سعد الحريري يغادر الرياض متوجها إلى فرنسا الحزب الحاكم يدعو موغابي رسميا للاستقالة من منصب رئيس البلاد حول الوضع المزري للتعليم قوى التقدم يطالب بإطلاق معتقلين في مدينة سيليبابي كيف تقرأ الرسائل المحذوفة على واتس آب؟ ولد احمد إزيد بيه يشارك في الاجتماع الوزاري حول التجارة والأمن والحكامة في إفريقيا انفراج في العلاقة بين موريتانيا وغاميا عمر البشير: سأتنحى 2020 وأدعم "أيلا" في انتخابات الرئاسة أول ظهور علني لموغابي بعد سيطرة الجيش على السلطة في زيمبابوي استعراض لتاريخ الحركة الطلابية بأسبوع الدخول الجامعي الثامن

أنا "تباتو" صغير، لا اسم لي بالبولارية!

"أن ترى الأشياء يعني أنّك بعيد وأن ثمة مسافة. أن ترى الأشياء بوضوح معناه الّتّوقف عن الرؤية. أن تُحلل ما تراه يعني أنّك غريب". - فراندو بيسوا.

الأربعاء 16-08-2017| 13:54

الشيخ ولد مزيد

شعرتُ بسعادةٍ عارمة و أنا أطالع بشغفٍ تأملاتِ عبد الله سيري با في اللّغة والتّاريخ التي أبان فيها عن خلفيةٍ لسانية وأنثروبولجية فريدة غيّبها الصّحفي لفترةٍ طويلة، ومع أنّ ظروفي لا تختلفُ كثيراً عن ظروفِ الفقيد محمد سعيد ولد همدي وهوّ يُتابعُ "على أعمدة "الشّعب" هذا النّقاش الغني والرائع حول قصيدة جديدة للشّاعر أحمد ولد عبد القادر"(السفين) ورغم اختلاف السياق" فعلى الرغم من انقطاعات التيار الكهربائي وأيام الزوابع والرمل، وحركة الزوار التي لا تنقطع، والركود الفكري المقلق المنتشر في أوساط النخبة المثقفة فإن بعض الشجعان كانت لهم الجرأة على امتشاق القلم، وتستحق منا هذه المبارزات والمعزوفات المنفردة الاعتراف لأصحابها بقيمة الجهد والوقت الذي بذل في التأمل حول حياتنا وسبل بقائنا، لقد كان النقاش بطبيعة الحال، عالما وأكاديميا. وهو على أية حال يغري بمحاولة المشاركة فيه" (1993). وذلك ما حدثَ معي تماماً (2017) رغم جهلي، غير أنّي لم أستطع إلّا أن أكتب !


في الحقيقة يعجبني الجميل عبد الله سيري با (ذكر المختار ولد حامد أنه "في السرغلة فعلامة الجمع في الكلمات الممال أخرها ضم أخر المفرد نحو سيرى-شخص سيروه= الأشخاص" (أورده صاحبُ الأزهار النادية، 2013 ص59) أمّا با فيذكر الإمام ولد محمد قلي أنّها تعني النّهر باللّهجة المالينيكة (مجلة مصادر، 2004 ص29) وهكذا صار عندنا شخصُ النّهر أو بلغة أحمد ولد عبد القادر المذكور أعلاه "العيون الشّاخصة" في النّهر) فلطالما سمعتُ عنه، وعن إلمامهِ بالعربية، مع أنّ الإلمام بالعربية عند ساكنة الجنوب الموريتاني حيثُ ينحدر لا يمكن أن يكون أمراً مستغربا فيخبرنا المؤرخ إبراهيما أبو صال الذي درس العلاقات بين لبراكنة و فوتا تورو (لارمتان،2013) أنّ القاضي العلامة تيرنو أمادو مختار ساقو ( ت:1934) كان يكتبُ البولارية باللغة العربية (أبو صال،1995)، و كان "موسى دييدي، أحد أكبار حيّ "كاتاكا" السوننكي في مدينة كيهيدي وعلى نطاقٍ أوسع محيطه العائلي ممن يتقون الكتابة و القراءة باللغة العربية وورثة تقليد عريقٍ في الإلمام بالثقافة الإسلامية العالمة (عبد الودود ولد الشّيخ، 2015).
ويذكرنا لنا الشهيد تين يوسف كي في كِتابه البديع : "مظاهر من الأدب البولاري في إفريقيا الغربية، بعض الأوجه من الجنوب الموريتاني" أن "المداحين في البلاد البولارية يُسمّونَ "بيتوت" وكذلك "المدا" دون حرفِ الحاء، وهي التّسمية الثابتة في أنحاء الفّوتا. وقد كان الشّيوخ موسى كمرا آيةٌ في اللّغة العربية، وليس هوّ الأخر سوى تجلياً لعملية التّثاقف بين ضفتي النّهر مهما ابتعد، فنجدُ العلامة دفينَ مقامة الشيخ مامومودو مامادو يقول أنه "لا يوجدُ عالم في مثل ذكاءٍ وفطنةِ الشّيخ موسى، ولا في قدراته على تطويع اللغة العربية بكلِ هذا الجمال.. كل يومٍ استفيد علماً جديداً ودروساً قيمة و معلومات وافرة، في الوقت الحالي لا أرى عالماً يحظى بكلِ هذه المكانة، اللهم إلا إذا كان الشيخ موسى" (كمارا : 1970) وهذا الباحثُ الفرنسي الكبير موريس دولافوس يتحدثُ عنه بعد ما أرسل له نسخةً من كتابهِ "زهور البساتين في تاريخ السوادين" : "تعجبتُ من المهارة التي أظهرتموها في تأليف الكتاب ، فهو كتاب مهم و مفيد جداً، وما كتب مثله في أهل التّكرور، ولا زلت أجتهد في ترجمتهِ إلى الفرنسية و في استعداد طباعته بالعربية و الفرنسية" (عامر صمب، الأدب السينغالي العربي، 1978).


لقد تعرفتُ على عبد الله سيري با أول مرة، وأنا أطالع إرشيف مجلة "أقلام" الرائدة، حيثُ صادفتُ تهنئة طريفة كتبها لأحد أعضائها تزوّج وقتها حملت عنوان "وأخيراً أسرَ البشمركة العجوز" وتعرفتُ عليه مرةً أخرى في إرشيف مجلة القلم الفرنسية وهوّ يبكي وفاة حبيب ولد محفوظ (ت :2001) حيثُ عمل عنوان تأبينه "يا حبيبي" . في نفس الوقت سأتعرفُ أيضاً على الفقيد الكبير، الأنثربولوجي صيدو كان ( ت : 2006) الذي كتبَ يرثي حبيب ولد محفوظ متذكراً الأصول في حديثٍ تاريخي شيّق، أوجد فيه صلةً بين الجنوب و الشّمال، حيثُ ذهب بعيداً في الأنساب. ولو كان معنا لكان إسهامه في هذا النّقاش غايةً في الإفادة. و مع ذلك لم ألتق سيري با بعد بشكلٍ مباشر ولطالما تمنيتُ ذلك، وها أنا أجدُ الفرصة لأكتب له، ولأعبر له عن كبير حبي و إحترامي له، وقد أدهشتني هذه الحلقات وأسعدتني.
ولا أخفي عنه كون اللّهجة الصّنهاجية تؤرقني فهذه اللهجة هيّ الغائبُ الوحيد عن دستور 1991 الذي ديس بالأحذية الخشنة، وربما لو تم تعديله لأجلها لكان أفضل، و تهمني اللّهجات الوطنية كثيرا، وبقدر الإهتمام بلهجة أسلافي التي غُيّبت بشكلٍ قسري لصالح حسانية عجيبة، أنا أهتم باللّهجات الأخرى رغم عدمِ إلمامِ بها بكلِ أسف، وقد ألهمني الفقيد ممدو صمبا جوب الملقب مورتودو (الثّائر بالبولارية) فلطالما اعتنى وطوّر وترجم واهتم بالبولارية، وكانت رؤاهُ بشأن اللهجات الوطنية عظيمة، لقد أحبّ كلّ هذه اللّهجات بقدرما أحبّ البولارية، ولاشكّ أن أيّ عودةٍ للحديثِ عن اللّهجات هيّ امتداد لرسالتهِ لما بذله في هذا الشأن من جهدٍ يستحق التنويه و الاحتفاء، وكم هوّ باعثِ على الأسى أن الكثير من البحوثُ المتعلقة باللهجات الوطنية ليست مُترجمة -إن وجدت- أو لا تكون مُتوفرة وقد عبّر عن هذه الحالة في سياقٍ مُشابه د. محمد الأمين ولد مولاي ابراهيم في حديثهِ عن "السّرد الموريتاني و النثّرية العربية، سياقُ ظهور الأشكال السّردية" وهوّ يحصي : "نصوصا سردية روائية مازالت مجهولة من طرف القارئ نتيجةً لعدم نشرها و عدم توفِر المنشور منها ومن هنا، ظلت معرفة ملامح هذا الأدب و الاطلاع علي نصوصه مقصورةً على دوائر ضيقة من المهتمين بهذا الأدب و خصوصيتهِ الأدبية."
ويعني "أساتذة الأدب الفرنسي و طلابهم بكلية الأدب بجامعة إنواكشوط و بالمدرسة العليا للأساتذة، بالإَضافة إلى بعض الباحثينَ الموريانيين المهتمين بهذه النصوص الذين التحقوا بجامعاتِ أجنبية." (الموكب الثقافي، 2016، ص70) فكما سنرى جلُ الأعمال التي تعني اللّهجات الوطنية، كانت مكتوبة بالفرنسية.وهنا لا يمكنُ إلّا نُحيي ولد البوصيري على هذه التّرجمة الجميلة، وهذا الإبحار الطّويل.و قد تكونُ التّرجمة رحلة من نصٍ إلى أخر، على متنِ قاربِ صغير على ضفةِ صنهاجة.
لقد درسَ الرّاحل عمر با اللهجة البولارية واشتغل عليها، حيثُ أصدر معجماً صغيراً بولاري فرنسي و العديد من البحوث والمقالات، وكذلك فعل الأستاذ كوريرا ساقا الذي أصدر دراسةً حول "الملحمة البولارية" ضمنه العديد من التّراث البولاري الغني، وكان ذلك شأنُ الفقيد عثمان موسى دياكانا ( ت :2001) مع السّوننكية من خلال أعماله المنشورة مثل "الأناشيد التقلدية في بلاد السوننكي" وقد ذكر الدّكتور امبوه سيتا دياكانا في أطروحته (2004) أننا لا نكاد نجداً مختصاً بالأدب الولوفي في موريتانيا على غرار عمر با (البولارية) و عثمان موسى دياكانا (السوننكية) ووصف هذا الأدب بالأقل دراسةً في موريتانيا، رغم أنّ هذا الأدب كما يقولُ مبوه سيتا دياكانا له تلك الخصائص التي تتجلى في الحكايات و المدائح و الأمثال الشّعبية و " التماس و التعايش مع البيظان في روصو" (لقد افترضت أنّ بلوار(يتربط الاسم الآن بموقعٍ رائع يعمل في مجال الأرشفة ومع إن الاسم يُقال أنّه مأخوذ من اسم قريةٍ في كيفة) قد تكون تحريفاً لـ بيْ لَوار الولفية التي تعني سندَ ملكية الأرض في والو التي كان حيّ "أُندُوربَل" في روصو جزءً منها) على حدّ تعبيره، وهوّ ما لمسه من مقطعٍ تمجيدي يُعتبرُ حالةً خاصةً في الأدب التقليدي، ويُدرجُ أحيانا في الملحمة و الأسطورة، (ص59).
أمّا اللهجة الحسانية فيذكر الدّكتور محمد ولد عبد الحيّ أنّ الرائعة كاترين الشّيخ "أنجزت بين 1984-1995 إثني عشر عملاً أو أكثر كلها عن اللّهجة الحسانية : بنيتها و دلالتها و شعرها، وهيّ تخلو من بعض الفقرات المترجمة لكن أهمها يظلُ ذلك المعجم المزدوج من الحسانية للفرنسية الذي ورد في ستة أجزاء نشرت في ما بين 1988- 1990." (البحث في حقل التّرجمة بموريتانيا، حوليات كلية الأدب، العدد6، 1999، ص158). ولا بأسَ أن نشيرَ هنا بشكل عابرٍ إلّا أنّ لغات البث في إذاعة موريتانيا كانت مقتصرة في البداية على العربية و الفرنسية وغذيت سنة 1955 بالتكرورية و السوننكية وفي سنة 1963 بالولفية. لقد بدأت هذه المؤسسة تضع مسطرة برامجها الجديدة كما تخبرنا وزارة الدولة للتوجيه الوطني (من أجل إعادة الإعتبار لتراثنا الوطني،1976، ص45) وذلك منذ أغسطس 1975 وكانت تشملُ 101 من البرامج المذاعة بأربع لغاتٍ وطنية (العربية ، التكرورية، الصوننكي و الولفية) و بلغة "أجنبية" هيّ الفرنسية، وهذه البرامج كانت تُذاع على هذا النّحو : 50 بالمئة للعربية، و 30 بين اللّغات الشّعبية، فيما أخذت الفرنسية نسبة 20. أمّا الحالة اليوم فلا يمكنُ أن توصف إلّا بما قالتها عاشقةٌ ذات حنينٍ مُهوّل جاءَ في "تبريعةٍ" (شعر نسائي) : "طيني منك ساعة// كِرعتْ لِكور من الإذاعة"، وهذه مناسبة للتّرحم على روحِ الإعلامي بابا أمادو تيديان بال نغمة فوتا الذّهبية و نجمها الذي تنظرُ إليه لتعرفَ أينَ هيّ، وقد ذكره حبيب ولد محفوظ في "معجم الطبخ الموريتاني" (ترجمة حسين مدو) عند حرف الراء بقوله : " تبدأ إذاعة موريتانيا برامج منتصف النهار عند الساعة الثانية عشر زوالا. وفي انتظار نشرة الساعة 13، والتي تتزامن مع الغداء، نستمع لبلاغات البولار لقارئها بال آمادو تيجان. من ثم صار صوت بال مرادفا للغداء عند كل الموريتانيين".


وبالعودة لموضوع الحلقة الأخيرة من هذه السّلسلة الجميلة التي كانت "حول أصل كلمة "تَبّاتو" التي تعني "البيضاني" بالبولارية" ولأنّه ليس ليّ ما أضيفهُ في هذه القضية بالذّات، وقضية نار و الإشكاليات اللّغوية فقد سجلتُ ملاحظات عابرة بشأن "الآثار الكارثية لهجمات نهب "البيضان" على سكان "فوتا" و ما أثارهُ س. من قضايا مهمة و مُشاهدة، كان ردّ الجميل سيري با عليها رائعاً رغم اختلافي مع طابع التّسامح ومحاولة عدم إثارة أزمات الماضي الشّديدة، الذي اتسم به في طرحهِ بشكل عام مُغفلاً أو متناسياً حقائق هامة ذكرها س. ووقائع مُؤرخة ومعروفة خاصةً ما يتعلقُ بالبيظان، فهذا و إن كان نُبلاً و إحساسياً عاليا يتمتع به غير أنّه لم يعد يكفي حتى الأن.
وعلى سبيل المثال، أنا شخصياً لا يمكنني أن أجد أو أختزل العلاقة بين فوتا تورو و البيظان ( نبهني مرةً أحد الأصدقاء أنّ المثقف الخلوق و الإطار البارز كان هاديا درسَ العلاقة بين علمائهما) في دراسة أمادو مخطار ساقو على الشّيخ الحارث الشّقروي تلميذ محنض باب ولد عبيد أو ما أسماهُ الأٍستاذ محمد الأمين ولد سيد أحمد بـ "نظرة الفقهاء البيظان الإيجابية تجاه الإمام عبد القادر ودولته" تعليقاً على أبيات النابغة الغلاوي التي وردت في نظمه في العبر المعروف بأم الطريد، والتي "يشيرُ فيها إلى ما لحق دولة عبد القادر على يد القبائل البنبارية، وكيف تحولت من قوة ضاربة في المنطقة إلى العدم. " (السلطة و الفقهاء في إمارة إترارزة، 2003، ص7).
إنّ نهب البيظان على سكان فوتا أخذ أشكالاً عديدة، لعلّ أبرزه ما ألت إليه ملكية الأرض، فقد عدد الشّيخ موسى كمرا في مجموعهِ النّفيس "أماكن كلّها أو جلها من لغتنا ومنها ما هوّ من أسماء قرانا إلى الأن" وذكر "قيم" على سبيل المثال و التي يقولُ عنّها النّاني ولد الحسين محققّ الكتاب : "أسم لأضاة في مقطع لحجار، يعتقد عمر با، أن أسمها تحريف لكلمة كومي التي تعني بالفلانية نوعاً من الشجيرات ينمو بكثرة في تلك المنطقة، على أن التسمية تحمل دلالات عربية، إذا اعتبرناها فعل أمر موجه إلى مخاطب مؤنث، وهي في هذه الحالة محرفة عن فعل أقام أي كام بكاف معقودة، وهو مصطلح متداول بين البدو يعني عدول الحي البدوي عن الرحيل، ويفيد عُمر با أن هذا الموقع هو الذي تأسست عنده إحدى الكونفدراليات القبلية الفلانية، هي كونفدرالية ديا أوب المعروفة عند البيظان باسم إدكج، وأول قائد لهذه الكونفدرالية بعد تأسيسها هناك، هو : أردو يرو دييدي، وقد تكتلت المجموعات المكونة لها نتيجة للهجمات المتكررة لدننيبكوب عليها"، كما يذكر لنا "جول" وهيّ كما يقولُ النّاني ولد الحسين : "اسم لجبلٍ على بعد كلمتراتٍ إلى الشّرق من كيهيدي، أسس مجموعةٌ من سوننكة كرطة بالقرب منه قريةً حملت إسمه في القرن 15م، قبل قدوم كولي تنكلاً إلى فوتا تورو، واحتلها هذا الأخير و اتخذها منطلقاً لفتوحاته من في منطقةِ حوضِ النّهر".. ألخ
وفي الكتابِ الأبيض حول النّزاع الموريتاني السنيغالي الذي نشرتهُ جريدة الشّعب في أكتوبر من ذلك العام المشؤوم وردت إحالة هامة لعمر كان في "أطروحة حول العرب الموريتانيين و الفوتا تورو في القرن 17م" نشرت في دفتر الدراسات الإفريقية (العدد 54، 1984) حيثُ قال أنّه توصل "بعد تتبعِ الوثائق في إطار أطروحة حول الفوتا تورو في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر للميلاد إلى الحقيقة الماثلة للعيان : لقد كان سقوط نظام الديناكوبي نتيجة لسيطرة العرب الموريتانيين على شؤون البلاد، فالحروب و الصراعات الداخلية بين مختلف أفراد العائلة الحاكمة، كان يدعمها التحالف الذي يعقده كل طرف مع قبيلة أو عشيرة عربية، وأيا كان المنتصر في الصّراع، يبقى العربي الموريتاني موجوداً في البلاد (السنيغال). وتشير المصادر إلّا إنّ أزمة الخلافة التي بدأها أبوبكر سير حوالي سنة 1716، استمرت طوال القرن الثامن عشر فغمرت فوتا تورو، في خضم عدم الإستقرار و الحروب الأهلية. وتفاقم الوضع أثناء النصف الثاني من ذلك القرن مع انتشار تجارة الرقيق عبر البحار التي كان ينظمها الحاكم الإنكليزي الجديد، أوهارا، الذي يَسّر على بربرِ لبراكنة واترارزة مهمة إحتلال فوتا تورو.
وفي هذه الظروف، لم تكن ثورة تورودو موجهة نحو نظام حكم الدنيانكة فحسب، إذ أصبح الأن عاجزاً عن كافة أمن البلاد، بل وجهت أيضاً ضد سيطرة لبراكنة وبيع المسلمين في سوق الرقيق. وعلى ذلك استطاع حزب تورودو، بقيادة سليمان بال، أن يحقق على الفور نصراً عسكرياً ضد أولاد عبد الله في مبويا، ومن ثم وضع حدٍ لضريبة "مد حرمة" التي كانت تدفع سنوياً للبربر. (يُراجع هنا، تاريخ إفريقيا العام، المجد الخامس، 1998،ص360) ويذكر فيليب مارشزيه "إنّ فرضية وجود سكان سود في المنطقة المتصحرة حالياً، والتجارة عبر الصّحراء شكلا أهم عاملين لإمتلاك البداة الموريتانيين للعبيد (عبد الودود ولد الشّيخ : 418) إلى حدّ أن الولوف و الصّوانك و الهالبولار، أيّ المجموعات الزّنجية المحاذية لنهر السنيغال لم يكونوا الموفرين الأساسين للعبيد، بل مجموعة البافور (الموجودين أساساً في الواحات) و مجموعات السّود موضع التّجارة عبرة الصّحراء (البنبرا و المانديغ) (القبائل و الإثنيات و السّلطة في موريتانيا، ترجمة ولد بوعليبة، ص38).


وفي ختام هذه العجالة التي كتبتني، لا أستطيع إلّا أن أشيد بهذه الخرجة المذهلة للجميل عبد الله سيري با في ثوبٍ عربي أنيقٍ، وأملُ من كلّ قلبي أن لا تتوقفُ كتاباتهُ في هذا الموضوع الهام أو ما يُمكان يسمى بـ "لسانيات الجنوب"، وأن لا تنتهي هذه السلسلة إلّا لبدء أخرى، وذلك للحاجة الماسة للحديثِ في هذا الموضوع وخاصةً من طرفِ عارف، فلم أقف يوماً على حديثٍ في هذا المنحى إلّا ما أوردهُ المختار ولد حامد في بحثٍ منشور في الثّمانينات (مصدر سابق) في إطار تعريف لهجات هذه الأرض، حيثُ قال : "أما في السرغلة فعلامة الجمع في الكلمات الممال أخرها ضم أخر المفرد نحو سيرى =شخص سيروه= الأشخاص. أما في الكلمات المكسورة أو المفتوحة الحرف الأخير، فتزيد على المفرد نون مضمونة نحو سن للفرس، وسنو للأفراس وعلامة الجمع في الفلانية با مفتوحةً نحوّ فوتنك أي فوتى فوتنكوب أي فوتيون، و الكاف في الفلانية بمنزلة ياء النسب في العربية. وعلامة الجمع في الولفية همزة مفتوحة فياء ساكنة قبل المفرد نحوّ كور للرجل أي كور للرجال/ وعلامة التثنية مفقودة في غير العربية. أما قاعدة تصريفِ الفعل مع الضمائر المتصلة فيختلفُ حسب الماضي و المضارع، و المتكلم و المخاطب و الغائب."


عودة للصفحة الرئيسية