الــحــر في أربعينيتها: ضرورة المراجعة والتصحيح

الاثنين 5-03-2018| 09:30

المعلوم أوبك

في مثل هذا اليوم 5 مارس عام 1978 تأسست حركة الحراطين الموريتانيين تحت اسم منظمة تحرير وانعتاق الحراطين " الحر "التي حملت على عاتقها مسؤولية النضال المستمر من أجل الحرية والانعتاق والمساواة والذود عن كرامة ومجد الحراطين ، وتستدعي ظروف مرور أربعة عقود على الحر تأملها بالمراجعة والتصحيح ، فعملية تصحيح ومراجعة مسار 40 سنة لا مفر منها ولازمة ولاسيما في هذا المنعطف التاريخي ، فكل ما تعانيه الحر خلال مسيرتها مبعثه الأساس التفريط في التقييم والتقويم والنقد المنهجي والتصحيح والمراجعة الفكرية المستمرة ، الأمر الذي عجزت عنه الحركة خلال أربعينيتها ، فلنتملك الجراءة بالقول أن الحر وهي في أربعينيتها أهملت وقصرت في البعد التنظيري أيما تقصير ، مما أدى إلى معاناتها بنيويا ، فخلال الــ 40 سنة التي خلت على الحر غابت عملية التفكير والتنظير ، بل تم النظر إلى من يهتمون بالمساءلة المستمرة بكونهم يريدون بعثرة الحركة وتقويضها ، ولا أدل على ذلك من طرد مجموعة واسعة من الشباب آنذاك من الحزب ، وبهذا فإن جيل التأسيس اغترف جريمة إغفال محور التفكير والتنظير والتخطيط الرؤيوي ونظر له كعملية رفاهية وغير لازمة مما غيب المراجعة الذاتية والأسئلة الكبرى المركبة ، نتيجة لانشغال جيل القيادة التأسيسية بالمستوى التشغيلي والحركي ، وأدى الأمر في النهاية لأن تخلو الحر من أي فكرة تنظيرية ، بل إن جيل ما بعد التأسيس هو الآخر اغترف خطيئة غياب التأليف والتنظير في مسار الحر .
إن التقييم المنصف لمسار حركة الحر يقتضي منا الاعتراف بوجود إخفاقات تتعلق بالرؤية العامة للحركة بسبب انعدام تصور مدروس في مجال آلية تحقيق الأهداف التي رسمتها الحركة ، وغياب المراجعة الفكرية ، وانعدام روح التقويم وغياب التصور المتكامل و ترتيب الأولويات حتى تسلك الحر طريقها نحو نيل غاياتها القصوى وقهر المصاعب ، إن المراجعات تقضي عدم التفريط في تحديد مكمن الخلل ومصارحة الضمير بأن هناك خطوات خاطئة لا ينبغي الصمت عنها أو تكرارها ، والحزم في اتجاهين الاستماع إلى المنظرين الذين يملكون أفقا ورؤية مع الاتعاظ من ماضي التاريخ والخبرات مع جسارة التوجه إلى الحق دون استجابة للوم لائم ، مما يفرض تنظيرا وتفكيرا يتناول رؤية تجديدية لمسارات الحركة بكل أبعادها ، فبقدرما تقيم الجماعات البشرية نفسها وتنظر إلى ذاتها بعين النقد والتصويب والتعديل والمراجعة والتصحيح ، لكي تظل قادرة على العطاء ، باب من الإلزامي على الحركة في أربعينيتها أن تقف مع الحراطين ونفسها وقفة محاسبة لرسم ملامح طريقها الجديد خصوصا بعد مضي 40 سنة ، مستعينة بتجارب الماضي ونتائج الحاضر وأهداف المستقبل ، فعملية المراجعة والتصحيح الذاتية للحر لا يمكن الجنوح عنها بأي حال من الأحوال ، فمن لا يراجع نفسه لا يدع مجالا للتطوير والتجديد والنظر في مآلات الأمور ، فلا يمكن للحراطين مطلقا أن يظلوا ينتهجون نهج على "دين عبد المطلب " بأن يظلوا مجرد تابعين لحزمة من الأفكار والقيم المتوارثة في الممارسة والأداء مهما تراءى لهم حسن الجديد وعدم أهلية ما كان ، فما تحتاجه الحر اليوم هو طرح أفكار عميقة برؤية كلية لإخراج المجتمع ككل وليس الحراطين فقط مما هم فيه ، بإبداعات نضالية إصلاحية تستلهم توجهاتها من رغبة الحراطين و المجتمع ككل في التحرر من أغلال الاستعباد المسلط عليهم وتطلعات أجيالهما الصاعدة إلى قيام مجتمع موحد وحر عادل مزدهر تسوده قيم الإخاء والمساواة والعدل ، فكل الأخطاء التي اكتنفت وتكتنف مجال نضال الحراطين تعود بالدرجة الأولى لغياب نظام الأفكار، الناظم لحلول قضية الحراطين مما يقتضي اليوم من النخبة العالمة في لحراطين إعطاء عناية بالغة له ، فلابد للحراطين اليوم من وجود رؤية فكرية جامعة موحدة تؤسس للنضال بعد 40 سنة تضع الأهداف والمرامي الكبرى والاستراتيجيات ، من خلال ترتيب وتوجيه بوصلة كل التنظيمات بشكل عملي من خلال التقييم والنقد المنهجي والتصحيح والمراجعة الفكرية لتجاربها وأساليبها ووسائلها، ذلك أن أهم عوامل تحقيق أهداف أي حراك مدني تتوقف على فعالية عملية النقد والتقييم والمراجعة والتصحيح ، تلك العمليات الغائبة إلى حد الآن وشهدت غيابا واضحا في مسار الحر الأربعيني ، فلا يمكن أن نضمن نجاح الحركة في التوصل لأهدافها وانتقالنا من الفشل إلى بر النجاح بدون النقد والتقييم والتقويم والمراجعة والتصحيح ، بمعرفة السلبيات والمشاكل التي تواجهها الحركة ، وتوضيح مسارها الصحيح لمواجهة المشاكل وإيجاد الحلول المناسبة للواقع الذي تعيشه .
في ظل أربعين عاما خلت على نضال الحراطين في الحر فإن قضية الحراطين تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى التفكير لإنتاج رؤية شاملة لحلحلة مشكل الحراطين ، ذلك أن أي حراك للحراطين لن يكتب له النجاح ما لم يكن يستند لوجود جهاز ينظمه ويضع الأفكار والتصورات والاستراتيجيات ، الأمر الذي يفتقده الحراطين بعد مرور أربعة عقود على نضالهم المنظم ، خاصة وأن كل الديناميات التي تتصدر المشهد الساعي لإنصاف الحراطين ما بعد الحر ولدت مشوهة أو بطريقة قسرية من رحم عفن الظلم الاجتماعي وتكريس المصالح الشخصية والأهواء السياسية والصفقات المشبوهة وغياب أي رؤية استراتيجية تضع في منظورها انتشال الحراطين .
إن أخشى ما أخشاه اليوم على حراك الحراطين المتصاعد غياب الجهاز القيادي وفشل النخبة الحرطانية بمختلف مواقفها وتخندقها عن تحديد الأهداف الكبرى ’ ، فكيف لحراك أن يؤتي أكله بدون أن تؤسس النخبة الفكرية صياغة محدداته الكبرى ومراميه الشاملة

عودة للصفحة الرئيسية