امطار جديدة على عدة مناطق التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب ارشيف: تفاصيل اول عملية عسكرية فرنسية لدعم موريتانيا ضد البوليساريو لقاء سري بين غزواني ووزير الخارجية الفرنسي فى باريس تساقطات مطرية على عدة مناطق سرقة وضياع تراث موريتانيا صفقة بين شركات دولية لردم آبار حقل شنقيط النفطي Visite-surprise du ministre de l’Intérieur/par Oumar ould Beibacar تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة: ضرورة قرار استعجالي شنقيتل تربط قرى السكة الحديدية بشبكة "موريتاني"

رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



ارشيف: تفاصيل اول عملية عسكرية فرنسية لدعم موريتانيا ضد البوليساريو



التقارير السرية للسفارة الفرنسية بنواكشوط (2)



من الارشيف: التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى موريتانيا



ملف: حول العاشر يوليو 1978



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



التراث الإسلامي في قراءة اليساريين العرب ح1

(حسن حنفي، أنموذجا)

الخميس 31-12-2009| 10:57

الدكتور محمد اسحق الكنتي

مقدمة:

لم تزل ثنائية الأصالة والمعاصرة تثير النقاش بين المفكرين العرب، على اختلاف مشاربهم الفكرية، وتوجهاتهم السياسية.(1) ذلك أن القفز على الأصالة، باسم المعاصرة، أثبت فشله، والتجربة الأتاتوركية خير دليل على ذلك، فكان لابد للمفكرين العرب، من إيجاد صيغة تعايش بين الأصالة والمعاصرة، خاصة بعد فشل التجارب اليسارية، التي لاقت رواجا، بعد الحرب العالمية الثانية، تحت لافتة الفكر القومي العلماني، الذي عجز عن تحقيق وعوده بالوحدة، والحرية، والاشتراكية، أو الحرية، والاشتراكية، والوحدة، في ترتيب آخر، لم يكن أكثر حظا في النجاح.

هكذا، بدا واضحا أن محاولة اجتثاث المجتمعات العربية الإسلامية، من تراثها الفكري، وعقائدها الدينية، لم تقدم الحلول الموعودة بالنهضة العلمية، والعصرنة الحضارية، وإنما ظل التخلف، والتبعية، الميزتان البارزتان، للمجتمعات المعلنة، ما فتح الباب واسعا أمام خطاب ماضوي، يستخدم نفس آليات الخطاب العلماني، ويعد بوعوده، مع اختلاف الاشتراطات...

فإذا كان العلمانيون يدعون إلى القطيعة الشاملة مع تراث الأمة، شرطا للنهضة، والتطور، فإن الخطاب الماضوي، يشترط عودة شاملة إلى الماضي، بطريقة استنساخ غير مستبصرة...

في ظل هذه الظروف حاول اليسار الفكري، أن ينجح حيث فشل اليسار السياسي، فاتجه بعض مثقفيه إلى استثمار التراث العربي الإسلامي، عبر قراءة تأويلية تقدم صورة عنه، مخالفة تماما لتلك التي يقترحها خطاب الحركات الإسلامية؛ السياسي، والفكري.

هذه القراءات التأويلية هي التي سنعرض لنموذج منها، محاولين تبين أهدافها، وآلياتها. فقد تميز النموذج المقترح بأن صاحبه مارس العمل السياسي النضالي، ثم انتقل منه إلى التنظير الفكري للمشروع السياسي الذي ناضل من أجله.

1ـ التراث والتجديد

لم يكن اليساريون العرب أول من حاول تأويل تراث المجتمعات التي ينشطون فيها، في سبيل تأصيل الماركسية. فقد مارس يساريو أمريكا اللاتينية نفس الفعل مع تراث "الإنكا"، بل أيضا مع التراث النصراني، فظهر ما سمي باللاهوت الثوري، والشيء نفسه فعل "ماو تسيتونغ"، مع التراث "الكنفشيوسي"، وفي نفس الاتجاه سار "الخمير الحمر" في كمبوديا، في تعاملهم مع التراث البوذي.(2)

وهكذا، عمد اليساريون العرب إلى التراث، يؤولونه، تأويلا ماركسيا، يعطيهم شعورا بالانتماء إلى الأمة، في وجه تشنيع خصومهم عليهم، ناعتين إياهم بنعوت العمالة، والتبعية للأجنبي. حاول اليساريون، إذن تأصيل الماركسية في الفكر العربي الإسلامي بشتى الطرق، فظهرت أسماء عديدة، تقدم مشاريع قراءة للتراث العربي الإسلامي، تتدثر بدثار العلم، والمنهجية العلمية.(3)

سنهتم في هذا البحث بمشروع حسن حنفي، بصفته عينة ممثلة لهذا التوجه الفكري.
لقد وقع اختيارنا عليه، لأن عمله مثل المحاولة الأكثر دوغمائية، والتزاما بالخط الماركسي.
فقد ظل حنفي وفيا للمعالجة الماركسية، في المنطلقات والمنهج، رغم دعوى السعي إلى تأسيس "اليسار الإسلامي"، وهو ما يذكر أيضا، بمصطلح "اليسار الهيغلي"، الذي يصنف فيه "كارل ماركس"!

يقدم حنفي كتابه "التراث والتجديد" (نعتمد على طبعته الأولى 1981)، بصفته "مقدمات عامة...، محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين التقليدي، كأيديولوجية ثورية للشعوب الإسلامية، تمدها بأسسها النظرية العامة، وتعطيها موجهات السلوك.(4)

يتضح، منذ المقدمة، أن "التراث والتجديد" مشروع أيديولوجي، يحاول تقديم برنامج عمل للشعوب الإسلامية، يستلهم علم أصول الدين التقليدي. بذلك، فإن الجانب المعرفي، في المشروع سيكون موجها لخدمة الغرض الأيديولوجي. وهو ما يعني أن إعادة بناء علم أصول الدين (الجانب المعرفي) ستتم لخدمة التوجه الأيديولوجي، الذي نوه عنه حنفي. بل إن حنفي، حين استخدم تعبير "أيديولوجيا ثورية"، صرح بالتوجه الماركسي الصريح لمشروعه. فهذا التعبير، يحيل حصرا، في أدبيات اليساريين، إلى الأيديولوجيا الماركسية.

ينتقل حنفي من المقدمة، إلى محاولة تحديد المعنى الذي يفهمه من "التراث والتجديد"، فيبدأ بتعريف التراث بأنه "... كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة، فهو إذن قضية موروث، وفي نفس الوقت، قضية معطى، حاضر على عديد من المستويات." (ص:11)

يظهر هذا التعريف توجه حسن حنفي، في معالجته لموضوع التراث؛ فهو لا يقصر اهتمامه، حسب التعريف، في التراث العالِم، وإن كانت معالجته ستظهر عكس ذلك، وإنما يهتم بالتراث الشفوي، الشعبي، إلى جانب تراث النخبة المكتوب. لكن ما يحدد اهتمام حنفي بالتراث هو حضوره "على عديد من المستويات". هذا الحضور هو الذي سيوجه طريقة تعامل حنفي مع التراث، حين يحدد العلاقة بين التراث والتجديد، بقوله: "التراث هو نقطة البداية، كمسؤولية ثقافية، وقومية، والتجديد، هو إعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر، فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة، والوسيلة تؤدي إلى الغاية. التراث هو الوسيلة، والتجديد هو الغاية." (ص:11)

يصرح حنفي بأنه سيعيد تفسير التراث "طبقا لحاجات العصر". لكن هذه الحاجات ليست موضع إجماع في المجتمعات العربية؛ فحاجات العصر، بالنسبة للنخبة، تتحدد بانتماءاتها الفكرية، والأيديولوجية، ومصالحها. ومن ثم، فإن "حاجات العصر"، بالنسبة للنخب الإسلامية، تختلف عن "حاجات العصر" التي يطمح إلى إشباعها الليبراليون العلمانيون، وهي أشد اختلافا مع "حاجات العصر" بالنسبة لليساريين.

وهكذا، فإن تبرير إعادة تفسير التراث، بحاجات العصر يؤدي إلى أن يمارس كل تيار سياسي، وفكري، قراءته الخاصة للتراث، مدعيا أنها القراءة الصحيحة، لأنها تلبي "حاجات العصر"، التي يحددها داخل كهفه الأيديولوجي المعرفي. وهو ما يثير التساؤل حول المشروعية المعرفية لهذه القراءات، التي تستخدم التراث وسيلة، لتحقيق غاية، كما يصرح بذلك حسن حنفي!

أضف إلى ذلك أن تلك القراءة ترمي إلى تحقيق هدف أيديولوجي، يستثمر من التراث ما يعتقد أنه قمين بتحقيق أهدافه..."الاختيار الاعتزالي... قد يكون أكثر تعبيرا عن حاجات العصر، وأكثر تلبية لمطالبه. ما رفضناه قديما قد نقبله حديثا، وما قبلناه قديما قد نرفضه حديثا..." (ص:18)

يدعو حنفي إلى إعادة نظر، في التراث، شاملة، بحيث لا نتقيد بخيارات الأقدمين، وإنما نتجاوزها، طبقا لحاجات العصر، من خلال عملية انتقائية يحدد حنفي معيارها البراغماتي: "... لا يوجد مقياس صواب وخطأ نظري للحكم عليه [التراث]، بل لا يوجد إلا مقياس عملي. فالاختيار المنتج الفعال المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب،..." (ص:18)

لا يخفى ما في هذا المعيار من تحكم. فالعمل، أي عمل موجه بالنظر، فلا عمل إلا وفقا لنظر مسبق. وبذلك فإن العمل الذي يتخذه اليساري معيارا للحكم على التراث، عمل موجه بالنظر اليساري. كذلك العمل الذي يتخذه الإسلامي، أو الليبرالي العلماني، سيكون موجها بنظريهما. وبذلك حين يعتقد حنفي أن المعيار العملي أكثر نجاعة من المعيار النظري، فإنه يقع في فخ محاولة الفصل بين النظري والعملي، وهي محاولة محكومة بالفشل، لأن أي عمل لا بد أن يوجهه نظر.

لا يبدو المنهج الذي يقترحه حنفي، أكثر توفيقا من المعيار الذي عول عليه. فهو يقترح مزيجا من المناهج التحليلية الفلسفية، والتحليلية الاجتماعية، بدعوى أن المزاوجة بين التراث، والواقع، تستدعي مثل هذا المزج الغريب. وهكذا، "...فقد يغلب أحيانا تحليل القديم، مما يؤدي إلى الأكاديمية الخاصة، وما تتصف به من برودة، وتعالم، وانعزال عن الواقع. وقد يغلب أحيانا تحليل الواقع المعاصر، مما يعطي البحث طابع التحليل الاجتماعي، الذي لا شأن له بالتراث القديم." (ص:19)

نحن هنا أمام تجاور لمعالجتين، تستقل إحداهما عن الأخرى؛ فحين يتناول حنفي التراث، فإن منهجه يفرض عليه الانعزال عن الواقع، وحين يحلل الواقع المعاصر تنقطع صلته بالتراث!

هذا ما يبرر التساؤل عن الصلة بين التراث، والتجديد، في معالجة حنفي؛ فهل هي صلة تجاور، يقدم فيها حنفي تصوره للمعاصرة، مسبوقا بفهمه للتراث، وبذلك يظل التراث منفصلا عن عملية التجديد، التي يزعم أنها تتحقق من خلاله: " لا يعني التراث والتجديد إصلاحا نظريا للقديم، بل يعني تغيير الواقع، تغيرا جذريا بالقضاء على أسباب التخلف، من جذوره النفسية." (ص:49)

لتحقيق هذا الهدف يصوغ حنفي " التراث والتجديد" في برنامج عمل حزب ثوري، يقود "حركة جماهيرية"، تغير الأطر النظرية، طبقا لحاجات العصر، "بدء من "علم أصول الدين"، الذي يعطي الجماهير الأسس النظرية العامة، التي تحدد تصوراتنا للكون. وابتداء من إعادة بناء الأصول تتغير أشكال الفروع بطبيعتها، الانتقال مثلا من العقل إلى الطبيعة، ومن الروح إلى المادة، ومن الله إلى العالم، ومن النفس إلى البدن، ومن وحدة العقيدة إلى وحدة السلوك." (49)

alkunty_dr@yahoo.fr

عودة للصفحة الرئيسية