رابطة العالم الإسلامي والتواصل الحضاري

الجمعة 22-12-2017| 13:30

بقلم الدكتور / الطيب بن عمر

لقد ظل دور رابطة العالم الإسلامي الريادي متواصلا منذ تأسيسها إلى يومنا هذا حيث يقوم معالي الأمين العام الشيخ الدكتور / محمد بن عبد الكريم العيسى ، بتطوير الرابطة وتفعيل دورها في كافة المجالات ولا سيما في مجال التواصل الحضاري والحوار الإسلامي الإسلامي والحوار مع أصحاب الحضارات والديانات الأخرى بمنهج وسطي معتدل يجمع بين الأصالة والحداثة ويقوم على تجديد الفكر الإسلامي ويراعي سماحة الإسلام ويسره في ضوء ينابيع الإسلام الصافية الأولى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عله وسلم ، ويضطلع بالتوجيه والإرشاد لجميع المسلمين في أنحاء العالم بما يحقق آمالهم ومصالحهم بمنهج يقوم على الألفة والانسجام ، ونعلق على ذلك آمالا كبيرة في رقي الأمة ووحدة كلمتها وازدهار حضارتها حتى تستعيد ريادتها ومكانتها اللائقة بها بين الأمم .
وخلال عقود متواصلة أقامت الرابطة سلسلة واسعة من الندوات والمؤتمرات العلمية والفكرية والحضارية عالجت كل القضايا المهمة في حياة المسلمين ودرست المشكلات المؤرقة بمشاركة لأبرز العلماء والباحثين والمفكرين فكانت عطاء ثرّا أسهم في مواجهة العديد من التحديات التي أزعجت المجتمعات الإسلامية وعلى رأسها مشكلة الغلو والعنف والتطرف والإرهاب ، كما عملت على ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال بمنهج يجمع بين الأصالة والحداثة ويتلاءم مع مقتضيات العصر ، وكان آخر هذه المؤتمرات المؤتمر الدولي في نواكشوط الذي افتتحه وشارك في فعالياته معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور / محمد بن عبد الكريم العيسى والذي هو تحت عنوان :
( قيم الاعتدال والوسطية في السيرة النبوية )
الذي نظمته الأمانة العامة للرابطة بالتعاون مع التجمع الثقافي الإسلامي ، وذلك خلال الفترة(26-28/ ربيع الأول/1439هـ الموافق ،14- 16 /ديسمبر/2017م)، برعاية كريمة من فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية السيد محمد ولد عبد العزيز .
وشاركت فيه النخب كلها وأنعشته كوكبة من العلماء والمفكرين والاكاديمين والباحثين من داخل موريتانيا وخارجها ، واحتفى به الموريتانيون وثمنوه كثيرا .
ونظرا لعدم اتساع المجال للإحاطة بفعالياته وأنشطته المختلفة فإننا نقتصر في هذا المقال على عرض بيانه الختامي وهو كالآتي : 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
فبعون الله وتوفيقه اختُتم المؤتمر الدولي في دورته الثلاثين بعنوان :
قيم الاعتدال والوسطية في السيرة النبوية 
الذي عقده التجمع الثقافي الإسلامي بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي ، في عاصمة الجمهورية الإسلامية الموريتانية نواكشوط، وذلك خلال الفترة(26-28/ ربيع الأول/1439هـ بتقويم أم القرى،14- 16 /ديسمبر/2017م)، برعاية كريمة من فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية السيد محمد ولد عبد العزيز، وبمشاركة نخبة من أصحاب المعالي الوزراء وأصحاب الفضيلة من العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات من داخل موريتانيا ومن 22 بلدا من بلدان العالم الإسلامي وغيره .
وقد قدم المشاركون بحوثهم وأوراق عملهم في المحاور التالية :
حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته 
الفكر الوسطي والمجتمع الإنساني 
قضايا معاصرة في ضوء السيرة النبوية
وافتتح المؤتمر ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية معالي الوزير مختار ملل ديا، وزير العدل، وزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي وكالة، بكلمة رحب فيها بالضيوف والمشاركين، وشكر معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي على اهتمامها بشؤون المسلمين وقضاياهم، مثمناً مساهمتها وجهودها البناءة في توعية الأمة بقضاياها المعاصرة، وربطها بمصدر تشريعها من الكتاب والسنة والسيرة النبوية، مقدرا مشاركتها الفاعلة في عقد هذا المؤتمر الدولي،ومعبّرا عن أمله في أن يحقق المؤتمر أهدافه .
كما تحدث معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى بكلمة، قدّم فيها شكر الرابطة لفخامة الرئيس الموريتاني وحكومته على رعايتهم المؤتمر، وأكدّ على أهميّة تعزيز مفاهيم الوسطية والاعتدال في وعي الأمة المسلمة حتى تكون أقوالها وأفعالها ترجمة صادقة لرسالة الإسلام العالمية التي جاءت رحمة للعالمين ، مشيراً معاليه إلى مركزية السيرة النبوية في علوم الأمة وسلوكها، وأنها الأنموذج الذي ينهل منه المسلمون وسطيتهم ومنهجهم الحضاري وأخلاقهم وطرائق تعاملهم مع الآخرين، ودعا العلماء لتذكير النشء المسلم بما تضمنته السيرة النبوية من معالم الرحمة والوسطية والاعتدال .
وأمَّل معاليه أن يخرج المؤتمر برؤية إسلامية واضحة تكرّس قيم الوسطية في المجتمع، وتحصّن أبناءه من الانزلاق في مسالك الغلو والتطرف، وتحفّزهم على تنمية وطنهم، والعمل على تحقيق أمنه ورخائه واستقراره، وتجسير علاقات السلم والتعايش مع الجميع.
كما رحب فضيلة الشيخ محمد الحافظ النحوي رئيس التجمع الثقافي الإسلامي بموريتانيا و غرب إفريقيا ، بمعالي الأمين العالم والوفد المرافق له ، مؤكدا في كلمته إلى تنسيق الجهود في العمل على تجفيف منابع الإساءة إلى المقدسات، وتحصين الناشئة من تيارات الإلحاد والتطرف والغلو، كما دعا إلى تضافر الجهود الرسمية والشعبية لرعاية الأجيال القادمة وبناء شخصيتها وفق هدي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام التي تنأى عن الإفراط والتفريط.
وقد خُصص في جلسة الافتتاح منبر لقضية القدس، دعا المشاركون من خلاله إلى الوقوف الحازم في وجه محاولات سلطات الاحتلال اغتصاب القدس وتدنيسها وطمس معالمها .
وأكد المشاركون في جلسات المؤتمر على مركزية السيرة النبوية العطرة في نشر العلوم والقيم والأفكار الإسلامية الصحيحة، ومكافحة كافة أشكال الغلو والتطرف والإرهاب، كما شددوا على أهمية قضية القدس والمسجد الأقصى في وجدان الأمة الإسلامية، وأعربوا عن قلقهم الشديد من تداعيات التحركات الأخيرة الرامية إلى الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي،وخلصوا إلى تقرير ما يلي :
أ - أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره أصل عظيم من أصول الدين، ولا يكمل إيمان المسلم حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، وبرهانُ ذلك طاعة الرسول وإتباع هديه القويم ونصرته والذود عنه ، قال الله تعالى : ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ الفتح :)9 )
ب - أن مقصد رسالات الله عبادته وحده وإقامة العدل بين الناس وعمارة الأرض، وبهذا بعث الله خاتم النبيين محمداً صلى الله عليه وسلم ، قال الله : ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء : 107)، فالإسلام دين الرحمة والعدل والإحسان والتسامح والأمن والسلام بين الناس ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ ( النحل:90 )
ج - من لوازم محبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ محبةُ أصحابه وآل بيته الكرام، وموالاتهم ونصـرتهم وتقديرهم والدفاع عنهم والترضي عليهم، وإبراز عدالتهم وسمو مكانتهم وعلو قدرهم وسابقتهم في الإسلام وخيريتهم المطلقة، قال صلى الله عليه وسلم : « خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم »(أخرجه الشيخان 
د - سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي الأنموذج الأكمل للشخصية المسلمة ، وهي محل القدوة والتأسي في حياة المسلمين، لما تتضمنه من معاني جليلة ودروس عظيمة لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾( الممتحنة:3)
ه - وسطية منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسماحته واعتداله ركائز أساسية في تجسيد سلامة الفكر ونضجه والتعبير عن وعيه في فهم مقاصد النصوص الدينية وتنزيلها على مستجدات الوقائع السياسية والاجتماعية
و - السيرة النبوية تتضمن مبادئ وقيما تدعو إلى التعايش السلمي بين الشعوب والتفاهم بين أتباع الحضارات، والالتزام بتلك القيم النبيلة يسهم في تعزيز التعامل الإيجابي مع المكونات الثقافية المختلفة .
ز - الإسلام رسالة اعتدال وسلام، يدعو إلى نبذ الفرقة والخلاف ونزع الشقاق وتجاوز الشعارات والتسميات الضيقة وما يتلبسها من تصنيف وإقصاء يستولد التطرف والتكفير واستباحة الدماء.
ح - التطرف والغلو ظاهرة عالمية وقديمة لا تنحصر في المسلمين، ولا تعبر عن حقائق دينهم، والوقوع فيه غفلة عما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم : « إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » (أخرجه ابن ماجه)، ومعالجة هذه الظاهرة تستدعي تناولها من مختلف جوانبها وتتبع أبعادها الفكرية والنفسية والاجتماعية، وتحليل أسبابها، ورصد آثارها؛ وصولا إلى علاج ناجع لها .
ط - خطورة خطاب الكراهية والإقصاء والتعصب الحزبي والطائفي ، والمسلمُ الحق يعيش عالمية الإسلام وإنسانية قيمه، ويسعد بحب الخير للناس أجمعين


الـتـوصـيـات
 : وقد أوصى المؤتمر بما يلي
1 - بيان حقائق الإسلام وقيمه السمحة من خلال أصوله الصحيحة، بعيدا عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .
2 - الدعوة إلى دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والتعمق في فقهها وفهم دروسها، وربط المسلمين بمعانيها العظيمة، وجعلها الأساس في إقامة المجتمع الإسلامي المبني على التعاون والتراحم والتعاطف﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾( المائدة
3 - استلهام قيم الوسطية والاعتدال من السيرة النبوية والاستفادة من الدروس التي زخرت بها لتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام وأحكامه والتصدي لتيارات الغلو والتطرف.
4 - تطوير الخطاب الوسطي بما يراعي فوارق الزمان والمكان، ويتلاءم مع ثوابت الإسلام ، القائمة على الاعتدال، ويعالج مشكلات المجتمع المعاصرة، بعيداً عن الانفعال وردود الأفعال الآنية.
5 - معالجة الخلاف بين المسلمين بتعزيز التعاون في المشتركات، والتحلّي بالإنصاف، ورفْض التعصب والانغلاق، ورفض التحزب حول الأسماء والشعارات والأوصاف الطارئة على اسم الإسلام الجامع، وفتْح باب الحوار، مع الالتزام بأدب الخلاف، والرجوع إلى الحق .
6 - ترسيخ المنهجية العلمية السليمة لدراسة السيرة النبوية بموضوعية واعية تتحري الدقة والصحة والعمق في تناول أحداثها، وتستقرئ أبعادها الحضارية والإنسانية، ونستفيد من دروس التاريخ في النأي عما يثير الفتن والفرقة بين المسلمين .
7 - توجيه وسائل الإعلام إلى الإسهام في نشر ثقافة السلام والتفاهم والاعتدال، وعدم الترويج لثقافة العنف والكراهية، أو إشاعة ما يكدّر صفو العلاقات البينية، ويثير التوتر والشقاق .
8 - دعوة الحكومات الإسلامية إلى العناية بتأهيل الكوادر والدعاة النابهين، وإشراكهم في معالجة الواقع وما يجدّ فيه على هدي من سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .
9 - دعوة المؤسسات والمنظمات والمراكز الإسلامية إلى عقد المناشط التي تستلهم القدوة والأسوة من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة الكرام، بما يعزز وحدة الأمة وتماسكها، ويعينها على استعادة دورها الحضاري والريادي .
10 - حث رابطة العالم الإسلامي والمؤسسات الإسلامية على التواصل مع المنظمات الدولية وفي مقدمتها (هيئة الأمم المتحدة) لاستصدار قرارات تمنع المساس برسالات الله السماوية ، وتمنع التطاول على رسل الله وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وتجرم هذه الإساءات لما تؤدي إليه من تكدير السلم وتوفير مناخات مناسبة للقوى التي تسعى لتأجيج الصراع والعنف .
11 - دعوة المنظمات الإسلامية الحقوقية إلى تكوين فريق عمل متخصص من رجال القانون والمحاماة لمتابعة ما يحدث من إساءة للإسلام ورموزه وشرائعه، لدى المحاكم والمنظمات الدولية المعنية بحماية الحقوق الإنسانية والدينية .
12 - دعوة الحكومات وأصحاب القرار في العالم الإسلامي وخارجه إلى الانحياز للحق والعدل، ومناصرة القضية الفلسطينية ودعمها باتخاذ مواقف وقرارات وخطوات عملية من شأنها أن تعيد الأمور إلى نصابها، وتمنع المعتدي عن التمادي في عدوانه، قبل أن تعم الفوضى ويكثر الفساد .
وفي الختام
أعرب المشاركون عن شكرهم وتقديرهم لفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية السيد محمد ولد عبد العزيز على رعايته للمؤتمر ، وشكروا التجمع الثقافي الإسلامي ووزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي بموريتانيا على جهودهما التنظيمية.
كما شكروا رابطة العالم الإسلامي على ما تبذله من جهود مباركة في تعزيز السلم ونشر ثقافة الاعتدال، والتصدّي لتيارات الغلو والتطرف ، مقدرين لها اتخاذ قرارها المبارك بإنشاء مكتب للهيئة العالمية للعلماء المسلمين في غرب إفريقيا ويكون مقره عاصمة موريتانيا ( نواكشوط)،ودعوها إلى إقامة المزيد من المناشط والبرامج التي تطوّر الخطاب الوسطي وتعزز السلام العالمي .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،

صدر في نواكشوط

ربيع الأول /1439هـ /28
الموافق 16 / ديسمبر /2017م


بقلم الدكتور / الطيب بن عمر

عودة للصفحة الرئيسية