كلارا وعصافيرها السبعة.../البشير ولد عبد الرزاق

الاثنين 5-03-2018| 10:42

البشير ولد عبد الرزاق

في إحدى دول أمريكا اللاتينية، قامت الديكتاتورية هناك، ببناء سجن ضخم على تلة مرتفعة يتسع للآلاف، وإمعانا منها في إهانة شعبها وإذلاله، أطلقت على السجن الجديد اسم "سجن الحرية !"،
سرعان ما غص المكان بجميع أشكال المعارضين، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، الذين اقتيدوا من كل بقاع تلك البلاد المفجوعة،
ذات يوم جاءت الصغيرة "كلارا" ابنة الستة أعوام من بلدة ريفية نائية، لزيارة والدها المسجون بسبب ديوان شعر، كان يفترض أن ذلك الديوان موغل في الرومانسية، لكن شكوكا ساورت "زوار الفجر"، جعلتهم يصادرونه ويرمون بصاحبه في غياهب السجن سيء الصيت، 
اصطحبت "كلارا" معها لوحة رسمتها بأناملها البريئة، تظهر فيها سبعة عصافير بألوان زاهية فوق سنديانة، أرادت أن تؤنس بها وحشة زنزانة أبيها،
عند باب السجن صادر الحراس لوحة "كلارا" ومزقوها إربا، ونهرها كبيرهم، أن اللوحات التي تظهر فيها الطيور أو الفراشات أو النجوم أو الفتيات الجميلات ممنوعة داخل السجن،
في الزيارة التالية، اصطحبت "كلارا" معها لوحة جديدة، هذه المرة كانت عبارة عن مجموعة من الأشجار، مرر كبير الحرس نظراته الحادة على اللوحة، وتمعن في وجه الصغيرة مطولا، قبل أن يسمح لها بإدخالها،
في الداخل، فرح والد "كلارا" كثيرا باللوحة الجميلة، وسأل ابنته : "ولكن ما هذه الفاكهة الملونة التي تظهر بين الأشجار؟"، وضعت "كلارا" سبابتها على شفتيها وطلبت من أبيها أن يصمت، وحين ابتعد الحراس، اقتربت منه وهمست في أذنه : "هذه ليست فاكهة يا أبي، إنها عصافيري، خبأتها بين الأشجار، حتى لا يصادرها الحراس مرة أخرى"،
القصص المدهشة تبدأ دائما صغيرة وبسيطة، ثم ما تلبث أن تتحول إلى حكايات باذخة، ترويها الأجيال للأجيال وتحتفي بها كتب التاريخ، 
في موريتانيا، وذات زمن منصرف، تلقت سفارة دولة قطر في نواكشوط أمرا "ساميا"، بقطع بث قناة الجزيرة، يومها كان يكفي "النواكشوطيين"، أن يقتنوا هوائيا عاديا تثبت عليه علبة بيضاء صغيرة تبيعها شركة "كوماديس"، لكي يلتقطوا بث الجزيرة، كأنهم جلوس في الدوحة،
أراد زبانية نظام ولد الطايع أن يحرموا الشعب من كل نفحة أوكسجين، وأن يجبروه على ابتلاع برامج القناة الرسمية المثيرة للشفقة والاشمئزاز، لكن هيهات، لم تمض سوى أشهر قليلة، حتى أزينت سطوح منازل المدينة بصحون الاستقبال، وامتد زحف تلك الصحون حتى وصل آخر بيت صفيح، داخل أكثر أحياء الضواحي فقرا في العاصمة،
يقال إن أحد "أصحاب العقول المتعفنة" جن جنونه، فأشار على ولد الطايع بمصادرة الصحون واستصدار قانون يجرم بيعها واقتناءها، وأن النظام هم بتلك الفكرة، لولا أن تأكد بأن الناس لن يعدموا وسيلة أخرى، يلتفون بها على القرار الجديد،
الشعوب بطبيعتها خداعة، قد تستكين أحيانا، لكنها أبدا لا تستسلم ولا تنهزم :
في بدايات الصحافة المستقلة في موريتانيا، أوغلت السلطة في إهانة "صاحبة الجلالة" وأهلها، كان عليهم أن يحملوا نسخا من طبعات صحفهم إلى وزارة الداخلية، وينتظروا حتى آخر النهار، لكي يحصلوا على "إذن" مكتوب على ربع ورقة من النوع الرديء، تسلمهم إياه نقطة الحرس الموجودة في الجزء الجنوبي من الوزارة، ومن غرائب الصدف، أن الإدارة التي تكفلت بهذه المهمة البائسة، كانت تدعى "إدارة الحريات !"، تماما كسجن تلك الدولة اللاتينية، هناك دائما شيفرة مشتركة بين جميع الديكتاتوريات،
كل هذه الإهانات والمضايقات وفوقها "المادة11" سيئة السمعة لم تجد نفعا، حولت صحيفة "القلم"، سيف المصادرة المسلط عليها، إلى وسام فخري علقته على صفحاتها، فولد شعار :"الصحيفة الأكثر مصادرة في موريتانيا"، ولم يتوقف الرائع حبيب محفوظ عن إبهارنا، حتى آخر يوم في حياته، حين كان يخبئ بذكاء شديد أوجاعنا وصرخاتنا المكتومة، بين حروف وكلمات زاويته الشهيرة "موريتانيد"، ويجعلنا نطير من الفرح،
لقد علمنا حبيب، كيف نسخر من كل نقاط التفتيش، وكيف نضحك على كبير السجانين، تماما كما فعلت الجميلة "كلارا"،
الراحل محمد سعيد ولد همدي، الذي أمضى، هو الآخر، حياته مخلصا لوطنه، كان يردد دائما، أن على الأنظمة السياسية الموريتانية، أن تشرع في التحول الديمقراطي، بدل أن تهدر وقتها في الكتم على أنفاس شعبها، ف"السيدة العجوز" آتية لا ريب فيها،
سخر البعض من دعوة الرجل، الذي ورث سمرة جبال آدرار وشموخ نخيل تلك الأرض التي تشبه الحلم، قالوا إن افتتانه بموليير وفولتير ومونتسكيو وديدرو، أورثه مسا من ثقافة سكان بلاد الغال،
في الواقع، كان ولد همدي ببساطته المعهودة، يحاول أن يجعلنا نتذكر صرخة مفجر ربيع براغ ألكسندر دوبتشيك، في وجه "الزعيم" السوفييتي ليونيد بريجنيف، حين قال له : "يمكنك أن تدوس على الزهور، لكنك لن تؤجل الربيع"، 
سحقت الدبابات السوفييتية لحوم وعظام الثوار التشيك، وحولتها إلى رماد تذروه الرياح، في شوارع وأزقة مدينة براغ الموحشة والحزينة، وأمعن بريجنيف في ازدراء تلك الانتفاضة، فأرغم مفجرها ألكسندر دوبتشيك، أن يصبح عامل غابات في بلدة نائية وباردة، لكن كل تلك الإهانات لم تغير من الأمر شيئا، تحققت نبوءة دوبتشيك، وأزهر الربيع في برلين الشرقية ووارسو وبراغ وبودابست وبوخارست وتيميشوارا...، وتحول جدار برلين "الذي لا يقهر !"، إلى حجارة تذكارية، تباع في مزادات علنية، داخل قاعات كريستيز في لندن وباريس،
أكبر مشكلة واجهت كافة الديكتاتوريات وفي كل الأماكن والأزمنة، هي أن الشعوب لم تتوقف يوما عن إنتاج البهجة والدهشة والذهول، تماما كما فعلت كلارا مع عصافيرها السبعة...

عودة للصفحة الرئيسية