يوم تراءى لك سيدي (تأبين)

الأربعاء 7-02-2018| 00:00

الراحل اسماعيل ولد سيدي عبد الله (سيدي)

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على النبي الكريم.
لا أتذكر جيدا ملامح ولا أبعاد ذلك الخُص أو العريش الذي اتخذ مأوى لمدرسة ابتدائية في حيِّ المبروك، الواقع شمال بتلميت، مطلع السنة الدراسية ثلاث وستين وتسعمائة وألف. فقد كنت بالكاد ابن ست إن خلون، ضعيف الفطنة والبنية فضلا عن ما يشبه العتاه.
أذكر كيف جُلِبت من كُتَّاب الفاضلة التقية الطاهرة فاطمة بنت العباس التي كانت بدأت تحذيقي وإقرائي طرفا من الجزء المقرر لذلك العمر. كانت أوقاتي عذبة تنساب خلفة بين ذاك والجد في طلب الحساء واللعب مع ثلة من الأقران عند الكريمة الوادعة ذات الخلق العذب و الفناء الرحب (ممَّاه) مبروكَه منت ابلال. يتأتى ذلك حين تأخذ (يميَّ)ِّ سنة أو يدعوها داع من نافلة أو فرض تقوم له بما يتيح تلك السانحة. أعصرُ و أزمانُ خلت وتولت بمن كانوا أهلها فعساها تعود لنا عساها كما تمنى الشيخ البرتلي في أبيات رائعة له. و لكن هيهات لما تمنى فعد عما ترى اذ لا ارتجاع له. 
واذكر يوم تراءى لك سيدي أمام ذلك الخُص أو العريش يضبط صفوف أحداث على إيقاع : هذه يدي أبسطها لأنظر : : كفا و خمسة أصابع ترى. أو ربما، لست أدري، على وقع ترتيل آخر مما كنا نعي عنه. فكلما سبرت المدى توهمت و لربما خلطت. انقضت أيام و أشهر و سنوات دون أن أضع للمرحلة عنوانا أو أدرك لمجرياتها ميقاتا. و يتنامى الإدراك فأدرك أن سيدي كان شخصية فريدة بميزات و ملامح ذاتية عز نظيرها.
أدركت أن الرجل كان واسع الدراية غزير الرواية، ضليعا بمدارك زمانه، زخاخا، سحا، فياضا بها ترتيبا على حاجة المتلقي، مشرئبا إلى معارف من خارج سياقه كالمسرح و الدراما و القصة التي كان منتبها قبل غيره لمآثرها. أدركت أن الرجل كان شاعرا مجيدا و قصاصا حسن الطرفة، أخاذا للألباب. أدركت أن الرجل كان جوادا، سخيا، مدرارا ذا كف ثرة و قلب مفعم بالخير. أدركت أنه كان مربيا ماهرا بالإقراء و الإفهام فلا يكاد يلقي على صخر إلا نفذته مفاهيمه و قسمات وجهه و صوره و تعبيراته البديعة المنتقاة بحذق.
أذكر أن أغلب حصصه كان آخر النهار و كان رحمه الله يحرص على صفنا خلف إمام ليقوم بنفسه مرتلا على مسامعنا ما يتعين من تلاوة و دعاء و أحكام لنعيها. ثقلت بذلك موازينهُ و تيمّنت صحائفه و يسُر حسابه. لقد كان رحمه الله من خلال هذا و جملة من المواهب نبراسا أنار دروب أجيال ما كان أبعدها مما صارت بفضله اليه. أجيال سعدت أحداثا بحضور درسه الطامي بعطائه المنساب.
و لو سألتني من يكون هذا الذي عرضت لغيض من فيضه فهو إسماعيل ابن محمد عبد الله ابن سيدي عبد الله ابن سيد أحمد ابن محم و أمه خداجه بنت الشيخ سيدي المختار ابن الشيخ سيدي محمد ابن الشيخ سيدي الكبير. فهل أبلغ من هذا أو أمكن في المقابلة؟ و لا غرو إن طابت شمائل من أنتجته جهابذة جلة صلح من حصن رزن طهارى ما تزن بريبة. فسقت جدثا تضمنه الرائحات و الغوادي و تنزلت عليه شآبيب من رحمة الرحمن و بورك في خلفه من بعده و في أفنان دوحته الوارفة و الفارعة باذن الله. و على ذكر الفارعة ابنة طريف الشيبانية يحضرني قولها في الوليد أخيها :
أيا شجر الخابور ما لك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يعد الزاد إلا من التقى ولا المال الا من قنا و سيوف
ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم معاودة للكر بين صفوف.


بقلم : سيدي محمد ابن سيد أعمر

عودة للصفحة الرئيسية