطة من قبل فرد أو مجموعة على حساب إرادة الشعب وحقه في تقرير خياراته بشأن مسئوليه.
التناوب الديمقراطي يمكن من تجديد الطبقة القيادية بطريقة قانونية من خلال انتخابات حرة وشفافة، وبروز قادة قادرين على الاضطلاع بالمسئولية داخل الطبقة السياسية، بعيدا عن كل " امتلاك" للسلطة والعبادة "الوثنية" للفرد.
المنافسة والشروط الإلزامية للحكامة الرشيدة وضرورة تحقيق إنجازات والإرادة من لدن المنتخبين واللاعبين السياسيين في الاستمرار في الحصول على ثقة الناخبين وسيف " داموقليس" المعلق فوق الرؤوس بالمعاقبة الجماهيرية في التصويت؛ كل هذه العوامل تشير إلى المعنى والدور الذي يلعبه التناوب السلمي على السلطة في تعميق الثقافة الديمقراطية وفي خلق الظروف الكفيلة بضمان الاستقرار والتنمية المستدامة. بالفعل، من المسلم به اليوم بأنه لا توجد تنمية واستقرار بدون ديمقراطية ولا توجد ديمقراطية من دون تناوب.
وفي الظرف الحالي ما هو مدى وجاهة وملاءمة هذا الطرح على أرض الواقع في ضوء تجارب الدمقرطة في إفريقيا منذ انطلاق هذا المسار؟ وهنا الموضوع لا يتعلق بإقامة حصيلة شاملة لظاهرة قارية معقدة ولا تزال في تطور. لكن رغم ذلك يمكننا أن نلاحظ أن أشواطا لا يستهان بها قد تحققت في مجالات عدة مثل التعددية، والحقوق والحريات و الحكامة، إلخ... إلا أن هذه المكاسب المحدودة مهددة باستمرارية مسلكيات بعض السلطات الوريثة لأنظمة متجاوزة بالتقادم وهذا رغم التصريح بالإيمان بالديمقراطية وضع طلاء مخادع باسمها.
لكن أكبر تحد ديمقراطي - أي عقب أخيلوس، أي نقطة ضعف الدمقرطة القارية – يبقي المسألة الحاسمة للتناوب على السلطة التي ترتطم بعقبات عديدة وتستقطب الحياة السياسية وكثيرا ما تؤدي إلى اضطرابات خطيرة. ومن بين أسباب هذا التردد ورفض التناوب نذكر تراكمات اجتماعية وثقافية سلبية، وتركة سنوات الجمر، والإرادة المتغولة ل " النوماكلوتورات " الحاكمة، المنتمية سطحيا للديمقراطية من أجل الاحتفاظ بالميزات والمكاسب والأملاك المنتزعة بشكل غير شرعي خلال أحكامهم بالخصوص بسبب خوفهم الشديد من المحاسبة عندما يفقدون السلطة.
ومما يجعل هذا التخوف مقلقا لها كون الإفلات من المساءلة الذي كان يحميها من الرقابة والمتابعة القضائية لم يعد ممكنا في سياق عام على المستوى العالمي، مبدأه الأسمى إقامة دولة القانون، والديمقراطية والحكامة الرشيدة.
في الوقت الحالي يمكن أن نميز على مستوى القارة عامة فريقين من البلدان تدعي أنها أرسلت رسميا نظاما ديمقراطيا تعدديا. توجد بلدان للدمقراطية فيها محتوى حقيقي، بالخصوص بشأن التناوب على السلطة والنمو المستمر لثقافة ديمقراطية ذاتية وتحسن في الحكامة. فالسنغال ومالي وبنين والرأس الأخضر وغانا وجنوب افريقيا ونيجريا وبوتسوانا، إلخ.. تعرف تناوبا سلميا منتظما على السلطة وتشهد بالتالي استقرارا نسبيا كما تسجل تقدما ملحوظا في طريق الصعود. تونس في شمال الصحراء وبوركينا فاسو في جنوبها يحتلان مكانة مميزة داخل هذا النادي الديمقراطي الفاضل ملتحفين بالشرف والمشروعية الذين خلفهما " ربيع عربي-إفريقي" تجاوز حصاده مرحلة الزهور الى قطف الثمار. أما المغرب وساحل العاج والنيجر فهي بلدان تندمج ببطء في هذا الاتجاه نظرا إلى تعقيد سياقها التاريخي.
بقية البلدان الإفريقية، أي الغالبية العظمى تعيش تحت نفس اليافطة في أنظمة تتظاهر بالديمقراطية بحيث يكون الشكل والمظهر يحلان محل المضمون وحقيقة الأشياء. تتواجد فيها سلطات متوارثة مثل ما هو الحال في توغو والغابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وسلطات استبدادية مثل أوغندا والكامرون وتشاد والكونغو برازفيل، الخ. والقاسم المشترك لهذه الديمقراطيات الشكلية هو اللجوء الى تغيير الدساتير لأغراض شخصية، وتزوير الانتخابات ونهب موارد البلد والتسيير " التملكي" للدولة والقمع الوحشي للمعارضة وللسكان. وتتسم حالة هذه المجموعة من البلدان بعدم الاستقرار والفوضى الاقتصادية والاجتماعية وبصورة سيئة في الخارج.
من جانب نجد مجموعة من الرؤساء المثاليين المنتخبين بشكل جيد، والذين يختارون مغادرة السلطة طواعية عند انتهاء مأموريتهم، طبقا للدستور، وبالخصوص فيما يتعلق بالتناوب، ويتركون بلادا هادئة ومطمئنة ويحصلون بذلك على التقدير والاحترام من طرف مواطنيهم وبقية العالم. فنيلسون مانديلا الذي كان بوسعه بشكل مشروع المطالبة برئاسة لمدى الحياة انطلاقا من قامته التاريخية الاستثنائية يشكل أشهر نموذج فاضل في هذا المجال حيث اكتفى بمأمورية واحدة. ببرهنتهم على البصيرة الثاقبة والشجاعة والنزاهة والوطنية، أكد هؤلاء القادة الديمقراطيون المتميزون شموخ قامتهم كرجال دولة وبرهنوا على إمكانية وضرورية التناوب على السلطة دون تزوير انتخابي، ودون عنف ودون مساس بالنصوص المعمول بها.
ففي هذا المعنى جاء خطاب باراك أوباما الموجه للقادة الأفارقة بحثهم على احترام الدستور وبالدخول في اللعبة الديمقراطية بنزاهة على غرار نيلسون مانديلا وجورج واشنطن : « لقد ترك نيلسون مانديلا وجورج واشنطن ميراثا قابلا للاستمرار بمغادرتهم لوظائفهم وتحويل السلطة سلميا الى أيادي أخرى".
هؤلاء الرؤساء الذين خرجوا من السلطة من الباب الواسع والذين عزفوا عن التدخل في اللعبة السياسية المحلية، قد |أصبحوا في الغالب بعد ذلك شخصيات مرجعية عند الاتحاد الأفريقي وغيره من المنظمات، كوسطاء في العديد من الأزمات السياسية.
على عكس ذلك ثمة رؤساء آخرون، منتخبون بشكل مشتبه فيه ومطبقون لنظام قنوات متداخلة يصب بعضها في البعض ما بين السلطة والمال، وما بين الدائرة العمومية والخصوصية يصرون على الاستدامة في السلطة باللجوء الى حيل مثل تغيير الدستور، أرغموا على مغادرة المشهد السياسي. في الحقيقة بهذا السلوك انما يخترقون القانون ويخونون شعوبهم، ويعرضون بلدانهم لمخاطر جمة كما يجعلون الرأي العام المحلي والدولي ضدهم. فعمى البصيرة والأنانية والجشع والجبن عوامل تتغلب لديهم على كل الاعتبارات الأخرى وبالخصوص ضرورة إعطاء الفرصة لبلادهم في الإقلاع ووضعها على سكة الديمقراطية والحرية.
في هذا السياق، ما هي وضعية موريتانيا اليوم؟ الى أين تتجه؟ هل هي قابلة احدى المجموعتين الآنفتي الذكر؟ أم أنه يوجد استثناء موريتاني؟
سيتطرق مقال قادم الى التطور السياسي للبلد والى القيام بفحص شامل للوضع الراهن بغية محاولة لإعطاء بعض عناصر الإجابة على هذه التساؤلات شبه المصيرية.

محمد هيبتنا سيدي هيبه

عودة للصفحة الرئيسية