موكب موغابي يغادر مقره في العاصمة وسط استهجان وسخرية السعودية تستدعي السفير الألماني للاحتجاج على "تصريحات مستهجنة" صحة: لماذا علينا التوقف حالا عن تناول الأرز؟ موريتانيا: يوم للمواطنة في المتحف الوطني موريتانيا تشتري طائرة جديدة نقابة للتعليم تعلن عن وقفات احتجاجية في جميع الولايات رابطة العالم الإسلامي ونصرة نبي الأمة صلى الله عليه وسلم سعد الحريري يغادر الرياض متوجها إلى فرنسا الحزب الحاكم يدعو موغابي رسميا للاستقالة من منصب رئيس البلاد حول الوضع المزري للتعليم

طينة الأقوياء في بلد المليونيات

الثلاثاء 15-08-2017| 11:08

الولي ولد سيدي هيبه

لا مجال للاندهاش عند رؤية بعض أهل النفاق و الباطل ينتصرون و مثلهم من أهل العقل العاجز السافل يهِنون و هم ليسوا أوفر نبلا، فإن ذلك من إملاءات منطق الأشياء على مر العهود منذ ما قبل نشأة الدولة المركزية على يد الاستعمار من ناحية، و من نسق مجريات الأمور في البلد الذي ما زال يتغذى فيه العَقلُ "السيباتي" ـ من أجل السيطرة و البقاء ـ على قانون الغاب و حربائية الأحراش و صوت الرمل في الصحاري المقفرة لا يُدرى مَأتاه من ناحية أخرى.
كما أنه لا مكان للحيرة القصوى عند رؤية النبلاء "لفظا و عربدة" يلبسون الظلام إلى المقاصد الدنيئة عند أقدام الأقوياء في جميع المراحل و على عتبات خدور مُومس سياسة الفترة بغض النظر عن كيفية وصولهم من بؤر القوة أم من هفوات الضعف. هؤلاء النبلاء الذين يخلطون بين حقد "المجروح" و نفاق "المغلوب على أمره" ليظلوا في السباق داخل حلبة إركاع البلد.
ثم لا عجب أن يسمع لقبُ القوي "الأمين" و هو يطلق بلا تردد و من دون حياء على الزنيم "السياسي" و قد طهرته براءة الوظيفة السامية و المال السهل، و يرى " الزنديق " يتحايل على الأصول المعتقدية في محارب الاجتهادات التأويلية يأتي بلا حياء البوائق من أوسع الأبواب و يتجرأ نهارا جهارا على فقه الأمور و يدوس على الأخلاق فيكشف عن تعاطيه الخمر في الملأ لفظا و سكرا و غرقه إلى الودجين في الملذات و لا يهاب الحديث عن الرذيلة معتبرا إياها بطولات "بلايبوياتية" و الفساد علامات شجاعة و قوة و نبل و فتوة، كما يُشاهد "المتمردُ" على النأي عن مضامين "العنجهية" يراوغُ من وراء دروع المفاهيم "المساواتية" المستحدثة، و يُبصَرُ شامِخا ذاك الذي يُعلنُ عاليا و مُفتخرا عن اعتناقه عقيدة النفاق و الزندقة و التمرد على القيم و يتبني خيار تعاطي تقبيل الأحذية... فلا عجب في كل ذلك داخل بلد المليونيات.
عاصمة الخواء الديناميكي
تستيقظ جميع عواصم الدنيا من حولنا على إيقاعات المعارض الفنية و الصناعية و العروض المسرحية و السينمائية الجديدة شكلا و مضمونا و على متون المحاضرات الفكرية و اللقاءات الثقافية الدولية، و تستيقظ نواكشوط على مزيد من القمامة الميتة ـ التي لا تصلح لإعادة التكرير ـ المترامية في أرجائها و على جرعات زائدة من الخواء الديناميكي و انقطاع التيار الكهربائي و مياه الشرب و النفاق السياسي و الخلافات البيزنطية و إعادة توزيع الأوراق القبلية المهترئة و المحاصصية الإثنية الشرائحية المبتدعة في قوالب المفاهيم الرجعية و "السيباتية" القديمة الجديدة، و توزيع الصفات المفجعة للوطن و الكابحة لحراك تنميته المعطل. و في عواصم بلدان الجوار من حولنا يقطع نفس هذا الحراك الشامل أشواطا حثيثة إلى الأمام و تتقدم الشعوب باضطراد ملحوظ، بينما تلبس عاصمتنا في كل صباح حلة أكثر قتامة من التخلف الذي تعكسه فوضوية المرور و غياب الطابع المدني في وجه صادم جعل أحد الزوار يسأل يوما بعد أن خرج من فندقه يريد التسوق : أين وسط المدينة، أين محطة الباصات و التاكسي و القطار و المترو؟ و بالطبع فإنه لا بد سأل في المساء : أين المسرح و الأوبيرا و دور العروض و المنتزهات و المكتبات و حديقة الحيوانات و المتاحف و المنتزه المائي (الأكواريوم)؟ 
ضرب الإعجاز في الاستثناء
وسط محيط من التخلف القاتم يشرب الساسة و المحسوبون على المعرفة و الثقافة في البلد نَخبَ الكبر و الاستعلاء بدون خجل و يضجعون كالبلهاء فوق فراش من الظلامية لا يبالون أو يحسون بالمهانة التي تغرز أشواكها الحادة في خاصرة حاضر هذا البلد المكلوم و تفقأ بمخالبها الجارحة عيون مستقبله العمشاء. إن كل عمل يقام به محاكة للغير مختل، و كل مظهر فيه يُتقمص يفضح أرواح نُخبه المضطربة و نواياها السيئة و يعري كسلها المزمن و طمعها المتحرر من كل نواهي الدين و مسطرة القيم و يشي بزندقتها الدفينة. لكم أن تراهنوا و تقارنوا دون تردد العاصمة بأية عاصمة، فهل يربح الرهان أو إدارتنا و سير العمل فيها بأخرى تضعون عليها الأصبع فهل يعترف بجرأة المقارنة... الطرق، الأسواق، المدارس، المستشفيات، الخدمات، مظاهر المدنية، المعاملات، الحراك الثقافي و الفكري، المسار السياسي و المدني، فهل تصدق الأنفس الحائرة و تعترف أن البلد ضرب من الإعجاز في الاستثناء داخل خضم العولمة و التنوير و التنافس بالعلم و الإبداع.
التخلف على أكف النفاق
لا سبيل مطلقا إلى التوازن و النمو و الاستقرار في أي بلد يتم تعاطي السياسة فيه على النطاق الشامل بعُملة "النفاق" المغشوشة؛ فالنفاق صفة دميمة من صفات الشعوب المتخلفة التي ما زالت تحتفظ في التعامل بينها و بين الطبيعة بعهد البدائية و صلة التحجر الوثيقة في نسق مجرى حراكها العام و اتباع قانون القوة و الغدر فيها. و لقد هجرت الشعوب "المتمدنة" هذا المرض العضال و غيره كالحسد و الغل و الحقد و الكبر إلى التنافس الشريف و البديع في مجالات المعرفة الواسعة التي تسمو بالنفس فلا تتوقف تشعباتها و لا ينضب معين مردوها المادي و النفسي على المتعاطين فروعها و على الوطن بنتائجها. و على عكس صفات المنافق و الانتهازي و الطفيلي و الواشي فإن صفة "الخباز" عند المجتمعات الفاضلة ليست ذما و لا استنقاصا لحامل عنوانها المعتبر، و طذلك النجار و السمكري و اللحام و البناء و الصباغ و الميكانيكي و الكهربائي (ليش فاليزا) و السائق (مادورو) و غيرهم من أصحاب الصنعة و الحرفة ذات المردودية على الوطن من بعد أنفسهم، فإن جميعهم يتربعون على لائحة المواطنين الشرفاء لالتصاقهم الشديد بمتطلبات حياتهم؛ فكل ينافس الكل ليتجاوزه في البذل و الإبداع و العطاء و لا يحسده. و ليست السياسة في نبل مقاصدها عند الشعوب ذات الوطنية "الناطقة" بالفعل التنموي و الرفاه النفسي بأقل حظوة من المتنافسين المخلصين بالبرامج الطموحة و الخطابات البناءة و المقاصد الرفيعة فسرى الفاعلون و هم يَدخلون عبرها و عند شعوبهم من باب التاريخ الكبير إلى منصة الخلد في المناهج و الأذهان و ليكتمل حولهم الإجماع بالتقدير و التكريم... فهل ندرك دقة الأمر و خطورة وضعيتنا النفسية السقيمة فنغير ما بأنفسنا ليغير الله ما بنا فنفوز.
حروب ردة الصمت الظالم
في كواليس و دهاليز و أروقة الإدارة و المؤسسات العمومية تدور بين الأفراد الممثلين لهذه الكيانات صراعات قبلية و جهوية يقصي خلالها بعضهم بعضا و يشي البعض بالآخر و يلفق التهم و يعري الأسرار و الخبايا في حرب صامتة ضروس من دون علم العامة الخجولة المأخوذة على حين غرة. صراعات من زمن ولى، نظريا و لكنه نابض بالحيوية في واقع الحياة، يتم على إثرها تقاسم الفساد و سوء التسيير و التستر على النتائج الكارية لهما و كأنها تفرق بين دم القبائل. و لا تسلم السياسة من ذلك إذ الأحزاب تتقاذف التهم و تتقاسم وسائل أسباب إطفاء الحريق. و لا تقل المبادرات التي لا تخجل من تسمية نفسها بالقبيلة سوء في قيام هذه الحروب الصامتة التي تقصي أفراد القبائل الأقل حرابة و حضورا و جرأة الأفراد فيها.. قبائل هي الأكثر عددا و الأقل وزنا في سلم الاعتبارات التعسفية؛ اختلال يزيد حدة مع تمكن القبائل "المهيمنة" ـ رغم خلافاتها المعلومة ـ بسبب ضعف القبائل ذات اليد القصيرة و قوة المتاريس و الحواجز المادية و النفسية المضروبة من حولها.. قد يكون الأمر غير ظاهر الملامح لكن نظرة متأنية و مجردة كفيلة بأن تكشف المستور عن حروب ردة الصمت الظالم.
غياهب جب النسيان
في الوقت الذي لا تصدر في البلاد بطولها و عرضها صحف و مجلات بالألوان و بمحتويات مقبولة، و لا كتب لمفكرين و علميين و باحثين و تربويين و إعلاميين و كتاب و أدباء و فنانين، تحتضن غينيا أكبر تظاهرة على الإطلاق لهذا العام في عاصمتها تحت شعار "كناكري العاصمة العالمية للكتاب 2017 (اليونسكو) ". فكيف لا نشعر بهذا الخواء الذي يلفنا و يكاد يخرجنا من دوائر المعرفة و يرمينا في غياهب الجهل و النسيان؟ و هل من أمل في التخلص من هذا الاستعلاء المعرفي الذي يطوقنا؟


عودة للصفحة الرئيسية