الوطني من العميل!

من صفحة الكاتب

الخميس 24-08-2017| 16:00

محمد ولد المنى

«الناقد بصير» و«اللي ماهو في الديكه ارجيل »، ومنظِّرو التاريخ في عام 2017 لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب، ويرون أن عار « المخطار » الذي لا تطهره منه البحار، كونه آثر خيار السياسة والملاينة مع فرنسا الاستعمارية حين قررت الخروج من بلادنا كباقي مستعمراتها في القارة الأفريقية، ثم سمح لهذه « العدوة الكافرة » بالخروج وكعبها سليمة دون أن يدميها حرباً وقتلا وأن يعلنها ثورةً شعواءَ لا تبقي ولا تذر، يموت فيها من الموريتانيين مليون ونصف المليون كما مات من الجزائريين في ثورتهم !
لكن طروحات « المؤرخين الجدد » ترتبك وتهتز أمام أي إشارة تقارن السياق التاريخي لبلاد السيبة بالسياق التاريخي لثورة الجزائر التي لم تعرف السيبة في تاريخها المعلوم، أو الإيماء إلى حقيقة أن ساكنة بلادنا كانوا بدواً رحلا باعد بينهم نمط الانتجاع الرعوي وفرقتهم النزاعات على مناطق المراعي ومصادر السقي، وأن أهل الشوكة والتأثير الروحي جميعاً قبلوا مبكراً مكاتَبة المستعمر والدخول في سلطته وتحت سيطرته، حتى قبل أن يولد « المخطار » !
لذلك لم يكن اللجوء إلى خيار « الاستقلال المنتزع » مطروحاً بالأساس، ليس فقط لأن فرنسا لم تحوجنا لانتزاعه منها عنوةً وإرغامها على الجلاء والانسحاب، ولكن أيضاً لأنه ما عاد هناك شخص واحد يحمل السلاح في وجهها آنذاك، ولأن أغلب الناس لم تعد ترى إمكانيةً للاستغناء عن الوجود الفرنسي على الأرض، بينما كان يميل البعض منهم إلى الالتحاق بـ« الفيدرالية المالية »، وبعضهم الآخر إلى موالاة المغرب ومبايعة سلطانه. وفي هذا الخضم كان المختار ونفر قليل معه من الرجال الأحرار يرون خيار « موريتانيا المستقلة » ويرتضونه دوناً عن باقي الخيارات الأخرى. ورغم التحديات والمصاعب الكبيرة التي اكتنفت استقلالنا الممنوح، وسط غياب أي رغبة شعبية في الاستقلال أصلا، يطلع علينا في عام 2017 بعض المفتونين المتيمين بفرنسا (لغةً وتحالفاً سياسياً وأمنياً وعسكرياً ومالياً وإسكانياً..) ليدّعوا زاعمين أن « المخطار » كان عميلا ولم يكن وطنياً، والله يعلم الوطني من العميل والأمين من السارق.


عودة للصفحة الرئيسية