الجيش الموريتاني يكشف عن عملية نوعية على الحدود المالية أمطار غزيرة على مناطق واسعة من البلاد الجمعية الوطنية: مقارنة بين نتائج انتخابات 2013 و 2018 قائد قوة"برخان": نتقاسم نفس الهموم مع موريتانيا إزاء المنطقة انتقادات متزايدة لأداء اللجنة المستقلة للانتخابات مُمَيِّزَاتُ الْمَشْهَد الْبَرْلَمَانِي الْجَدِيد ولد بلال يدافع عن فوز الحزب الحاكم بالميناء الحلقة الثالثة من مقال ولد ابريد الليل "واجب العرب" تقرير حول انتخابات سبتمبر 2018 موريتانيا: دعوة لإسقاط اتفاقية "كامب ديفيد"

النسخة الباهتة و الدودة في التفاحة

الأحد 3-12-2017| 17:03

الولي سيدي هيبه

لا أحد يجهل مكانة "تشيت" في المنظومة التاريخية لهذه البلاد، و لا أحد ينكر دورها الكبير في نشر العلم و ربط أرجاء البلد ببعضها على طريق قوافل التجارة و بث المعارف في أحلك العصور عتمة و أكثرها ظلما؟
إن تيشيت المعلمة البارزة و الركن المكين و خزان العلم الهائل الذي يحتوي على موروث وثائقي من 6000 مخطوط يرجع بعضها إلى القرن السادس الهجري هي من أنجبت خلال القرون الأربعة الماضية الكثير من العلماء و منهم الحاج الحسن بن آغبدي الزيدي، وأبناء فاضل الشريف، وأحمد الصغير المسلمي وأمبال وأبناء امبوجه و اللائحة طويلة.
و إن فكرة إحياء الذاكرة التاريخية و الحفاظ على ميراث الأجداد العلمي، مجسدا في إنقاذ الأثر المعماري من الاندثار و المخطوط النفيس من التآكل و التلف في المدن التاريخية، هي فكرة رائدة ثاقبة تكتسي أهمية قصوى و تشكل دليلا بارزا على وعي متقدم بضرورة صيانة تاريخ البلد و تقدير عطاء نجبائه خلال القرون التي مضت و استعداد بين لرعاية الثقافة و روافدها الأصيلة المميزة. و لكنها أيضا فكرة رائدة للسعي إلى خلق أسباب مبتكرة للانطلاق إلى تطوير هذه المدن و تثبيت سكانها الأصليين في بيئة تحمل سمات المدنية الحديثة الضرورية بكل الصلات و الإمكانات الجديدة من البنى التحتية الضرورية التي أولها طريق يربطها بعواصم ولايات الوطن.
و لما أن مهرجان المدن القديمة الذي أطلق لهذه الغاية النبيلة و المسعى الرفيع فإن الدورات الست الماضية التي سبقت قصرت عن تجسيد المقاصد المرسومة و لتظل الفكرة "بكرا" و إن تفاوتت نسب النجاحات الضعيفة و تباينت النتائج المحققة خلالها.
و جاءت النسخة السابعة لتكرس بضعف تنظيمها و غياب التأطير في مجريات وقائعها تكرارا محبطا لعروض باهتة مهزوزة لا تحمل تجديدا أو حتى إرادة تصحيح ينبني على خلفية من النزاهة الفكرية و الصرامة العلمية و المنتج الرفيع المستساغ و بما اعتراها من بُعد عن التحري و الدقة و جرأة على الاسترسال في الحشو الخرافي المغالط و الأدب الممجوجة أغراضه و غياب المنتج الثقافي الفكري و الفني في دهليز العروض الواحل الضيق الذي غابت عنه اللمسة الفنية التي تريح الزائر و تحمل نسائم جماليات العروض و فوائد الفحوى التي تحملها. و كان ذات تكرار المحتويات المحسوبة على مادة التاريخ و البحوث العلمية و التحليلية التأرخية و المضامينية المعروضة هي نسخة طبق الأصل من ذات المنهجية المتبعة بإسراف في البعد عن المنهجيات المدروسة المحكمة في التقديم و الأسلوب المحتذاة منذ النسخة الأولى فجاءت المعروضات من :
· الوثائق التاريخية بذات المضامين غير المحققة أو المنقحة أو المزيدة لضرورات التوصيل بعد التدقيق و التمحيص و التثبت على الأسس العلمية المحايدة المجردة و الإخراج بالحلة المضبوطة المشذبة بفهارس المرجعيات،
· الشواهد المتحفية من القطع الأثرية القليلة الضعيفة الإبهار، البعيدة الشد و الإقناع، الفقيرة المحتوى التفسيري لنسق التاريخ و مكامن النجاح الحضاري فيه و التي من المفروض أنها موضع الفخر و الذكر و السعي إلى التثمين و الحفظ و الاستغلال لتحفيز الأجيال على المضي قدما إلى المآثر و العلى و تقوية اللحمة على خلفية التاريخ العظيم المشترك،
· التمجيد الغرضي للمقاومة السابق على غربلة أحداثها و حيثياتها و نفض الغبار الداكن عن نتائجها التي ما زال الجذب و الشد حولها على أشده حائلا بفعل التنافر و ضعف المراجع و تناقض القراءات و التأويلات لأحداثها عن تنقيتها من الشوائب التي يتعذر معها الضبط و الكتابة و التأصيل في العقول و النفوس و الغرس في الضمير الوطني المشترك،
· الطروحات الأكاديمية و البحوث العلمية التي تشكو في صلبها من قلة البحث و كثرة التكرار والنسخ واللصق و غياب الروح العلمية و البحثية
· الأدب "المناسباتي" إن جاز التعبير المترهل في تكرار مقيت لهناته و الطرب المجرد من "الالتزام" بالنص و روحه و تحكيم قواعد الموسيقى التي تشترك معه في غرس فضيلة حب الوطن و تثمين تاريخه على خلفية إدراك قيمته القصوى.
و من أجل هذه الحصيلة الهزيلة حضر إلى المدينة عشرات من أقل "الناس" اهتماما بمحتوى هذه التظاهرة و لكنهم في مفارقة غريبة هم وحدهم "المستفيدون" من الأموال الطائلة التي تصرف على تنظيمها فجاؤوا على متن رباعيات الدفع عابرات الصحاري أصنافا و أنواعا من كل فج عميق و في أبهى هندام ينشدون راحة الرخاء و يقسمون أنفسهم على عيون الساكنة المغبرة في عمومها و المنبهرة بمن نغص خلوتها. و في حين لم يفيدوا فإنهم لم يثمنوا بقول أو عمل "صمود" مدينة لها مكانتها المحفوظة و "هيبتها" المستترة باحتشام وراء مسجدها العتيق المتواضع و بقايا مدينتها القيمة الناطقة بخلو أهلها في حقبها الماضية من الغش و النفاق و الطمع في قشور الدنيا الفانية.
صحيح أن الفكرة رائدة و المقاصد عالية و رائعة كالتفاحة الناضجة في تناسق شكلها و لونها و لكن الدودة في قلبها تقتات من داخلها و تفسد ما كان متوقعا لها أن تعطي من فيض نضجها.

عودة للصفحة الرئيسية