الجيش الموريتاني يكشف عن عملية نوعية على الحدود المالية أمطار غزيرة على مناطق واسعة من البلاد الجمعية الوطنية: مقارنة بين نتائج انتخابات 2013 و 2018 قائد قوة"برخان": نتقاسم نفس الهموم مع موريتانيا إزاء المنطقة انتقادات متزايدة لأداء اللجنة المستقلة للانتخابات مُمَيِّزَاتُ الْمَشْهَد الْبَرْلَمَانِي الْجَدِيد ولد بلال يدافع عن فوز الحزب الحاكم بالميناء الحلقة الثالثة من مقال ولد ابريد الليل "واجب العرب" تقرير حول انتخابات سبتمبر 2018 موريتانيا: دعوة لإسقاط اتفاقية "كامب ديفيد"

أنقذوا التعليم في بلادنا قبل فوات الأوان

الثلاثاء 27-02-2018| 09:00

يحيى البيضاوي ـ المدينة المنورة

يستطيع كل من عايش التعليم إبّان مرحلة تأسيس الدولة في النصف الأخير من القرن المنصرم، أو من اطّلع على بعض مخرجات تلك المرحلة التي لا تزال موجودة بين ظهرانينا، أن يدرك البون الشاسع بينه وبين واقعه؛ حيث كان التعليم يسير نحو غاياته بجدارة واقتدار، رغم ضعف الإمكانات التربوية والتعليمية، ورغم تواضع مراكز التكوين والتدريب آنذاك، ولعلنا نتذكر جميعا تلك الغاية التي كانت توُكل إلى فرد كثيرا ما ينزل إلى الميدان بدون وسائل تذكر، وكل عُدّته طبشور وسبورة، أما ما بقي من وسائط تعليمية فلا وجود لها إلا في ذهن المدرس الذي يقوم باستدعائها عند الحاجة مستخدما مهاراته وكفاءاته الذاتية، وقدرته العالية على التكيف مع واقعه الشحيح آنذاك. نعم لقد كان المدرس محور العملية التعليمية وهو المسؤول عنها أولا وأخيرا، ورغم أنه ليس في وسعنا اليوم المقارنة بين ما كان متوفرا للمدرس في مجال مهنته والمراكز التي تعمل على تكوينه وبين ما هو موجود الآن تحت تصرفه أو تصرف الجهات التي تُعِدّه لتلك المهمة الجسيمة من أدوات مدرسية، ومراكز تكوين وتدريب، بالإضافة إلى الوسائل المعاصرة التي دخلت على الخط وتعمل على توفير المعرفة بشتى تخصصاتها وبأي لغة يريدها الباحث من أنترنت وهواتف ذكية وقنوات ومجلات متخصصة.. رغم ذلك كله فإن التعليم يسير من سيء إلى أسوأ، بل إن واقعه يؤكد أنه يعدو نحو القاع بسرعة مخيفة، وهي شهادة لا يختلف عليها اثنان.
ترى ما المشكلة التي يعاني منها تعليمنا ؟ وما طبيعة العوائق التي تعوق نهوضه ؟
يجمع الباحثون على أن كل تدهور يصيب المستويات التعليمية لأيّ منظومة تعليمية يجب أن يفتش عن أسبابه في مرحلة التأسيس التي يقصد بها التعليم الأساسي، فهي أساس للبناء ، إذ لا يمكن أن نتصور بناء له قيمته المعمارية والفنية إذا لم يكن مؤسسا تأسيسا صحيحا وسليما ، ومن هنا كانت التسمية التي اختيرت لهذه المرحلة واعيةً وغيرَ اعتباطية " التعليم الأساسي". لهذا سنكتفي بسرد بعض الملاحظات التي نرى أنها أصابت مرحلة التعليم الأساسي في مقتل، وإن كنا نعتقد أن بعضها يصيب تأثيرُه المراحلَ اللاحقة .
أكبر خطأ - في نظري - عاناه التعليم بشكل عام والأساسي بشكل خاص في بلادنا هو أنه ظل متروكا في يد الحاكم يساوم به داخليا وخارجيا يعبث به يمنة ويسرة وفي غياب كامل لنخب المجتمع ، وبمعزل عن المتخصصين ، فالسلطات التنفيذية تصدر ما تراه من أوامر مستهدفة تعديل المنظومة التعليمة مكتفية بمشورات فنية بسيطة ، ودون أن تعرض المشروع على المجتمع، ولا على ذوي الخبرة؛ هكذا كان ما يسمى بإصلاح التعليم مطلع السبعينات أيام الأب المؤسس المرحوم ولد داداه وهو نفس الموقف في عهد العسكر عند ما أقرّوا نظامين تعليميين يعيشان جنبا إلى جنب مكرسين الجهود التربوية الموجودة يومئذ لفصل مكونات المجتمع وعزل بعضها عن بعض ، ونفس الكلام ينطبق على إصلاح ولد الطايع للتعليم في نهاية الألفية الثانية فكل ذلك كان يتم من دون أن يؤخذ رأي المجتمع فيه أو تطلب المشورة المتخصصة من ذوي الاختصاص الدقيق ، والمشورة المختصة يجب أن تتجاوز الأفراد نحو المؤسسات، خصوصا في هذا المجال الحيوي ذي الأهمية البالغة، بل يجب أن تكون في هذه النقطة تحديدا حكرا على مؤسسات مختصة كالمعاهد والكليات التربوية ذات الاختصاص الدقيق في التخطيط التربوي والتنفيذ والمتابعة، وإذا كان الوطن خاليا من هذا النوع من المؤسسات فهي متوفرة في العالم وجاهزة عند الطلب ، وإذا كانت الجهات التنفيذية تستدعي مثل هذه المؤسسات المتخصصة في مجالات أخرى، عند ما تريد بناء مرافق مهمة كالمطارات مثلا أو الموانئ فإن استدعاء معاهد تربوية تمتلك الخبرة والتجربة للتخطيط لمنظومتنا التعليمة لهو من باب الأولى ..
كما أن مشورة المجتمع مشورة معمقة من شأنها أن تبصر المخطط بغايات المجتمع وتعينه على تفهم حاجاته ؛ فالمجتمع هو المقصود بالتعليم والمعني بمخرجاته، ومن المفترض أن يعرض على المجتمع اختيار الأسلوب الأنسب والأصلح، عبر حوارات مدروسة وهادفة ، ويجب أن يحسب المتحاورون الحساب لعاملين أساسين هما الدين والثقافة لما يمثلانه من نقاط التقاء تمثل محل إجماع وطني، هذا فضلا عن دورهما في صيانة المجتمع وانسجامه وتماسكه، واستحضار هذين العاملين أثناء تأسيس المنظومة التربوية ضروري لجعل المجتمع يُقبل على المنظومة التربوية بارتياح ويشارك في تنفيذها ، وإذا كانت اللغة تمثل الحاضنة الثقافية للمجتمع فإن تغييبها يحرم المنظومة التعليمية من امتدادها الطبيعي ويعزلها في قاعات الدراسة ويحرمها من تفاعل البيت والشارع معها، وكنتيجة منطقية "لإصلاح " أواخر التسعينات فقد دخلت منظومتنا التعليمية نفقا مظلما شكل الضربة القاضية عليها عند ما أقر ولد الطايع أن تكون المواد العلمية كلها باللغة الفرنسية تاركا المواد الأدبية للغة العربية ، والمنظر لهذه الخطوة لا يدري - للأسف الشديد - أن المسار الأدبي والعلمي يستهدفان غاية واحدة تتمثل في خلق شخصية متكاملة لها حضورها العلمي المتميز وذائقتها الأدبية الراقية هذا هو الأساس، ثم يصار إلى التخصص لاحقا لتعميق المعارف وتنوعها ، و هذه الخطوة خلقت لنا شخصيات مفتتة عاطفيا وممزقة على مستوى الشخصية ، هذا فضلا عن كون هذه الخطوة تمتاح من نفس الفلسفة التي اعتمدت في الإصلاح السابق عليها والتي أقرت نظامين عربي وفرنسي إلا أن تلك الأولى كانت تستهدف تمزيق المجتمع بينما كانت هذه تستهدف تمزيق الفرد ذاته وفك مكوناته الشخصية، وفي نهاية المطاف سنجد مخرجات هذا "الإصلاح" تلجُ ميدان الحياة بجفاء موحش أو جهل موغل ، وكل ذلك على حساب الشخصية المتكاملة والفعّالة التي هي الغاية من أي تكوين تربوي وعلمي .
والمشكل الأخير يتمثل في الطفرة التي ظهر بها التعليم الأهلي أو الحر، ورغم أن التعليم الأهلي من المفترض أن يُكمل جهود الدولة ويمكنها من تعميم التعليم وتيسيره للجميع ، إلا أن السماح للتعليم الأهلي بمنافسة التعليم العام الذي هو وجهة الغالبية من المجتمع قبل إعادة هيكلته وتعافيه من أمراضه يعد تكريسا للغبن الاجتماعي وبثا للأحقاد وتمييزا واضحا لأبناء الفئات المهمشة التي لن تستطيع الاستفادة من التعليم الأهلي حيث ستبقى مركونة تتعاطها المدارس العامة التي تزداد غرقا في الفساد والتخلف والعجز عن أداء واجباتها التربوية والتعليمية..
صحيح أن التعليم الأهلي من المفترض أن يكون مكملا للدور الذي يقوم به التعليم العام ، غير أنه عند ما يكون التعليم العام منهكا وهشا وساقطا في أتون الفساد والتخلف تنعكس الآية فيصبح التعليم الأهلي هو الأساس لقدرته على إدارة إمكاناته والتحرك نحو أهدافه والتحكم في برامجه عكس التعليم العام .
وخلاصة القول أن الوضعية الراهنة تستدعي من الدولة والمجتمع المدني التحرك في كل الاتجاهات لإنقاذ المنظومة التعليمية والتربوية في بلادنا وإعادة وضعها على المسار السليم ، وهو أمر يحتاج إلى جرأة في اتخاذ القرار قد لا تكون متوفرة في الوقت الحالي، ولكنها غير مستحيلة ، وإن كان المعول عليه بشكل أساسي في وجودها هو المجتمع المدني حينما يضغط في ذلك الاتجاه من خلال توظيف إمكاناته السياسية والثقافية والدينية ويمارس لغة كتم الانفاس عبر النزول إلى الشوارع في المسيرات الهادئة والمسؤولة حينها سوف تجد السلطات أن إصلاح المنظومة التربوية لا مناص منه، وستخلع حينئذ جلباب الحرج مندفعة نحو تلبية غايات المجتمع، ولا بد أن يرافق ذلك شعورُ كلّ مكونات الوطن بأن مصالحها محفوظة ومصونة ولن تتضرر من أي إصلاح منتظر لهذه المنظومة، كما أنه لا بد أن يدرك الجميع أن مصلحة موريتانيا فوق كل اعتبار .

يحيى البيضاوي ـ المدينة المنورة

عودة للصفحة الرئيسية