التصعيد في الجنوب الليبي: صراع إرادات بلبوس قبلي

الجمعة 16-03-2018| 23:17

الدكتور الحسين الشيخ العلوي

منذ نشوء الدولة الحديثة في ليبيا في مطلع خمسينات القرن المنصرم، كان الخلاف والصراع بشتي صوره، يبدأ في الشمال بين برقة (الشرق الليبي) وطرابلس (الغرب الليبي)، ويتم حسمه في الجنوب، حتى القرارات المصيرية التي أقرها البرلمان في عهد المملكة الليبية، كانت أصوات نواب الجنوب هي المرجِّحة للكفة، كلما احتدم الخلاف بين برقة وطرابلس، مثل التعديلات الدستورية عام 1962، التي أحدثت نقلة دستورية في ليبيا وأطاحت بنفوذ اللوبيات المسيطرة ومهدت لقرار تحويل ليبيا من مملكة فيدرالية إلى مملكة موحدة في ربيع العام 1963، وذلك للحد من تغول سلطات حكومات الأقاليم على حساب الحكومة المركزية(1). وفي حقبة الجماهيرية التي عملت على تغيير سُلَّم التراتبية الاجتماعية في ليبيا، كان المتنفذون ورجالات الحكم، معظمهم من الجنوب الليبي والمنطقة الوسطى (وتحديدًا مدينة سرت)، وإن ظل الجهاز التنفيذي وتكنوقراطيو الدولة من الشمال، مع تهميش متعمد للمنطقة الشرقية.

خلال الأزمة الراهنة في الجنوب الليبي، التي نالت قدرًا من الاهتمام الدولي، لوحظ في التقارير الإخبارية تضارب شديد في المعلومات، وغموض في تحديد طبيعة المشكلة، مع التركيز على قضية المرتزقة والصراع القبلي وإغفال محددات الصراع الراهن، الذي لا شك ستحدِّد مآلاته، طبيعة لاعبي الغد في المشهد السياسي الليبي المتقلب.

الجنوب الليبي منذ اندلاع الأحداث وحتى الآن

ظل الجنوب الليبي بالكامل على ولائه للنظام السابق، طيلة الأشهر الأربعة الأولى من اندلاع أحداث فبراير/شباط 2011، لكن مع تعدد وانتشار جبهات القتال في أكثر من مدينة ومنطقة في ليبيا، بدأ أنصار فبراير/شباط في الظهور والكشف عن أنفسهم في الجنوب وتحديدًا في مدينة سبها، نظرًا إلى أن معظم شباب الجنوب الموالي لنظام القذافي توزع على جبهات القبائل المختلفة. كان الانحياز إلى صف فبراير في البداية يتم بشكل فردي دون ولاءات قبلية أو تكتل جهوي كامل. ولأن تركيبة الجنوب قبلية، فقد صُنِّفت قبائل القذاذفة وورفلة والحساونة والمقارحة والطوارق كقبائل مناصرة للنظام، واختار التبو ومعظم أولاد سليمان الانحياز لمعارضة النظام، وإن ظل قرابة ثلث أولاد سليمان مع النظام السابق، حتى سقوطه، لينضموا لاحقًا بعتادهم لبقية القبيلة التي اختارت أن تكون في صف فبراير/شباط. 

وعلى مدار شهرين في الفترة الممتدة من انهيار النظام في أواخر أغسطس/آب 2011 وحتى أواخر أكتوبر/تشرين الأول من نفس السنة، استولت مجموعات الثوار التي حاربت النظام السابق، على المعسكرات والوحدات العسكرية في كل قرية وفي كل حي، ونظرًا إلى أن الترسانة العسكرية للنظام كانت مركَّزة أساسًا في الغرب، والمنطقة الوسطى (الجفرة) فقد استولت مجموعة ثوار مصراتة والزنتان على معظم العتاد العسكري الثقيل للنظام السابق ، ومع مطلع العام 2012، كان قرابة ثلاثة أرباع تسليح الجيش الليبي، تحت سيطرة ثوار مصراتة الذين كوَّنوا كتائب ضاربة، جيدة التسليح أسموها الدروع، وقد توزعت تلك الكتائب على عموم ليبيا وتحديدًا في الغرب والجنوب الليبيين. وكانت القوة الثانية في ليبيا من حيث التسليح لكتائب الزنتان، وتحالفت هاتان القوتان على تقاسم النفوذ في ليبيا وبسطتا سيطرتهما الكاملة فعلًا على عموم ليبيا مع حلول صيف 2012، قبل أن تندلع الخلافات بينهما في منتصف العام 2013.

وفي الجنوب، أضحى جليًّا أن قوتين رئيستين من فبراير/شباط تتقاسمان السيطرة والنفوذ في الإقليم، وهما قبيلتا أولاد سليمان والتبو، مع انضمام أفراد من معظم قبائل الجنوب للكتائب التابعة لهاتين القوتين. وتحالف أولاد سليمان مع كتائب مصراتة في حين اختار التبو التحالف مع قوات الزنتان.

برزت قوة أولاد سليمان بمجرد استيلائهم على كتيبة فارس (القوة الرئيسية للنظام السابق في الجنوب، معسكرها الرئيس في سبها)، واستولى التبو على وحدات أقل تسليحًا في أوباري والقطرون وتراغت وأم الأرانب، وظلت مناطق الطوارق البعيدة في جهات غات وجزءٍ من أوباري، ظلت بعيدة عن تجاذبات وتحالفات فبراير/شباط.

عاش أولاد سليمان والتبو في وفاق حَذِر جرَّاء تقاسم النفوذ والغنائم حتى خريف 2012. وعندما بدأت المدخرات التي تركها النظام السابق في النضوب جرَّاء سخاء حكومة الكيب مع الميليشيات وثوار فبراير/شباط، ومع توقف تصدير النفط جرَّاء سيطرة ميليشيات الجضران على منطقة الهلال النفطي، الذي يحوي 70% من نفط ليبيا، بدأت الخلافات تطفو على السطح بين التبو وأولاد سليمان والتي تنحصر أساسًا في السيطرة على منافذ وطرق التهريب في الجنوب التي تدر مئات الملايين سنويًّا من وراء تهريب البضائع وتجارة المخدرات والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية.

لمتابعة قراءة المقال من المصدر

عودة للصفحة الرئيسية