دولة الاستقلال: ثلاث مسائل في الهوية والتعريب

الأربعاء 29-11-2017| 23:48

محمد ولد المنى

لم تعجبنا مطلقاً خطابات الرئيس المختار ولد داداه ولا خطابات وزرائه باللغة الفرنسية، ولا الإدارة المفرنسة التي تأسست وكانت قائمة في عهدهم المدني (وظلت كذلك في العهد العسكري)، ولم نرتح بتاتاً لتهاونهم في التعريب وتقاعسهم عن اتخاذ خطوات ثورية باتجاه تكريسه وفرضه.. لكن أيضاً ينبغي أن نتذكر هنا ثلاث مسائل في غاية الأهمية :

المسألة الأولى : أنه لم يتأت لذلك الجيل نيل تكوين عربي عصري يسمح له بالتعريب وبإدراك إمكانية تطبيقه في إدارات الدولة العصرية، إذ كان جميع تكوينهم وتعليمهم في المدارس والجامعات والإدارات الفرنسية حصراً. ونعلم أن فرنسا فرضت استعمارها الثقافي القاسي على كل البلدان التي احتلتها، خلافاً لبريطانيا التي لم تفرض لنفسها نفوذاً ثقافياً عميقاً على مستعمراتها. وذلك ما تجلى في بلدان غرب أفريقيا على شكل مسخ ثقافي كامل، كما تجلى في كل من المغرب والجزائر وتونس بدرجات متفاوتة. لكن هذه الدول المغاربية الثلاث تمتعت بميزتين لم تتوفر عليهما بلادنا : امتلاكها مؤسسات تعليمية دينية منظمة أدخلت العصرنة في مناهجها (الزيتونة في تونس والقرويين في المغرب)، وبقاؤها على صلة بشقيقاتها من بلدان المشرق العربي التي كانت تشهد نهضة ثقافية فكرية وأدبية فرضت مكانها الطبيعي للغة العربية في الحياة العامة. ورغم ذلك فإن الإدارة الوطنية التي حلت محل الإدارة الاستعمارية في هذه البلدان المغاربية كانت مفرنسة هي أيضاً، وكان معظم القادة والزعماء الوطنيين هناك يتحدثون أحاديثهم الخاصة والعامة باللغة الفرنسية، باستثناء عدد قليل من خريجي المدرسة الصادقية ذات التعليم المزدوج في تونس.
المسألة الثانية : أنه إلى جانب السياقين العالمي والإقليمي في هذا الخصوص، هناك أيضاً السياق المحلي في أبعاده التاريخية والاجتماعية والجغرافية، إذ نجد أن قطاعات كبيرة من المجتمع وقواه التقليدية عارضت الاستقلال الوطني ذاته، ولم تكن لها ثقة في إمكانية قيام دولة على هذا الجزء من الأرض بعد رحيل فرنسا منه، لذلك قابلت بالرفض وجود موظفين من بني جلدتها يحلون محل الموظفين الفرنسيين المغادرين، وكان كثير من أفراد المجتمع الأهلي نفسه ينظرون إلى اللغة العربية باعتبارها لغة المسجد والمحظرة وليست لغة المدرسة والعلم والإدارة والسياسة !
المسألة الثالثة : أنه رغم تحصل أفراد قلائل من جيل الاستقلال لدينا على تعليم عربي تقليدي أهلي، بحكم تأثيرات المحيط الأسري فحسب، فإنه كان لديهم وعي عميق بالهوية الثقافية لمجتمعهم وبانتمائه الحضاري، وهذا ما تجلى في مظاهر كثيرة منها:
1- التسمية الرسمية لـ« الجمهورية الإسلامية الموريتانية » ذاتها، إذ أصبحت بلادنا ثاني بلد في العالم، بعد باكستان، يحمل هذه التسمية.
2- اختيار علم بالهلال والنجمة، وباللونين الأخضر والأصفر، وهي رموز عريقة وراسخة الانتماء إلى فضاء الثقافة العربية الإسلامية.
3- اختيار نشيد وطني بلغة عربية فصيحة وجزلة، نشيد مكتنز بالمعاني الدينية والتوجيهات الشرعية والعقدية.
4- الإصرار الذي أبدوه على ترسيم اللغة العربية، رغم وجود تيار مضاد يرى في التعريب وسيلة لحذف « لكور » من المعادلة الوطنية، وهو إصرار كاد يؤدي إلى حرب أهلية في عام 1966 لولا حكمة المختار ولد داداه وصرامته في الوقت ذاته.
5- تعيين وزراء ومستشارين ومسؤولين سامين من خريجي التعليم المحظري، لم ينتسبوا يوماً إلى المدرسة الفرنسية.
6- « مغامرة » الخروج من « الفرنك الأفريقي » وإصدار عملة وطنية خاصة وتسميتها « الأوقية »، وهي كلمة عربية من صميم التراث الاقتصادي المالي النقدي الإسلامي، وقد ظهرت لدى صدورها ممهورة بتوقيع عربي لا لبس فيه (أحمد ولد داداه) !
7- إدراج تاريخ المقاومة الوطنية في أول مقرر مدرسي وطني، إذ احتوى كتاب التاريخ للسنتين الخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي على مباحث وافية وشيقة حول أهم معارك وأبطال هذه المقاومة، وهو بالقطع ما لم تفعله الأنظمة العسكرية المتعاقبة.
8- وعلى الصعيد الخارجي كان أول اهتمام لحكومة الاستقلال الداخلي في عام 1958 هو الذهاب إلى الجامعة العربية، ومن خلال بوابة مصر الناصرية تحديداً. ورغم الصد والرد والتمنع، فقد أصر ؤلئك المؤسسون على عروبة موريتانيا وأحقيتها في عضوية جامعة العرب، إلى أن انتسبت إليها في آخر المطاف، وما عاد ثمة من تشكيك، داخليا ولا خارجيا، في هويتنا. وكل ذلك قبل "إعادة التأسيس" في عهد الحكم العسكري. أما موقف أولئك المؤسسين من الثورة الجزائرية ومن القضية الفلسطينية، فمعروف ولا يحتاج إلى بيان، وقد سبق شعار "إعادة الاعتبار للمقاومة".


عودة للصفحة الرئيسية