ألمانيا تعلن فرض عقوبات على السعودية الأفارقة منشغلون بأزمة "الرئيس المختفي" بين المؤتمر العبثي ... والمؤتمر الصحفي شاهد.. كيف احتفل المرابطون بالتأهل لأمم أفريقيا (فيديو) الموريتانية للطيران: لهذه الأسباب حصل تأخر في بعض رحلاتنا نعم لتثبيت السرعة في حافلات شركات النقل الميثاق: متعلقون بصور التنوع في الاحتفالات بتأهل المرابطين تسليم برلماني أفريقي إلى المحكمة الجنائية الدولية موريتانيا: المنتخب الوطني يتأهل لنهائيات بطولة كأس أمم إفريقيا 2019 ولاته: المفوضية توزع مساعدات غذائية

قصة أقرب إلى الخيال

الأحد 11-03-2018| 14:01

إسلمو أحمد سالم

كثيرا ما نسمع في القصص عن العجائز والأكواخ، وآلام العوز وضيق ذات اليد وانعدام الحيلة ونسمع عن المحسنين ودور المسنين، وعن التكافلة والتعاون، والكرم والبخل والشح، وإكرام الجار وأذيته وعدم الاكتراث بحياته وما يقاسيه .


القصة التي سأنشر بين يديكم حقيقة، ولا زالت واقعا يصرخ في وجه حياتنا البائسة العديمة الرحمة ، وتبرهن عن خلو قلوبنا من العطف ، وضياعنا في دهاليز المادية ، متناسين الدين و النخوة و القيم و الأخلاق .


إنها قصة عجوز في المائة ، لا ولد لها و لا بنت ، و لا قربب و لا عصب ، تسكن في وسط ثاني مدينة من الوطن ، عمياء يتساوى لديها الليل و النهار ، مقعدة لا تستطيع تحريك أعضائها ، نحيلة بلي جسمها بمقاساة الجوع و العطش و النسيان ، و فقدت جل سمعها ، مرمية في كوخ مفتوح من جميع الأطراف في كل الفصول، و ليس لها غير دعوة في جوف الليل ، أو جارة تجلب لها الماء الذي يعبث به الصبيان، و تبقى المسكينة وحيدة مع مرضها و عجزها و عوعزها.
جئنا إلى الخباء البالي بعد صلاة المغرب ، فوجدناها في خلوتها ، و بأصوات مرتفعة استطعنا أن نفهمها أننا بشر ، و عندما سألتها عن حالها قالت : و ما ظنكم بعجوز عمياء مقعدة ، ترتجف يداها من الوهن ، و لا قريب لها و لا معتني .


انهمرت دموعي و أجهشت بالبكاء ، لقد اختصر المشهد ضياع المجتمع و ذوبان القيم و الأخلاق .
لن تتمكن المسكينة من التصويت لمنتخب ، و لا إنشاء وحدة قاعدية للحزب الحاكم ، و لا من التزلف لمسؤول لذلك فلا مكترث لها و لا سائل عن حالها.
أعطيناها بعض البسكويت فطفقت تلتهمها بسرعة في مشهد يبرهن على أقصى درجات السغب ، و انفتحت أساريرها ، تحدث عن ماضيها و مجالستها للعلماء و كيف كانت قادرة على القيام بشؤونها.
سألناها : هل يأتيك أحدهم بالعشاء أو الغداء ، فابتسمت و قالت و من يهتم لي .
تبقى المسكينة في عزلتها الأشهر بعد الأشهر ، و لم تعرف طعم اللحم و لا نكهة الشاي .
قضينا وقتا معها ، فانبسطت أساريرها للحديث ، و امضت دقائق في راحة بال .


لست أصدق أن مدينة "كيفة" بما تحمله من ثقل حضاري و اجتماعي ، و هذا الكم الهائل من العلماء و الرجال العظام ، و الوجهاء و الأطر ، و المثقفين و المجتمع المدني ، و الصحافة و المنظمات الخيرية ، يمكن أن تحتضن مثل هذه الحالة الإنسانية الحرجة ، و كيف يمكن أن يلفها كل هذا النسيان.


كتبتها صرخة في جدار بالصمت الذي يحيط بهذه القضية ، و اعلم ان القلوب الرقيقة لا زالت موجودة ، لكن الإرادة المسلوبة لا تصنع الأحداث ، فأفيقوا لقد طفح الكيل و بلغ السيل الزبى.

عودة للصفحة الرئيسية