التكريم بين السلعة و الطعم؟

الخميس 21-12-2017| 09:30

الولي سيدي هيبه

إن أغلب الموريتانيين ميالون بطبعهم إلى حب المجاملة المسترسلة في تكلف يعتريه عمدا لتضخيم الذوات تلفيقُ بعض ألفاظ "الإطراء" رغم إدراكهم بذكائهم الفطري ذلك الإسراف في المتن و المعني فيتعمدون في الغالب الأعم تجاهل الأمر حتى لا ينغص على نفوسهم نشوة اللحظة، بالمقابل فإنهم يكرهون "النقد" و يحسبونه "حربا" معلنة عليهم و قدحا مفتعلا في شخصياتهم و إنكارا لمكانتهم و نبوغهم و "حسدا" من عند أنفس الذين يناصبونهم العداء و يضمرون لهم شر البلاء.
و بهذه الحالة النفسية الاستثنائية فإن معظم الموريتانيين يسيئون بالنتيجة لوجهي "المجاملة" التي قد تكون صفة محمودة إذا استخدمت لكسب الود و الدفع إلى مزيد من الإنسانية من ناحية، و تمهيد الطريق بسلاسة إلى تصحيح مكامن النقد و مراميه الإيجابية الساعية إلى تحسين و رفع قيمة مادة الموضوع الذي يوجه له النقد من منطلق اعتبار قيمته السابقة عليه و اللاحقة بعد اعتدال الميزان بين "الاستحسان" و "المشاركة" في رفعه من دائرة "الفردية" الضيقة إلى فضاء "التقاسم" الأرحب من ناحية أخرى.
و إنه على الرغم كذلك من هذه الوضعية النفسية المعطلة لأحد أهم أوجه حراك البلد الإبداعي و البحثي و العلمي و السياسي و الاجتماعي متمثلا في "النقد" فإن عادة تكريم الأشخاص و هم أحياء يرزقون بدأت تجد - و إن بخجل شديد - الاستجابةَ، في بعض مواطن "العطاء" الفكري و العلمي و الفني، لمطلبٍ مشروع عند أهل الثقافة و الإبداع و العمل البناء و الأيادي البيضاء على حقول المعرفة و الفن و العمل الصالح لفائدة العباد و البلاد.
و لكن هذه العادة التي لم ترسخ بعد في الأذهان و الأدبيات و حقل الحراك تبقى لأكثر مقاصدها المتناقضة عالقة في بواطن النفوس مشوبَة بـ :
· المجاملة التوددية،
· الإرضاء و الاسترضاء الغرضين،
· الخوف من بنيات الغدر و التملق،
· الطمع "الأشعبي" ،
· الاستجابة لأجندات القبلية المستفحلة و السياسوية العصية و النفعية الجارفة،
حتى لزم أمر هذه العادة الجديدة أن تظل في سياقات ضيقة لمن ترفعهم ظرفيا صروفُ و حكمُ الواقع الحاضر الذي يضيق مداهُ بغير أهله "المنتقين" لتظل الكأس المترعة بخمرة "الحضور" في الدائرة "الضيقة" تدار بينهم و لا حتى القذى منها لغيرهم.
لذلك فإن لائحة المكرمين هي دائما و في حلقتها التي تبدو مغلقة على جملة أفرادها ـ الذين إن استحقوا مرة أو اثنتين ـ لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين يجمعون لكل محمل التقاء و محفل تكريم و كأن البلد خلت لهذا الكم القليل من أي مبدع، أو عالم أو مجدد، أو أديب فذ أو منافح عن لغة أو مدافع عن عز و مَجْد و تاريخ، أو أهلية لإبداع، أو قدرة على الاستشراف لمرحلة مصابة بالعمش الحضاري و العمى الفكري واستفحال النفاق و التملق و "الانتفاعية" المكسرة لكل قيود اللياقة الأخلاقية و الضوابط الدينية، و بنضوب أعين القرائح كما يتحتم قول ذلك عند كل لحظة تتيح فرصة صدق.


 

عودة للصفحة الرئيسية